خلصت شغلي
خلصت شغلي النهاردة قبل المغرب بساعة، يدوب خرجت من هنا والدنيا قالتلي خدي عندك، مطر كتل تلج، وبرق ورعد وبخار المايه ملا المكان في لحظة، وفي لحظة تانية لقيت الناس اللي في الشارع اختفت وبقيت واقفة لوحدي قدام المصنع اللي موجود في منطقة زراعية في مؤسسة الزكاة.
حسيت برجفة قوية في جسمي يمكن من البرد، أو يمكن من الضلمة اللي حلت علينا في ثواني، أو المكان اللي اتحول لمكان مهجور مفيهوش صريخ ابن يومين، حتى غفير المصنع روح بيته يفطر وسط عياله.
كنت متأكدة مليون في الميه إني مش هلاقي أي مواصلات في الوقت ده، عشان كده قررت إني استنى جنب المصنع على ما الناس تفطر والرِجل ترجع للشارع تاني، واتصلت بأمي اطمنها وقولتلها:
– معلش يا ماما هتأخر شوية مخلصناش شغل والحاجة “سعاد” صاحبة المصنع صممت إننا نخلص النهاردة، وجابت لنا فطار نفطر سوا ،على العشا كده نكون خلصنا وأكلمك قبل ما آجي.. ما تقلقيش عليا.
=ماشي يا بنتي.. خدي بالك من نفسك يا “فاطمة “، ترجعي بالسلامة.
وقفلت معاها وأنا ببص للشارع اللي بقا بركة ماية بتوتر وقلق، وروحت قعدت على الكرسي اللي بيقعد عليه” محمود” الغفير وأنا ببص في ساعة الموبايل بقلق، لحد ما سمعت أذان المغرب.
شوية ولقيت بنت تقريبًا سبعتاشر سنة جاية ناحيتي وهي حاضنة شالها الأسود بقوة ومغطية تقريبًا به راسها لحد ماوقفت قدامي وهي بتقولي:
– إنتي شغالة في المصنع؟
هزيت راسي وأنا بقولها:
– أيوه.. انتي مين؟
ابتسمت إبتسامة خفيفة وهي بتنزل الشال على كتافها وبتقولي:
-“ياسمين”.
وراحت ناحية بوابة المصنع زقتها ودخلت، الغريبة إن البوابة الغفير قافلها بسلسلة وقفل يعني مش سهل تتفتح، هنا ابتسمت وأنا بقوم من مكاني ألحقها وأنا متأكدة إن فيه حكاية جاية، لكني لقيتها اختفت من المكان، وبقيت جوه المصنع لوحدي، المكان كان ضلمة، مفيش غير لمبة العمود اللي قدام البوابة بس، اتلفت في كل مكان أدور عليها وأنا بنادي:
– “ياسمين”.. ” ياسمين”.
=أنا هنا.
التفت ناحية الصوت، لقيتها قاعدة على واحدة من ماكينات الخياطة، شغلت كشاف الموبايل وروحت ناحيتها أسمعها وهي بتقولي:
– دي الماكنة اللي كنت بشتغل عليها، يا ما طلعت منها فساتين شوفت كل بنات البلد لابسينها.. تعرفي إني كنت أشطر بنت في المصنع ده، والحاجة “سعاد” كانت بتحبني قوي.
سحبت كرسي وقعدت قصادها وأنا ببصلها بفضول قوي وبسألها:
– وإيه اللي حصل.
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي بتقولي:
– مو*تتني.
برقت بصدمة وأنا بقولها:
– الحاجة “سعاد”؟!
=مش بإيدها.
– يعني إيه؟ مش فاهمة.
شغلت ماكينة الخياطة على الهوا وهي بتحرك إيديها كأنها بتسحب توب قماش ناحيتها، عشان أقفل الماكنة بغيظ منها وأنا بقولها:
– تقصدي إيه؟
ابتسمت بسخربة وهي بتقولي:
– خوفتي؟.. ولا مش مصدقاني؟
بصيت لها للحظات وأنا بتنفس بقوة وبقولها:
– بطلت أخاف من زمان، وبقيت بستناكم في كل لحظة.. واللي شوفته معاكم وعرفته من حكاياتكم يخليني أصدق أي حاجة، فاحكيلي عشان فيه ناس شكلها لسه ما دفعتش حسابها.
=كنت وحيدة أمي وأبويا اللي جت لهم بعد شوقة، وحمدوا ربنا وقالوا هتكون ونيستنا وسندنا في الحياة، لكن أبويا الله يرحمه سابنا في نص الرحلة، ومات وأنا في أولى اعدادي وهنا أمي كانت لازم تنزل تشتغل، وجت هنا المصنع والست “سعاد” كانت خيرة مع الكل مش معاها لوحدها، وشوية ابتديت أنا كمان أنزل المصنع في أيام الأجازة، وكنت شاطرة قوي، الناس ابتدت تحبني، بس ما كنتش أعرف إن الحب ده له ضريبة.
هزيت راسي بتساؤل وأنا بقولها:
– ازاي؟
دموعها ابتدت تنزل والقهر ملا صوتها:
– الحاج “صالح” صاحب المصنع، اعتبرني زي بنته، وهو اللي صمم إني أدخل ثانوي لما عرف إني شاطرة، وقالي أنا معاكي لحد ما تاخدي الكلية اللي انتي عايزاها.. وفعلًا عمل ليا مصروف شهري، وقال لأمي كل اللي هي نفسها فيه هاتيهولها، ما اتأخرش يوم عن ميعاد المصروف.. اعتبرته أب ربنا عوضني بيه، وبقيت أذاكر وأذاكر عشان ما أخذلوش، وبرضه باجي المصنع في الأجازة عشان أشتغل، بس الناس ما بتسيبش حد في حاله، وطلعوا علينا إشاعات مش تمام..
برقت بصدمة من اللي بسمعه وأنا بقولها:
– ده انتي قد حفيدته.
=أصغر حفيد عنده أكبر مني بعشر سنين.