عملنا قعدة عرب
بقت تلف في الشارع وتقول للناس والندم يقطع فيها: “أنا اللي بغشوميتي خربت بيت ابني.. أنا اللي طردت النعمة والبركة بإيدي، ده أنا كان معايا جوهرة وبخدمتها كانت شايلة البيت كله!”.وجوزي بقى يتمنى بس يلمح طيفي في الشارع، ويترجى كبار البلد عشان أسامحه أو أرجع له، بس أنا قفلت الباب ده للأبد.
. عرفوا قيمتي بعد ما راحت من إيدهم، وعلمهم الزمان إن الظلم آخره خراب!مرّت سنتين كاملين.. سنتين كانت كفيلة إنها تلملم جراحي، أسترد فيهم صحتي، وضحتكي اللي كانت مطفية ترجع تنور وشي من تاني. ردت فيا الروح وسط أهلي، وراجعت نفسي وعرفت إن ربنا ما بيضيعش حق حد، وإن الابتلاء اللي مريت بيه كان مجرد باب عشان اخرج منه للخير الأكبر.
في أواخر السنتين دول، تقدم لي راجل من كبار العائلات في الناحية المجاورة.. راجل محترم، ربنا فتحها عليه في تجارته، متجوزش قبل كده، وأول ما شافني وسمع عن أصولي وصبري قال لأبوي على بلاطة: “أنا مش أدور على خدامة، أنا أدور على ست بيت تصون اسمي، وتعيش هانم في بيتي ورأسها مرفوعة للسما”.
الجوازة تمت في عز وكرامة.. شقة كاملة جديدة بأحدث عفش، ومفيش كلمة اسمها “بيت عيلة” ولا “نزول للفرن”، جاب لي شغالة تشيل عني شغل البيت، ومصروفي بينزل في إيدي أول كل شهر قبل ما أطلبه.
بقينا نخرج، ويسافر بيا، وكل ما يبصلي يقولي: “أنتي جوهرة، واللي ما يعرفش قيمتك يبقى أعمى العين والقلب”.وفي يوم، كنت نازلة من عربية جوزي الجديدة قدام المجمع الطبي في البلد، لابسة أنضف ثوب، والذهب بيلعلع في إيدي، وشكلي ردت فيه الروح وخسارة السنين كلها اتعوضت صحة وجمال.
. وفي لحظة، لمحتها!حماتي القديمة.. كانت واقفة في جنب، مقوسة الضهر، إيديها متشققة من الطين وشغل الأرض، وشها شاحب وتايه، وشايلة على رأسها قفص خضار ثقيل طالعة بيه للمركز تبيعه عشان تسند مصاريف بيتها!أول ما عيني جت في عينها، القفص بغ بغ من إيدها ووقع في الأرض.
. وقفت تنح فيا، عينيها كانت مذهولة ومش مصدقة إن دي هي نفسها “الخدامة” اللي كانت بتضربها وتجوعها وتكسر ضهرها في الأرض ٥ الفجر!بصيت لها بنظرة شبع وكرامة، من غير كبر ولا إهانة، بس نظرة فيها كل معاني: “الله لما بيدي، بيدي فوق ما العقل يتخيل..
والظلم اللي بنيتوه، اتهد على رؤوسكم”.جوزي مسك إيدي بحنية وقال لي قدام الناس كلها: “يلا يا هانم، العيادة فوق، ما تقفيش في شمس الظهرية كفاية عليكي كده”.مشيت معاه ورأسي مرفوعة، وسمعت كلام الناس في الشارع ورايا وهما بيهمسوا: “شوفوا سبحان مغير الأحوال!