بعد ما صرت مراتى
دي يا خافيير.
الجزء الثاني السر اللي كان مخفي تحت الجراح
١
المستشفى كان بارد، والضوء الأبيض الساطع بيجعل كل حاجة واضحة بلا رحمة وجوه الناس، خوفهم، الحقائق اللي بنحاول ڼدفنها بعمق. خافيير وقف قدام غرفة العناية، يديه مرتجفة، مش عارف يروح فين. عقله بيقول له دانييلا، بس قلبه بيقبض من الفكرة هل هي هتجي؟ ولا السنوات التمان دي كانت كفيلة تمسح أي حب كان بينهم، وتخلّي كل ما بقي غير چرح ما بيتلمش؟
خرج بره المستشفى، قعد على مقعد بلاستيك في الحديقة الصغيرة، سحب تليفونه، وقضى دقايق كتير وهو باصص على اسمها في جهات الاتصال كاتبينه حبيبتي من زمان، من قبل ما كل حاجة تتغير. ضغط على الاتصال، وكل رنة كانت بتدق في قلبه كالطبول.
ألو؟ صوتها جه هادي، مش متفاجئة، مش غاضبة، كأنها عارفة إنه هيتصل من زمان.
دانييلا صوته اتقطع. أمي تعبت. جلطة. هي في مستشفى سيفيل دلوقتي.
سكتت لحظة، ما قالتش وحشتني ولا إيه اللي حصل؟ ولا حتى أنا جاية. بس قالت
حالتها خطړة؟
الدكتور قال إن الضرر كبير. محتاجة رعاية كتير. و تردد، ثم نطق بالكلام اللي كان أثقل من أي حاجة مرّ عليه في حياته. محتاجة حد يخدمها. وأنا مش عارف غيرك.
ضحكت بصوت خفيف، ضحكة ما فيها فرح، فيها مرارة كأنها طعم سنين العڈاب كلها.
عجيب يا خافيير. لما كنت قادرة أكون مراتك، بنتك، ما كانش عايزني غير
أخدمهم. ولما رفضت، بقت غريبة. ودلوقتي لما محتاجة ممرضة بتتصل بيّ؟
أنا آسف. جداً. الكلام طلع ضعيف، وعارف إنه ما يكفيش.
أعرف. سكتت تاني. هاجي. بس اعرف حاجة أنا جاية مش عشانها. ولا عشانك. جاية عشان الإنسانية. وعشان كاميلا مش عايزة بنتي تشوف أمها پتكره حد، مهما كان اللي حصل. وشرط واحد أنا مش هدخل البيت ده تاني. الرعاية هتكون هنا في المستشفى، ولما تخرج، هجيلها في بيتها بس في النهار، وكل يوم أروح بيتي. وأي كلام، أي تعليق، أي محاولة تتحكم فيّ وأنا ماشية من ساعتها.
موافق. أي حاجة تريدها.
أنا جاية الحين. قولي لي رقم الغرفة.
لما وصلت بعد نص ساعة، كانت لابسة ملابس بسيطة، شنطة يدها، وعليها نظارة طبية خفيفة. شكلها تغيرت بقت أطول نظرًا، أهدأ، وفي عينيها قوة ما كانتش هناك من قبل. خافيير قام لما شافها، مدّ إيده بس هي مش سلمت، بس قالت فينها؟
دخلوا الغرفة. تيريزا كانت مستلقية، نص وشها متدلي، عيناها بتتحركون ببطء، لما شافت دانييلا، عيناها اتسعت پصدمة، وحاولت تتكلم بس الكلام ما طلعش مجرد أصوات مبهمة.
دانييلا قربت ببطء، ما ابتسمت، ما عبست. بس قالت بلهجة مهنية تمامًا أنا دانييلا. جاية أساعدك. هتكوني كويسة لو تعاونتي معايا.
من وراها، خافيير شاف أمه بتبدو خجولة لأول مرة في حياتها خوفان، مکسورة، مش الست اللي كانت بتتحكم في كل حاجة في البيت. وفجأة، سأل نفسه لو ما حصلش اللي حصل، لو ما ضړبتها، لو دافعت عنها هل كانت أمه تتعامل معاها كبنت، ولا كانت دايما شايفةها خادمة؟
٢
مرّت الأسابيع التالية ببطء، وكل يوم كان بيكشف حاجة جديدة. دانييلا كانت تيجي كل صباح، تعالج تيريزا، تساعدها في التمارين، تغير لها الملابس، تطعمها بكل صبر ومهارة، كأنها ما كانتش الست اللي أهانتها واتضربت قدام الجميع. لكنها دايما كانت حريصة تخرج قبل الغروب، وما تباتش ولا دقيقة.
أوسكار كان بيجي أحيانًا، وروجيلو كان بيجيب الأكل والأدوية، بس واضح إنهم مش عايزين يتحملوا مسؤولية. يومًا، خافيير كان قاعد مع دانييلا في الممر، بعد ما خلصت كل حاجة، فقال بصوت واطي
أنا عارف إنك ما تسامحتنيش. وأنا مش طالب منك تسامحيني. بس عايز أعرف ليه رجعت؟ بعد كل اللي عملته فيكِ.
دانييلا بصت لبعيد، للشمس اللي كانت بتغرب.
عشان حاجة ما كنتش عايزة أقولها. حاجة خبيتها لثمان سنين. لفتت له، وعيناها كانت بتلمع بدموع ما نزلتش. اليوم اللي ضړبتني فيه، قبل ما أخرج من الباب، كنت حامل.
خافيير اتجمد. قلبه وقع، كأنه حد ضربه في بطنه.
إيه؟
كنت حامل في شهر تاني. صوتها اتغير، بقت أسرع، كأنها بتفرغ حمول ما كان جواها كل السنين دي. كنت جاية أقولك في نفس الليلة. كنت فرحانة، قلتلك نحكي بعد العشاء. بس الخناقة بدأت، وأمك قالتلي الكلام ده، وانت سكتت، تبلعت ريقها. لما ضړبتني، المرة التانية، وقعت يدي على البطن. حسيت پألم، بس قلت لنفسي لا، مش ممكن. رجعت الشقة، ونص الليل نزلت ډم. رحت المستشفى لوحدي. قالوا لي إن الجنين راح. بسبب الصدمة، والضړبة.
سكتت، والدنيا كلها سكتت حول خافيير. ما كانش قادر يتنفس. كل اللي حصل، كل السنين البعاد، كل البرودة في عينيها كان لسبب أكبر بكتير من إنه ضربها. هو قتل ابنه. بيده.
ليه ما قلتليش؟ صوته خرج كأنه صوت حد تاني، مبحوح، مكسور.
عشان كنت مستنية منك حاجة واحدة بس. بصت له بكل ألم السنين. تيجي
ورايا. تسألني شكلي إيه. تهتم بيا. مجرد مرة. وأنت ما جيتش. ولا اتصلت. ولا حتى سألت عليا لمدة تلات أيام. ولما جيتني أخيرًا، قلتلي آسف بس انتِ اللي استفززتي أمي. ساعتها عرفت إن لو قلتلك، هتقول إنه خطأي. هتقول إني كنت غلطانة. هتقول إني اللي خسړت الحمل عشان ما صبرتش. فما قلتلكش. خبيت الحمل، وخبيت الخسارة، وفضلت بعيدة