بعد ما صرت مراتى

عشان ما أضطر أشوفك وأتذكر كل يوم إنك إنسان كسرتني وما حستش.
دانييلا أنا ما كنتش أعرف كلامه اتقطع، والدموع نزلت منه لأول مرة من زمان. كنت غبي. ضعيف. كنت خاېف من أمي، خاېف من رأيهم، وما فكرتش فيكِ ولا في اللي كنتِ حاسّة بيه. آسف. بجد. آسف بكل ما في قلبي.
الكلام ده متأخر كتير يا خافيير. مسحت دمعة نزلت على خدها. بس دلوقتي عرفت ليه ما رجعتش. ولو سألتني لو كان عندنا بنت أو ولد غير كاميلا كان ممكن كل حاجة تختلف. بس اللي حصل حصل. والسر ده كان تقيل عليا كتير، وكل ما كنت أشوفك، كنت أتذكره. وكل ما كنت أشوف أمك، كنت أتذكر إنها كانت السبب في البداية، وإنك اخترتها عليا.
٣
بعد كده، كل حاجة اتغيرت. مش لأنها سامحته، ولا لأن كل چرح اتلم لا، الچروح دي ما بتتلمش بسهولة. بس لأن الحقيقة طلعت، وما عادش فيه حاجة مخفية. خافيير بدأ يروح البيت، بس مش كالقبل ما كانش بيجلس معاهم ويسكت عن أي حاجة. يومًا، وهو قاعد مع تيريزا بعد ما قدر تتكلم بصعوبة، قال لها بصرامة
أنا عارف إنك سمعتي كل حاجة. دانييلا كانت حامل يوم اللي ضړبتها. وخسړت الطفل بسببنا. بسببنا كلنا. وأنتِ كنتِ السبب في الخناقة دي. من ساعة ما دخلت البيت ده، ما عاملتلهاش كبنت. عاملتها كخادمة. كل اللي كانت عايزاه حب واحترام، وانتِ ما أعطيتيهاش. وأنا كنت ضعيف، ما دافعتش عنها، وضړبتها، وخسرتنا كل حاجة.
تيريزا بكت. دموع نزلت بغزارة، وحاولت تتكلم أنا ما كنتش أعرف كنت فاكرة هي بتاخدك مني كنت غريبة عليا
ما كانش لازم تكوني غريبة. كانت مراتي، وام كاميلا، وكنتِ لازم تحترميها. وكل اللي حصل بعد كده، كل السنين البعاد، كانت ثمن غبائنا.
أوسكار وروجيلو كانوا واقفين عند الباب، سمعوا كل كلمة. أوسكار خفض راسه، عارف إنه كان ضحك عليها في ذلك اليوم، وإنه ما قال كلمة لصالحها. وروجيلو، اللي كان بيتفرج كأنه مش شايف حاجة، قال بصوت هادي أنا آسف يا دانييلا. كنت لازم أتكلم. ما فعلتش حاجة. وده ذنبي كمان.
يومها، لما دانييلا جت، لقتهم كلهم قاعدين، والصمت في البيت مش كالقبل كان صمت مليح بالندم. تيريزا مدّت إيدها بتتردد، وقالت بصوت متقطع سامحيني يا بنتي أنا كنت غلطانة كتير غلطانة
دانييلا وقفت، ما قربتش بسرعة. بصت لخافيير، لروجيلو، لأوسكار، ثم لتيريزا.
المسامحة مش سهلة. والچرح مش بيتشال بكلمة واحدة. بس أنا سعيدة إنكم عرفتم الحقيقة. وعرفتم إن اللي حصل ما كانش مجرد خناقة عائلية. كان حاجة أكبر. وأنا مش هحمل كره لحد. بس مش عايزة أتعود على المعاملة دي تاني. لو اتفقنا إن الكل يحترم التاني، ممكن نكمل مع بعض. بس لو رجعنا للسيطرة والتحكم أنا ماشية.
٤
مرّت أشهر، وتيريزا تحسنت مش تمام، بقت محتاجة مساعدة في حاجات كتير، بس كانت قادرة تتكلم وتمشي بخطوات بطيئة. دانييلا كانت تيجي كل يوم، ومع الوقت بدأت تقعد معاهم شوية بعد ما تخلص شغلها. كاميلا
بقت تيجي معاها أحيانًا، والجد والجدة بدأوا يتعرفوا عليها حق المعرفة، مش بس من صور ومكالمات فيديو.
خافيير كان بيحاول يعوض كل اللي فات بيحضر لدانييلا اللي بتحبه، بيقعد مع كاميلا، بيحكي لهم حكايات، وكل يوم كان بيقولها كلمة شكرًا وآسف عشان ما تنسى إنه عارف قيمتها. وهو عارف إن التعويض مستحيل، وإن الثقة اللي اتكسرت بتاخد وقت طويل عشان ترجع ويمكن ما ترجعش زي ما كانت. بس كان مستعد يحاول كل يوم.
يومًا، كانوا قاعدين في الحديقة بتاعة البيت القديم اللي ما دخلتهش دانييلا تمان سنين والشمس كانت بتغرب، والهواء معتدل. دانييلا بصت للبيت، ثم لخافيير.
تعرف كنت فاكرة إني عمري ما هدخل هنا تاني. وكنت فاكرة إن الليلة دي كانت أسوأ ليلة في حياتي. بس دلوقتي عرفت إنها كانت بداية حاجة تانية. لولا اللي حصل، ما كنتش عرفت إن عندي قوة تتحمل كل ده. وما كنتش عرفت مين معايا ومين ضدي. ويمكن لولا السر اللي خبيته، ما كنتش هعرف إن الحقيقة لازم تطلع مهما كانت مؤلمة.
أنا أسف إن كنت السبب في كل ده. قال خافيير بصدق. وأنا مستعد أعوضك طول ما أنا عايش.
مش لازم تعوضني. اللي فات فات. المهم اللي جاي. مدت إيدها ومسكت إيده بخفة. بس وعدني أي خناقة تانية، أي كلام يجرح، أي حد يحاول يتحكم فيّ توقفهم. وتقف جنبي. مهما كانوا مين.
أوعدك. حياتي كلها. مهما حصل.
بصّت له، وفي عينيها لمسة أمل ما كانتش هناك من زمان.
طيب. يلا بينا. كاميلا مستنية نروح نجيب لها أيس كريم.
قاموا مع بعض، وخرجوا من البيت مش هي خارجة لوحدها زي ما كانت قبل كده، ولا هو واقف متردد. خرجوا مع بعض، كأسرة، وبدأت صفحة جديدة. مش نظيفة تمامًا فيها آثار الماضي، جراح ما زالت أثرها باقية. بس كانت صفحة مفتوحة، والحقيقة واضحة، والكل عارف ثمن اللي حصل.
وتيريزا كانت واقفة عند الشباك، تشوفهم وهم ماشين، ودموعها تنزل. عرفت إنها كسبت عيلة، بس بعد ما خسړت كتير. وعرفت إن الحب مش في السيطرة، ولا في الأوامر، ولا في إنك تملك الناس. الحب في إنك تحترم، وتسامح، وتقف جنب حد
بدل ما تقف ضده.
والليلة اللي قالت فيها دانييلا افتكر اليوم ده الكلام ده ما كانش ټهديد. كان وعد. وعد إن الحقيقة هتطلع في يوم من الأيام. وإن مهما طال الزمان، الغلط هيتعرف، والضعف هيتصحح. واليوم ده جه أخيرًا، وكلهم فهموا إن السر اللي كان مخفي تحت الجراح كان أثقل بكتير من أيهم توقعوا وإن مواجهته كانت الطريق الوحيد عشان يبدؤوا يعيشوا من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *