كنت حاطة الصينية
أنا مشيت بخطوة ثقيلة بس مرفوعة الرأس، شايلة صينية القهوة. أول ما قربت، مراته بصت لي بنظرة تشفي، وقالت بصوت عالٍ قدام نسوان الكبار عشان تسمّع الكل:
— “هاتي الصينية يا بنت سمعان ..و سلمي على الضيوف وارجعي كملي شغل المطبخ، الأصل أصل برضه، والعروسة اللي تدخل على ضرة لازم تعرف مقامها من أول يوم.”
النسوان سكتوا مرة واحدة، وكل العيون اتعلقت بيّ مستنيين شوفة المكسورة.
شهاب سمع الكلمة وهو واقف ق قريب من باب الصالة، التفت وبصلي، عينيه كان فيها نظرة تحذير، كأنه بيقول لي اسكتي وعدّي الليلة من غير مشاكل.
أنا حطيت الصينية على الطاولة بكل هدوء، التفت وبصيت لمراته في عينها مباشرة،
أنا حطيت الصينية على الطاولة بكل هدوء، التفت وبصيت لمراته في عينها مباشرة، وعيوني كانت بتلمع بنار هادئة ما تحرقش وبس، دي تحفر في الجدار لو لزم الأمر.
أخذت نفس عميق وقلت بصوت هادئ، نبرته ثابتة وواضحة، وسعت الكل في الصالة:
— “تسلمي يا بنت الأكابر.. الصينية صينيتي، وشغل البيت ما عيبش بنت الرجال، والخدمة مش عار على اللي رباها سمعان. بس يمكن غاب عن بالك إن الأصول مش بالذهب اللي يترص في الإيد، ولا بالثوب اللي يلمع، الأصول بالقلب النظيف والراس اللي ما تنحنيش إلا للي خلقها. وأنا أبوي علمني أنزل الدار براس مرفوعة، ومش هسمح لك ولا لغيرك تكسريني من أول يوم.”
الصالة سكتت مرة واحدة! حتى خبطات عصيان الشيوخ بره وقفت، وكل العيون اتعلقت بيّ بدهشة. مراته الأولى اتجمدت في مكانها، وش الذهب اللي في إيدها اتهز من رجفة صوابعها اللي اتدلت بغيظ، ووشها احمر كأنه جمر، وحماتي بصت لي بغضب مكتوم وهي بتعض على شفايفها.
شهاب كان واقف قريب من الباب، عيونه برقت وهو بيبص لي بصدمة. هو كان متوقع إني أعيط، أو أكسر الصينية، أو أهرب لزاوية الأوضة زي الغزالة الخايفة، بس ما كانش عامل حساب إن بنت “سمعان” اللي شافت طلقات الرصاص بعينها مش هتخاف من نظرة ولا كلمة.
قربت من مراته خطوة زيادة، وابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة ثقة، وقولت بصوت أهدى:
— “مبروك عليكِ الجناح، ومبروك عليكِ شهاب.. بس افتكري كويس، اللي تدخل دار الكبار بيمين أبوها، ما تبقاش ضيفة خايفه.. تظل صقر في سماءه.”
لفتّ ضهري بكل كبرياء، ومشيت خطوة بخطوة لحد ما دخلت المطبخ وكأن شيئاً لم يكن. سمعت همس الحريم ورايا بيزيد، فيه اللي بيلومني على جراءتي، وفيه اللي من تحت لفوق بيحترمني ويقول: “بنت سمعان طلعت مش هينة، وشكلها هتقلب الموازين”.