بعد الطلاق

بعد الطلاق كل حاجة حرفيًا في حياتك بتتغير, خاصةً لو كنت ماضي على قايمة كبيرة وهتدفع تمنها غصب عنك, عشان تكتشف إنك بعد ما هتدفع التمن هترجع حرفيًا على الحديدة, مش معاك تمن الأكل اللي هتاكله, رغم إن العشرات حذروني من إني أخلي مراتي تشارك بحاجة واتكلف أنا بكل حاجة في شقتي ومكتبش قايمة, إلا إني كنت واثق فيها, أو كنت بوهم نفسي إني واثق فيها وانها استحالة تخون العِشرة, بس للأسف خانت العِشرة, وبعد كام قضية ودفع المؤخر وعفش الشقة كله لقيت نفسي مرة واحدة قاعد في شقة عبارة عن شوية بلاط وبس..

 

وكنت مستلف تقريبًا من طوب الارض عشان أسدد المؤخر وأخلص من الحوار الاسود ده في حياتي, نمت ليلتها في الشقة وانا حتى معنديش تلاجة عشان يبقا فيها أكل, نمت من الحزن والاكتئاب لدرجة إني صحيت تاني يوم المغرب وجسمي كله متكسر, بصيت في تليفوني لقيت المدير رانن فوق الخمسين مرة وانا كنت عامل الموبايل صامت..

 

رنيت عليه وأول ما فتح سمعت وصلة من التوبيخ والتهزيق لأن فيه شغل مهم وقف عليا انهاردة, مكنتش هقدر أتحمل وقتها نص كلمة, شتمته بأبشع الألفاظ وقدمت استقالتي وطبعا هو حلف ما هعتب الشركة تاني بعد ما ادتهمله, ببساطة حياتي كلها اتخربت بين يوم وليلة, وللأسف أنا ولا ليا أب ولا أم ولا اخوات حتى, أنا لوحدي, لوحدي لدرجة تخوف..

 

خرجت ليلتها وانا مش عارف أنا ممكن أروح فين حرفيًا, اتمشيت شوية ورجعت وانا لسة في حالة السواد اللي مش عايزة تخلص دي, تلت أيام كاملين خلصت فيهم آخر ما تبقى من فلوسي, لدرجة إني بقيت فعلا جعان ومش عارف أشتري أكل, وكأن الدنيا قررت تدمرني تماما, خرجت من تاني وبدأت أتمشى هنا وهنا, مش عارف أنا ممكن أروح فين, كلمت واحد صاحبي وكانت الساعة 11 بالليل تقريبا, لقيته طلب مني أركب المترو وأروحله..

 

كنت فعلا محتاج ولو 100 جنيه سلف, دخلت من المترو من غير ما أقطع تذكرة وعديت من تحت المكنة زي العيال الصغيرة ودخلت على الرصيف, كان المترو واقف وفيه ناس قليلين جدا جدا لأن الوقت متأخر, وقبل ما أركب لفت نظري مشهد مُريب شوية, واحدة ست قاعدة جوة المترو وحاطة على الشباك شنطة كبيرة نسبيا..

 

يعني بسهولة جدا أقدر أمد إيدي أول ما الباب يقفل وأخطف الشنطة من الشباك, حرفيا مسافة ما الفكرة تملكتني قررت أنفذ فورا يمكن الاقي في الشنطة مبلغ كويس يغنيني عن الشحاتة, أنا في حالة حتى مش مخلياني أفتكر الحلال والحرام, وفعلا بدأ صوت المترو يشتغل إن الباب هيقفل, وأول ما قفل كنت بقرب منها بعد ما لبست الكمامة عشان متشوفش ملامحي وسحبت من ايديها الشنطة, بصتلي برعب بس الغريب إنها ولا صرخت ولا قالت نص كلمة تقريبا..

 

ومشي المترو ونظرة الذهول على ملامحها, خرجت فورا من المحطة وانا قلبي بيدق بعنف, أول مرة أسرق في حياتي ومعرفش أنا عملت كدا ازاي, رجعت البيت بسرعة وانا لسة قلبي بيدق, قعدت على الكنبة وبدأت أفتش في الشنطة, كانت شنطة حريمي بس حجمها كبير شوية, وأول ما فتحتها رمتها من إيدي وصرخت..

