كنت حاطة الصينية

عدت الأيام الأولى تقيلة وثقيلة، زي رمل الصحراء في عز الظهر. شهاب كان بيحاول يبعد عني قدر الإمكان، وكان معظم وقته بياكل وينام في جناح مراته الأولى، اللي ما كانتش بتسيب فرصة إلا وتعمل فيها مشكلة تافهة عشان تلفت نظر حماتي وتجيب الغلط عليّ. بس أنا كنت صابرة، مش ضعف، بل عشان أبوي اللي كان كل ما يزورني في العصر على عكازه، يبص لي بعيون مليانة رضا وفخر، ويقول لي: “اثبتي يا بنتي، النخل العالي ما يهمهش ريح الصيف”.

كنت بنظف الجناح القديم، وأخليه أحسن من الجناح الجديد بنظافتي وريحة البخور اللي كنت بعملها من حطب السمر. كنت بقوم قبل الكل أصلح القهوة المظبوطة للشيوخ، وأعمل خبز الصاج بيدي، ولحد ما شهاب كان يرجع بالليل، كنت بكون مخلصة كل شغل البيت وساكتة، لا بشتكي ولا بطلب منه شي.

وفي ليلة من الليالي، وكان الهوا شديد وبرد سينا بيلسع، كنت قاعدة على حصيرتي في الأوضة القديمة بقرأ في مصحف صغير ورثته عن أمي، لقيت الباب بيخبط خطبات خفيفة.. مش خبطة سيد البيت الجريئة، ولا خبطة مراته المستفزة.

قمت وفتحت الباب، ولقيت شهاب واقف، وشه في الأرض، ولأول مرة أشer في عيونه بالحيرة والندم المكتوم.

دخل غير إذن، ووقف في وسط الأوضة، بص حواليه على الحيطان القديمة والأثاث البسيط اللي لمع من كتر النظافة، وقال بصوت واطي:

— “ليه ما اشتكيتيش لأبوي ولا لحماتي؟ ليه ساكتة على الحال ده؟”

بصيت له بثبات وقلت:

— “أشتكي لمين يا شهاب؟ المشتكى لله. أنا ما دخلت بيتك عشان أعمل مشاكل، ولا عشان أفرق بينك وبين اللي اختارها قلبك. أنا دخلت هنا عشان أصون كرامة أبوي اللي ضحي بروحه عشان أبوك وعشان عيلتكم تظل في العز. لكن إني أسكت عشان تذلني.. دي اللي ما تحصلش.”

شهاب قرب خطوة، وكان واضح عليه الصراع اللي جوه. هو اتعود يشوف الحريم بيتخانقوا على رضاه والذهب، ودي أول مرة يشوف واحدة بتطلب منه “العدل والكرامة” مش الهدايا.

قال بصوت خشن:

— “مراتي الأولى بتملا راس أمي، وكل يوم بتجيب لي شكوى شكل.. وأنا تعبت من كتر المشاكل.”

رديت عليه بحدة رقيقة:

— “المشاكل بتدخل الدار اللي مالهاش كبير يحكم بالعدل يا شهاب. وأنت كبير الدار دي بكرة.. لو فضلت ماشي وراء كلام الحريم، هتخسر بيتك والناس اللي بيحترموك.”

سكت شهاب، ومردش بشيء، لكنه بات الليلة دي في الجناح، مش عندي، ولا عندها.. بات في الكنبة اللي بره الأوضة، كأنه بيحاول يفكر، وكأن كلامي بدأ يغرز في عقله زي السهم الصحراوي اللي بيصيب الهدف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *