طلبات
_ أنتِ كل شوية عايزة أكل وعايزة فلوس؟ ما ترحمي شوية!
_ يعني مناكلش عشان ترتاح مثلًا؟
قولتها بعصبية وأنا ساندة نفسي بالعافية وشايله الولد على أيدي، وبكل برود كان بيديني ضهره وهو بيقولي:
_ طلبات طلبات كفاية بقى قرفتيني!
حاولت أسند نفسي، قربت خطوة وأنا بسند على الكرسي وبقوله بقِلة حيلة:
_ طلبات إيه وزفت إيه؟ أنا بقولك محتاجة أكل! أكل أنا لسه والدة ومحتاجة أكل عشان أعرف أرضع وأعرف أقف على رجلي! ليه محسسني أني بطلب حاجة غريبة؟
وبكل برود كان بيأفأف ويقول:
_ ما أمك جابتلك أكل ٣ ايام ما كفاية، كلي أي حاجة معيش فلوس أو خلي أمك تجبلك اللي أنتِ عايزاه متصدعنيش.
سبني ومِشي ومهتمش لأي شيء! كنت حاسه أن من كتر ما ضغطي عِلي منه هيغم عليا، مش قادرة أسند طولي والولد اللي مش مكمل شهر على أيدي على صرخة وخدة، قعدت على أقرب كرسي وبدأت أبصله أنا وبسأل نفسي ذنبه إيه اللي جيه للدنيا ده؟ دموعي نزلت وأنا بتأسفله، ظلمته قبل ما أظلم نفسي! الدنيا صعبة وهو مش عايز يتحمل المسؤلية! كل حاجة شايفها أنها دلع، حتى الأكل! أنا لسه مكملتش أيام نَفَاس الولادة وهو مستخسر يجيب أكل في بيته! والعلاج…حتى العلاج شايف أنه مش لازم منا كويسة! أنا تعبت…فعلًا تعبت.
_ راضي شيل الولد عشان بيعيط عايزة أدخل أخد دش بسرعة .
_ وأنا مالي! ما تعملي اللي وراكي وهو نايم.
مقدرتش استحمل، أنفجرت فيه أنا وحرفيًا شكلي قدامه بينهار! من أول منظر شعري البشع لحد ريحة جسمي اللي بقت متضاقش! كل ده عشان الولد تعبان بقاله فترة ودايمًا عايزني اشيله ولما بينام يدوب بقوم أظبط الشقة وأعمل الغدا عشان ميتقالش عليا أني مهملة وقاعدة زي قِلتي في البيت! بس أني أفكر في نفسي؟ مينفعش..مش من حقي!
_ هو أنا المفروض أعمل إيه ولا إيه هو نايم؟ أعمل لحضرتك الأكل ولا أروق الشقة ولا أهتم بنفسي ولا أخد بالي منه ولا أهبب إيه؟ أنت نفسك إيه دورك في الدنيا دي؟ هو مش أبنك ده ولا ده مسؤليتي لوحدي؟؟
_ مسؤليتك يا نور.
قالها ببرود! وقف ومسك الجاكت بتاعه والمفتاح وهو بيقول:
_ أنتِ مش أول وحدة تخلفي، لازم تتعلمي تشيلي المسؤلية لوحدك، أومال لو عندك عيل واتنين هتعملي إيه بقى؟
ضحكني! في عز غيظي من كلامه ضحكني! ضحكت بجد أنا وبسألع بكل جدية:
_ عيل تاتي؟ مش لما تصرف على الأول، أنا تعبت…بجد تعبت من دي عيشة ومن كلامي اللي ملوش إي أهمية بالنسبالك!
_ والله أنا اللي تعبت من نكدك ده أنتِ بقيتي زنانة ونكدية وفيكِ كل العِبر!
خلص كلامه وسبني ونزل، وأنا تعبت…مش قادرة أعمل حاجة، حاسه أني متكتفة بطريقة لا توصف! مفيش حاجة في أيدي غير أني أبكي وبس، والولد حس بيا وبكى هو كمان، خدته في حضني وبدأنا نبكي سوا على حالنا وعلى اللي بيحصلنا، بحاول أدور على حل غير أني أروح لأهلي، مش هقدر أتحمل أني أسمع نفس الكلمتين من أهلي كمان..هه أصل هما كمان هيكون رأيهم من رأيه! أن أي ست بتعمل اللي بعمله، إذن فين مشكلتي؟ أنا اللي بتدلع..أنا اللي مش قد المسؤلية…أنا اللي غلطانة..الحقيقة أني تعبت!
___________
_ ما تقعد معايا شوية يا راضي، بقالنا كتير مقعدناش سوا.
كانت محاولة بائسة أني أصلح اللي بنا، رغم حزني وتعبي منه لكني كنت مازلت بحاول.
_ طب هو في حد عايز يقعد مع جوزه يبقى بالمنظر ده يا نور برضه؟
مفهمتش كلامه، وبهدوء سألته:
_ تقصد إيه؟
خاول يذوق كلامه لكنه وصلني زي ما كان يقصد لما قال:
_ يعني مثلًا تلبسي حاجة كويس، تهتمي بنضافة جسمك ومظهر وشك قدام جوزم، كده يعني يا نور.
_أنت تقصد أني مهملة في نفسي يا راضي؟
معجبوش كلامي، ولا نبرة صوتي الهجومية، لف وشه الناحية التانية وهو بيقول:
_ هنبدأ..
رجع يبصلي وهو بيقول:
_ هو محدش يعرف يتكلم معاكِ يا نور؟ في أيه!
_ يعني أنك تتهمني بالأهمال ده عادي؟ طب ما تشيل عني شوية وتديني مصاريف شخصية ليا عشان أعرف اهتم بنفسي كويس!
الكلام معجبوش، وقف وهو بيزعق وبيقول:
_ هو أنتِ مفيش في بوقك غير هات هات هات! يختي أنضفي الأول في بيتك وبعدين دوري على فلوس! جاتك القرف ست مقرفة!
حرقلي دمي وسبني ونزل! مكنتش مستوعبة..كل شوية بيثبتلي اكتر أنه شخص غبر سوي نفسيًا، عايز كل حاجة مثالية في حين أنه هو نفسه في كل العِبر اللي في الدنيا! في وسط زعلي وتفكيري اللي مبينتهيش ابني بدأ يبكي، مسخت دموعي وخدته شِلته على أيدي، لما حس بيا هِدي وسكت، وبدأ يحرك أيده ورجله في الهوا وهوا بيبتسم ليا، غصي عني ابتسم أنا وبقوله:
_ هعمل كل اللي في وسعي عشان تكون شخص سوي، مسؤل، جميل ومش مؤذي!
_____________
_ إيه يا نور مش ناوية تمشي يا بنتي هتتأخري على جوزك؟
كنت قاعدة عند بيت ابويا اليوم ده، وبعد تفكير كتير، ورجوع في القرار أكتر من مرة، قررت أني هعملها، استغليت أن الكل متجمع، ابويا، وأمي، واختي الكبيرة، وقفت وسطهم وقولت اللي هيقلب البيت.
_ أنا عايزة أتطلق.
حاله من الصمت…صمت تام مفهمتوش، بس مكسرش الصمت ده غير أبويا لما قام وحسيت بكف أيده نازل على وشّي بدون رحمة ولا فهم!!
يتبع…
_ أنا عايزة أتطلق.
حاله من الصمت…صمت تام مفهمتوش، بس مكسرش الصمت ده غير أبويا لما قام وحسيت بكف أيده نازل على وشّي بدون رحمة ولا فهم!!
_ عايزة تطلقي عشان تدوري على حل شعرك؟؟
شهقة مصدومة خرجت مني بدون ولا كلمة، بس هو مسكتش، كمل زعيق وأمي وأختي بيحاولوا يهدوه:
_ وعايزة تطلقي ليه ياختي؟ وجاية تفتكري الطلاق بعد ما بقى معاكِ عيل على أيدك؟
مقدىتش أسكت، وقصاد زعيقه كنت بزعق أنا كمان وبقوله أني تعبت! لأول مرة أصرخ وأقول أني تعبت!
_ عايزة أتطلق عشان تعبت، افتكرت أني عايزة أتطلق دلوقت عشان المشاكل بتذيد مش بتقِل زي ما كنت فكرة! تعبت من الفقر والبخل وعدم التفاهم وقِلة القيمة وقِلة الأدب، عليزة أتطلق عشان أعرف أربي ابني تربية سويّة!
_ هه، ولما تطلقي هتربي ابنك منين يا فالحة؟ فاكرة أني هقولك تعالي يا حببتي تأنسي وتشرفي؟ لا يا حببتي أحنا مكفين روحنا بالعافية، بلا هم.
مستوعبتش ولا كلمة! ده حتى مهتمش يفهم حاجة من اللي قولتها! مهتمش يسأل، مهتمش يقولي أزاي! كنت منتظرة أمي هي اللي تنصفني وتقولي أي حاجة تطيب خطيب، بس كلامها كان أخر سكينة بتتغرز في قلبي منهم لما قالت:
_ عيشي يا نور يا بنتي وأحمدي ربنا أنه بيصرف عليكِ، أنتِ شايفه العيشة صعبة أزاي، وكمان أحنا هنا مش في الزمالك، أحنا في أوسخ منطقة، ولو اتطلقتي هتكون سيرتك لبانة في بوقهم، اسمعي كلام أبوكِ وروحي بيتك يلا بلاش دلع.
وفعلًا قررت أن بلاش دلع… أهلي نفسهم شايفين أني بتدلع، أومال هو هيشوفني إيه؟ قررت أعيش، أعيش وأسكت.
_________
_ راضي الولد سخن أوي هاتلي علاج من الصيدلية ضروري.
الكلام معجبوش! وكأني بقوله هاتي قلم كحل مش بقوله هات أساسيات! وبعصبية لقيته بيقول:
_ ما تعمليله جمدات ولا هو كل شوية علاج وزفت، ما تتصرفي زي الستات.
أتعصبت…أو بمعنى أصح لقيت نفسي بنفجر في وشه بدون وعي:
_ اتصرف أيه أنت عبيط؟ عيل مكملش سنة وحرارته عالية منجبلوش علاج يعني نسيبه يموت عشان حضرتك بخيل وجِلدة ومش هاين عليك القرش؟
محستش بنفسي بسبب أيده اللي نزلت ضرب فيّا بدون رحمة! كان بيضرب وبيشتم وبيسِب ويلعن…مسبش أي حاجة قذرة تتعمل معملهاش! خلص وسبني وأنا شِبة ميتة وبيقول بكل بجاحة:
_ عشان تتعلمي تكلمي سيدك أزاي يا ****
كفاية…فوقت من كل اللي أنا فيه ده وأنا بقول لنفسي كفاية أهانة وقرف وذُل، أهلي رفضني ومش شاريّني؟ أنا كمان هبيعهم، وهشتري راحتي وراحة أبني.
وقفت بصعوبة، أول حاجة عملتها لمِت هدومي أنا والولد، كنت هكتفي بالفلوس اللي معايا بس افتكرت حاجة مهمة…افتكرت دهبي، وعشان كده روحت خدته وحطيته في الشنطة وخدت الولد ومشيت، مكنتش عارفه هروح فين…بس مفيش أهل..ولا صحاب…ولا حتى معارف!
دخلت قعدت في كافية عشان أفكر، بس…بس دماغي كانت وقفة، مش عارفه المفروض أبدأ منين أصلًا! كنت ماسكة التليفون وبقلب في الفيسبوك بفصل بيه دماغي شوية، بس جيه قدامي post في جروب بنات بنت بتحكي فيه مشكلتها والناس بتكتبلها حلول، هنا وفكرت أني اعمل زيها، وفعلًا دخلت كتبت مشكلتي وانتظرت الرد، والمفاجأة أني لقيت حلول مجتش في بالي أبدًا، والغريبة أن لقيت بنات كتير جدًا معرفهاش بتعرض عليا المساعدة وبنات محامين بيقولولي كلمينا هنقولك تعملي إيه عشان تطلقي! وفعلًا بدأ اسمع كلامهم، كان في بنات سبولي ارقام سماسرة شقق عشان ألاقي مسكن ليا، وهي دي أول حاجة عملتها، كان في بنت سيبالي كارت لمكتب سمسار، دخلت كلمته وطلبت منه يشوقلي شقة الليلة دي في منطقة غير منطقتي وقالي أن موجود شقة بس أيجارها غالي وافقت بيها لحد ما أدور على شقة غيرها بمعرفتي، نقلت فيها وظبطت دنيتي، واللي ساعدني أن كان فيها بواقي فرش نفعني جدًا، كلت أنا والولد وقعدت استريح، وهتا افتكرت الخطوة التانية، وهي أني اصور الكدمات اللي في جسمي وأثر الضرب، كان في محامية سابتلي رقمها، مسكت تليفوني واتصلت بيها، رحبت بيا وبعدين لقتها بتقولي:
_ بصي بقى أنتِ احسن جاجة عملتيها أنك خدتي دهبك، هو دلوقت هيعملك محضر وهيكون النتيجة أن هي مراتك ومفيش حاجة اسمها سرقة بس متجوزين، تاني حاجة هيدور عليكِ فأنتِ لا م تفاجأيه وترفعي عليه قضية خلع وبعظها نعمل تمكين للشقة عشان ترجعي لبيتك أنتِ وابنك، ولو معندكيش مانع أنا عايزة اترفعلك في القضية دي وعلى فكرة مش هاخد أتعاب محاماه، دي هدية مِني ليكِ.
المساعدة جت من الغريب! الغريب هو اللي بيحاول ينقذني، والقريب رماني في عرض البحر!
كنت مستغربة بس قولت لنفسي بتعلم..بتعلم أن السلبية مفيش أسوء منها وأن بسببها ممكن عمرك كله يضيع في غمضة عين بدون ما تحسي! بتعلم أن اللي ميساعدنيش في عِز مِحنتي ميستهلش أني أرجع أدور عليه من تاني! حتى لو كانوا أقرب الناس ليا..
____________
_ بقى دي عمايل يا نور؟ تفضحينا وتسرقي جوزك؟
كان ده كلام أمي اللي شوفتها في المحكمة، ابتسمت وبهدوء كنت بقولها:
_ هو ده اللي همك؟ أني سرقته؟ مش مهتمية أنه ضربني وبهدلني وكان عايز ابنه يموت على أيدي؟ عمتًا أنا مش مستنيه رأيكم في اللي حصل، مش مستنيه منكم حاجة أصلًا! عايزاكم بس تسيبوني في حالي.
ابويا كان جاي يضربني! بس خاف من العساكر والبوليس اللي مالي المكان! القضية خلصت! وأنا كسبتها.. عرفت أتخلص منه، عرفت أهرب من السجن اللي حبسني فيه لمدة ٣ سنين! وقبل ما أسيب المحكمة كان لازم أواجهه، هو أصلًا كان بيدور عليا، أول لما شافني كان نفسه يعمل حاجات كتير أوي…بس معرفش! كان متكتف قصادي وده ألطف أحساس ممكن أحس بيه!
وقفت قدامه أنا وبضحك، ابتسمت أنا وبقوله:
_ مش قادر تاخد حقك صح؟ الحقيقة أن لسه…دي بدايتي يا راضي..لسه هدفعك تمن كل قلم نِزل على وشّي، وتمن كل دِمعة كانت على خدّي بسببك.
_ هندمك على اللي بتعمليه ده يا نور، هندمك.
ابتسمت بثقة أنا وبقوله:
_ مش هتقدر تلمِس شعرة مني، زي ما أنت واقف قدامي دلوقت زي الفار المبلول يا راضي!
خلصت كلامي وسبته وهو بينفجر حرفيًا..الأنتصار حلو، وأخد الحق أحلى، الاستسلام ضعف وأنا قررت أني مش هبقى ضعيفة، هسعى وهحاول عشان أبني، عشان اهيئله بيئة صالحة للعيش فيها بشكل سليم، هبعد عنه أي شيء غير سوي، عشان هو نفسه يخرج للدنيا ويكون رجل سوي، ولما يكبر يعمل عيلة جميلة، سوية نفسيًا وهادية، لازم أهتم بالبذرة عشان الزرعة تكون صالحة!
“عندما تبحث عن شريك حياتك، أبحث أولًا عن أشخاص يصلحون لتكوين أسرة صالحة قبل أن تنظر لأي شئ أخر”
#تمت
#نورا_سعد