 

أنا مش فاهم أصلا ايه اللي شوفته ده, قربت منها تاني برعب لقيت جـ,ـثة طفل رضيع, جثـ,ـة متفرغة من الأحشاء ومحطوطة جوة الشنطة, ودي كانت أسوأ حاجة ممكن تحصلي في حياتي, أصابتني حالة رعب وقفلت الشنطة ورحت لأقرب مقلب زبالة رمتها فيه ورجعت وانا مرعوب..

 

قعدت على أرض الشقة وانا بتنفض, مش مستوعب أنا ليه بيحصلي كدا, يعني يوم ما أسرق الاقي طفل رضيع مقتول جوة الشنطة, قعدت في الصالة على المرتبة الوحيدة اللي كنت جبتها عشان أنام عليها وبدون مقدمات نمت, نمت عشان أهرب من التفكير اللي بفكر فيه ده, وبعد نومي بشوية بدأت أسمع صوت زحف غريب قريب مني, مكنتش فاهم ده إيه ولا قادر أقوم من النوم..

 

بس صوت الزحف كان مستفز أوي وقريب أوي, فتحت عنيا بتثاقل وشوفت قدامي شنطة بتتحرك ببطئ شديد, قمت اتنفضت من مكاني وفتحت النور وكانت المصيبة, نفس الشنطة اللي لسة راميها من شوية, قربت منها بخوف وفتحتها, واللي توقعته لقيته, نفس جـ,ـثة الطفل مع تغير بسيط, الجـ,ـثة كانت مفتحة عنيها, مفتحة عنيها وعلى وشها ابتسامة غريبة..

 

قفلت الشنطة وقعدت أترعش زي الطفل الصغير جمبها, كنت حاسس إني همـ,ـوت بسبب الفعلة اللي عملتها دي, وان أيامي في الحياة بقت معدودة, مسكت الشنطة وروحت رمتها في النيل ورجعت شقتي وانا لسة في حالة صدمة قوية وبتمنى إن كل حاجة تنتهي..

 

ورجعت الشقة على الفجر وقررت منامش إلا لما الشمس تطلع, وفعلا ومع شروق الشمس قدرت أنام من تاني, ونمت, نمت كتير أوي يمكن طول النهار كله, بس فقت على حاجة لزجة عمالة تيجي على وشي بإصرار غريب, وكأن فيه حيوان بيمسح بلسانه على جلدي, قمت من مكاني وانا مش فاهم ايه ده..

 

بس لما عنيا جت عليه حسيت برعب الدنيا كله, الطفل, الطفل كان عامل زي الحيوان وبيمسح بلسانه على وشي, وأول ما فتحت زحف بسرعة شديدة وراح ناحية ركن الاوضة المُظلم, قمت من مكاني زي المصروع وفتحت النور..

 

وملقتوش, بس اللي لقيته نفس الشنطة وفي نفس المكان, وكأنها بتأكد إني همـ,ـوت وهتنتهي قصتي قريب أوي, وقتها قعدت أبكي من الخوف والرعب اللي انا فيه وانا ببص عليها, شنطة ملعونة مش عارف أنا ممكن أعمل فيها إيه..

 

بس لفت نظري جملة غريبة مكتوبة بالدم على الحائط, جملة مكتوبة بالعربي, قرأتها وفضلت مكاني لحظة, وبعدها جريت على الشنطة فتحتها, وطبعا لقيت فيها بطاقة بإسم واحدة:

 

“أسمهان عباس المُرشدي”

 

خدت البطاقة وفضلت أفكر, وافكر, وافكر, ليلة كاملة من التفكير وبعدها كلمت صاحبي, كان زعلان مني لأنه مروحتلوش ليلتها, اعتذرتله وطلبت منه رقم واحدة بما إنه شغال في فرع شركة اتصالات, استغرب الطلب بس مكانش هيرفضه, اديته الرقم القومي وفعلا جابلي رقم الموبايل المسجل عليه الرقم القومي ده..

 

سجلت الرقم لقيت عليه واتس أب, وهنا بدأت أنفذ اللي خططت ليه لمدة ليلة كاملة, كلمت صاحبة الرقم وسألتها

انتي أسمهان عباس المُرشدي

 

ردت عليا وقالت “أيوة”

 

قولتلها إن حد من خدام الجن اللي شغالين معايا شافها وقالي إنها معمولها سحر سفلي ولازم تتعالج منه في أسرع وقت, فضلت يمكن دقيقة كاملة مبتردش وبعدها ردت, كانت عاوزة تتكلم معايا فون, زي ما توقعت الست دي كانت جايبة جثـ,ـة الطفل تعمل عليها حاجة ومليون المية بتؤمن بالأسحار والكلام ده كله..

 

كلمتها بصوت هادي تماما ومُخيف في نفس الوقت, قولتلها على عنوانها, وسنها, واسمها, وطبعا مانا معايا بطاقتها, بس هي متعرفش, وصدقت إني فعلا من الناس المكشوف عنهم الحجاب وبيعرفوا مين معموله سحر ومين لا, بدليل إني كمان جبت رقمها بواسطة الجن..

 

وفضلنا نتكلم يمكن أكتر من تلت أيام, بجيب وصفات من على النت وأطلب منها تنفذها, رسومات, طلاسم, أي كلام, لحد ما وثقت فيا نوعا ما, الغريب إن جثـ,ـة الطفل كانت زي ما هي مبتتغيرش, ولا بتتحلل, الست لما نوعا ما آمنت بقدراتي حكتلي إنها عندها مشكلة كبيرة واتطلقت مرتين وفيه حد قالها تجيب جـ,ـثة طفل رضيع وتعمل عليها طلاسم معينة عشان تعالج نفسها..

 

فرحت انها كمان صارحتني باللي عملته, اللي توصل انها تقـ,ـتل اذا هي حرفيا مؤمنة بموضوع السحر ده حتى النخاع, ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تتعالج منه, قولتلها إني قدرت أحضر طاقة العمل السلبية اللي اتعمل لها وكل المطلوب انه يتدفن في قبر خاص ليلة اكتمال القمر..

 

حسيت منها بخوف بس طمنتها وقولت إني هكون معاها وندفنه سوا, وفضلت وراها لأكتر من اسبوع لحد ما أوهمتها إنها لو معملتش كدا حياتها هتدمر, وفي الليلة الموعودة قابلتها في محطة مترو وخدنا عربية مخصوص لمقابر عيلتنا, وفتحت قبر من القبور بتاعتنا واديتها الشنطة وقولتلها إن الشنطة دي فيها العمل اللي معمول لها..

 

ولازم تدفن العمل بنفسها, مسكت الشنطة برهبة ورمتها جوة القبر وابتسمت, هي آخر ابتسامة طلعت منها وبعدها كنت مكهربها بصاعق كان معايا ورمتها مع الشنطة في قلب القبر, أو عشان أكون دقيق في كلامي, رمتها مع الشنطة اللي فيها جـ,ـثة الطفل..

 

وقفلت عليها الباب يمكن للأبد, وفورا اتحركت عشان أخرج من المكان وانا لأول مرة من اسبوعين ابتسم, أحس إن كل حاجة بقت تمام, وافتكرت, افتكرت الجملة اللي كانت مكتوبة بالدم على الحيطة عندي

 

“إما أن تدفع روحك أو تجلب لنا روح من قـ,ـتلتنا وتدفنا معا في قبرٍ واحد”

 

وانا جبت اللي عملت كدا, ودفنتها معاه في قبر واحد, لأن ده هو الحل الوحيد عشان أتخلص من اللي انا فيه ده, عشان أقدر أعيش من تاني, ويمكن ربنا اداني فرصة تانية مستقبلا وقدرت أعيش واكمل حياتي, بس اللي اتعلمته مكنش هين إطلاقا, انه مهما اضطريتك الظروف اوعى تستحل الحرام, مهما كنت في أسوأ حالة ممكن إياك تستحل الحرام, لأنك لو عملت كدا الحرام ده هياخدك لسكة أسوأ من السكة اللي انت فيها بمراحل, وانا الحرام خدني لسكة كانت هتتسبب في مـ,ـوتي لولا رحمة ربنا..

“وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

…………….

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *