كنت حاطة الصينية
التحول الحقيقي جه بعد شهرين، في يوم من أشد أيام النجع خطورة.
حصلت مشكلة كبيرة بين عائلتين من كبار النجع على حدود أرض في وسط الصحراء، والموضوع كبر وبقى فيه رجالة ماسكة س\لاح، ووقف الكبير (أبو شهاب) في وسطهم محتار، لأن طرفي الخلاف كانوا من أقاربهم وعايزين جلسة عرفية فورية وإلا الدم هيسيل.
البيت اتقلب، والرجالة كلها اتجمعت في المضيفة، ومراته الأولى كانت بتعيط وتصيح خايفة على جوزها شهاب اللي نزل مع أبوه لإصلاح ذات البين، وقالت بصوت عالي: “لو حصل لشهاب حاجة أنا مش هسامحكم كلكم!”.
أنا كنت واقفة في المطبخ، جمعت عقلي وقلبي، وعرفت إن الموقف ده مش هينحله صراخ ولا خوف. خرجت للرجالة، ولما أبو شهاب شافني داخلة المضيفة وسط الرجالة، كشر بعيونه وقال بغضب:
— “إيه اللي جابك هنا يا بنت سمعان؟ اطلعي بره، ده مكان للرجال ومش للنسوان!”
وقفت قدامه، وبصيت له بثبات وقوة، وقولت:
— “يا عمي، أنا بنت سمعان اللي شايل رصاصتكم في جسمه، وسمعان ما خلفش بنات تخاف وقت الحزّة. اسمعني دقيقة.. الطرف اللي هناك مش عاوز يغلط فيكم، هم زعلانين عشان حكاية مياه البئر، ومشكلة المياه ليها حل عرفي قديم جدًا، لو شهاب عرض عليهم يعوضهم بأرض تانية من أرضنا اللي على السيل، المشكلة هتنتهي من غير نقطة دم.”
الكل سكت في المضيفة، والشيخ الكبير بص لي بدهشة. شهاب كان واقف وعيونه بتلمع بالفخر والإعجاب، وكأنه شاف فيّ لأول مرة “بدوية الأصل” اللي بجد، اللي عقلها يسوى ألف راجل.
أبو شهاب فكر ثواني، وقال بصوت جهوري:
— “والله وكبرتيها يا بنت سمعان.. فكرتك أصلية زي أصلك.”
خرج شهاب ووالده، وعملوا بالرأي اللي قولته، ورجعت التهدئة للنجع، وانتهت المشكلة من غير حرب ولا قطرة دم واحدة.
لما رجع شهاب بالليل، كان البيت كله نايم. فتح باب الجناح القديم، ولقاني قاعدة على حرف السرير بصلح ثوب قديم لأبوي. دخل وقعد قدامي على ركبه على الأرض، ومسك يدي الاثنين بحنان غريب أول مرة أشوفه منه.
وقال بصوت دافئ، مليان بالاعتراف والتقدير:
— “حقك عليّ يا بنت الأكابر.. أنا ظلمتك من أول يوم، بس أنتِ أثبتّي لكل النجع إنك مش بس زوجة، أنتِ سند الدار وعقلها.”
بصيت في عيونه بابتسامة هادئة، وقلت:
— “الكرامة يا شهاب ما بتاخدش بالساهل، والبيت اللي يبنى على الأصل ما يهزوش ريح.”