خمس سنين

خمس سنين وأنا فاكرة إن المفتاح اللي مع حماتي عشان الظروف والجدعنة.. ما كنتش فاهمة إنها بتدخل تفلي بيتي، وتدور في زبالتي، وتقوم الدنيا عشان كيس شيبسي وتفضحني قدام الناس! بس اليوم اللي وقفت فيه المهزلة دي وغيرت الكالون، الحقيقة المرة اتكشفت قدام عيني.. الست دي ما كانتش بتصلح بيتي، دي كانت بتجمع أدلة ضدي عشان تخرب عليّا، وتخلي ابنها يطلقني وتاخد مني ابني!»
«ثلاجة بيتك شكلها تقرف يا مريم! إنتِ فاكرة إنك كده بتربي حفيدي صح؟»
قالتها حماتي الساعة تمانية إلا ربع الصبح بالتمام والكمال.
كنت واقفة في المطبخ بروب البيت وشعري مبلول بينقط مية، وابني ياسين لسه نايم فوق في أوضته. لا خبطت على الباب، ولا رنت الجرس، ولا حتى بعتتلي رسالة تقول إنها جاية. ببساطة كده، حطت المفتاح في الكالون، وفتحت ودخلت، كأن البيت بيتها ومفتاحه حق مكتسب ليها من غير ما حد يناقشها.
اسمها سناء عبد الحميد. وأنا متجوزة ابنها، كريم، بقالنا خمس سنين. وطول الخمس سنين دول، أمه بتتعامل مع بيتنا كأنه فرع من بيتها هي، بس الفرع اللي تحت إدارتها المباشرة.
المفتاح ده طبعاً ما كانش فكرتي.. كريم هو اللي إداهولها في أول سنة جواز. في اليوم ده، كنت واقفة بره الشقة، شايلة أكياس المشتريات في إيد، وشنطة حفاضات الولد في الإيد التانية. ساعتها الموضوع بان إنه عملي؛ لو نسيت المفتاح، لو حصل ظرف طارئ.. بس الفرحة بالفكرة ما كملتش أسبوع.
أول مرة استخدمت سناء المفتاح، ظهرت قدامي فجأة بابتسامة تنقط حنية، وشايلة حلة شوربة فراخ وطبق كعك: «يا حبيبتي، كنت معدية من تحت العمارة، قلت أطلع أشوفك يمكن محتاجة حاجة.»
يومها كنت مهدودة من التعب، الولد بيصرخ من المغص، والغسيل متكوم في السلة كأنه بيكثر لوحده. سحبتني الحنية المزيفة، فسبتها ترتب الحفاضات، وتغسل الببرونات، وتشيل الولد شوية عقبال ما أخد دش يرم عظمي. كنت فاكرة إني بقربها مني، وما كنتش فاهمة إنها كانت بتعمل جرد للشقة!
مع الوقت، الزيارات ما بقتش مساعدة.. بقت تفتيش.
مرة تغير مكان الكنبة عشان «المكان كده أوسع»، ومرة تفتح أدراج المطبخ عشان تشوف النواقص، ومرة تقف قدام سلة الزبالة وتفلي اللي فيها، ومرة تدخل الحمام بحجة إنها «بتدور على الصابونة»! حتى لعب ياسين كانت بتقعد تفرزها وتحط كل حاجة لوحدها.
في مرة قالتلي بجدية وبصوت ناشف: «بيتك محتاج ترتيب على نية يا مريم.» «على نية؟» «آه.. كل حاجة لازم يبقى ليها مكان وهدف.»
الكلمة المحبوبة ليها كانت «لازم». الستاير لازم تتعلق بطريقة معينة، الأكل لازم يتعمل بطريقة معينة، وتربية الولد لازم تمشي على هواها.. وأنا بقى، كان المفروض أستقبل كلامها ده كله بابتسامة وأقولها: «حاضر يا طنط».
في صباح اليوم ده، كانت لابسة بالطو بيج شيك، وحاطة نضارة الشمس فوق راسها، وفي إيدها كيس عيش فينو وحاجة حلوة من المخبز. ريحة البرفان بتاعها سبقت دخولها للمطبخ.. ريحة لافندر على ليمون قوية تقرف، كأنها طالعة من محل منظفات!
بصيتلها وأنا ماسكة فنجان القهوة وقلت: «يا طنط سناء.. لسه بدري أوي، الساعة لسه ما جتش تمانية.»
بصتلي باستغراب وقالت بمنتهى البساطة: «عارفة.. بس كنت معدية من هنا.»
كأن جملة «كنت معدية» دي هي الرخصة اللي تديها الحق تفتح باب بيتي بمفتاحها وتقتحم خصوصيتي من غير استئذان. لفت بعينيها في الصالة، وبعدين شاورت بصباعها: «لازم تجيبي جزامة صغيرة هنا عند الباب.»
بصيت للكوتشي المرمي جنب المدخل وقلت: «ده ياسين كان لابس الجزمة دي امبارح.» ردت بسرعة: «ما أنا بقولك أهو.. العيال بيتعلموا من اللي بيشوفوه.»
خدت نفس عميق عشان أظبط أعصابي. ياسين عنده أربع سنين، طفل دمه زي العسل، حساس، وبيضحك من قلبه. بيموت في عربيات المطافي، وبيحب الفطير اللي بعملهوله على شكل نجوم وكواكب. وكان بيحب جدته طبعاً.. أي عيل في سنه هيحب اللي بتجيله بكل أنواع الحلوى والأقلام الملونة والاستيكرات. هو مش فاهم إن جدته، أول ما بتمشي من هنا، بتبدأ تقطع في فروة أمه!
ما كنتش أعرف وقتها إنها قالت لكريم قبل كده: «الواد مش بيتكلم كفاية بالنسبة لسنه»، ولا كنت أعرف إنها بتفتش ورايا في أكل الولد. كنت حاسة بس إن أعصابي بتتشد زي حبل على وشك إنه يتقطع.
قلت لها بهدوء: «أنا هصحّي ياسين كمان شوية، دلوقتي مش وقته.»
وشها اتغير وجشرت: «أنا مش هقعد كتير.. وبعدين أنا جدته!»
وهنا بقى الفخ! كأن كلمة «جدته» دي كارت بلانش يديها الحق تدخل بيتي في أي وقت، وتقعد وقت ما تحب، وتتطلع على كل تفصيلة في حياتي وحياة ابني.
وفجأة سمعنا صوت ياسين جايب من فوق، صوته مبحوح من النوم: «ماما؟»
ابتسمت سناء وبصت ناحية السلم بلهفة: «خلاص، أنا طالعة له.»
رفعت عيني فيها، وقلت بصوت واطي بس ناشف زي الزلط: «لأ.»
إيدها كانت على سور السلم، وقفت مكانها وبصتلي بذهول. كررت كلامي بثبات: «أنا اللي هطلع لابني.»
#الكاتبة_نرمين_عادل_همام
ثانيتين بالظبط.. البيت كله سكت، حتى صوت موتور التلاجة حسيت إنه طفي. سناء رجعت خطوة لورا ببطء، وكأني أنا اللي قليلة الأدب عشان بطلب أبسط حق ليا في بيتي!…يتبع
باقي الرواية داخل الرابط بالتعليقات
لاتنسى ذكر الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *