عندنا في بلدنا

عندنا في بلدنا فيه عادة غريبة شوية وممكن غالبية الناس يكونوا ميعرفوش عنها حاجة، وهي إن لما حد بيموت من العائلات الكبيرة ويتدفن، بيتحط النعش الخشب (التابوت) قدام القبر بتاعه، وممنوع منعًا باتًا النعش يرجع ويتشال عليه ميت تاني في أي يوم، كنوع من أنواع الخيلاء والغرور، لأن مينفعش الحاج فلان ابن العائلة الفلانية يتشال على نعش ويرجع النعش فاضي عشان يتشال فيه حد من ولاد الفقراء.

 

عشان كدا لما كنت تمشي في المقابر بتاعتنا كنت تلاقي مقابر العائلات الكبيرة قدامها نعش واتنين وتلاتة، وكانت دي فرصة عظيمة لصُناع التوابيت إنهم يكسبوا وبقوا بيغالوا في سعر التوابيت على الناس أكتر وأكتر.

 

لدرجة إن يوم بعد يوم بقت الناس بتتكلم عن التوابيت وجودتها، وبقا بعد ما كان التابوت لحمل الميت بقا بيدل على قيمة الميت، ده تابوت من خشب الزان، وده تابوت منحوت بشكل فخم، وده تابوت الأطراف بتاعته فضة وهكذا، وبدأت غصب عني وبما إني بشتغل عامل باليومية في أرض راجل غني مطلع عين أبونا زي ما بيقولوا أفكر في حاجة واحدة، أسرق التوابيت وأرجعها للراجل بتاع التوابيت يغير من ملامحها ويبيعها تاني، ومحدش هيقدر يعرف إن التابوت مسروق، بس لازم يكون فيه اتفاق واضح وصريح بيني وبينه.

 

وبما إني مش باقي على حاجة فطلعت على المقابر بالليل ونطيت في حوش عيلة كبيرة واخترت أنضف تابوت محطوط وشيلته واستخبيت لحد بعد الفجر في الغيطان، مستني الراجل بتاع التوابيت وهو رايح الورشة الصبح، واستنيت لحد ما شوفته بيقرب ووقفته، وريته التابوت ولقيته بيبص ناحيتي بغضب لأنه عرف إني سرقته.

 

فهمته إن ده هيكون مكسب لينا، كل اللي عليه انه هيغير ملامح التابوت ويبيعه تاني، وهيوفر تمن الخشب والشغل وهيديني جزء من الفلوس ونكمل شغل بالطريقة دي مع بعض، ولما رفض قولتله إني هشيل التابوت قدام الناس واسيبه عند بيته وأقول إن أنت متفق معايا على سرقة التوابيت، واللي يحصل يحصل، ولما لقاني مُصر تمامًا على اللي بقوله وافق في النهاية، خاصةً إن فيه أزمة فعلًا في شغل التوابيت والخشب غالي أوي اليومين دول.

 

واتفقنا إننا نتقابل كل يومين بعد الفجر في بيت قديم، وأنا هكون سرقت التابوت ووديته على هناك، وهو يقطع التابوت تلت حتت عشان يعرف ياخده للورشة بتاعته بدون ما أي حد يشك فيه، ويغير ملامحه شوية ويدهنه ويبيعه تاني، وهكذا الدنيا تمشي.

 

وفعلًا بدأت أتفنن في السرقة، وبقيت بنقي التوابيت القديمة اللي اتنسى شكلها من وسط توابيت كتير،وكان الوقت المفضل ليا الساعة 3 قبل الفجر، بتكون البلد وكأنها قطعة من الظلام الدامس، واستحالة حد يركز مع واحد شايل نعش وخارج من المقابر وداخل في قلب غيطان البرسيم، كل حاجة كانت سهلة، بسيطة.

لحد ما في مرة خدت التابوت وطلعت على البيت القديم اللي متعودين نتقابل فيه في قلب الغيطان، حطيت التابوت قدام البيت وشوية ولقيت إن الراجل بيبلغني إن أبوه هيتأخر شوية وممكن ميعرفش يجي انهاردة ولو كدا خليني جمب التابوت لحد بالليل وهيديني فلوس زيادة.

 

وكدا كدا أنا مبعملش أي حاجة في الحياة تقريبًا، وعلى بعد العصر كان فيه شوية هوا متلجين يسطلوا الدماغ، عملت كوباية شاي وريحت شوية جمب التابوت، نمت وقتها كتير أوي، وفوقت على حركة غريبة جمبي، حركة غير مفهومة، قمت مخضوض لقيت الشمس تقريبًا بتغيب وفيه هزة في النعش.

 

قربت منه بخوف لقيت واحدة نايمة جوة النعش في سلام تام، وقفت اتأملها في خوف ورهبة وأنا مش عارف مين دي، لقتها بتفتح عنيها وبتبص ناحيتي بتوتر وخجل، سألتها بغضب:

 

– أنتي مين وايه اللي نيمك هنا

 

ردت عليا بخوف وقالت:

– أنا من شرق الجبل وتُهت وأنا رايحة لخالتي والجو ضلم عليا فقولت أنام هنا لتاني يوم

 

بصتلها بشك كبير وقولت:

– خالتك دي ساكنة فين

– عندكم في البلد وأنا مش عارفة أروحلها لأن الشمس بتغيب خلاص

 

خلتها تخرج من التابوت وعملتلها شاي، وقعدت أنا وهي نتكلم مع بعض، ومعرفش ليه بدأت تحلو في عنيا كل ما كُنا بنتكلم لحد ما قضينا وقت مُحرَّم مع بعض، وهي كانت مستسلمة استسلام غير طبيعي، وفي النهاية طلبت مني أوصلها لخالتها لأن الجو بقا ليل، وفعلًا بدأنا نتحرك وسط الغيطان، وطبعًا كنت حاسس بإرهاق غير طبيعي عكسها هي كانت ماشية ومش حاسة بأي حاجة رغم إننا ماشيين وسط غيطان وفي أرض طينية.

 

ولوهلة بدأت أحس إنها مش ماشية على الأرض زينا، دي وكأنها رجليها مبتلمسش الأرض من الأساس، بس طبعًا بسبب مجهود العلاقة الحرام وكمان الضلمة اللي مكملين فيها، وبدون وعي لقيت نفسي على مدخل المقابر وهي مكملة، ناديت عليها قالتلي إن خلاص بيت خالتها قرب، بدأت أقلق واستفهم منها ازاي بيت خالتها جوة المقابر بس مكانتش بترد غير ردود مختصرة جدًا ومش مفهومة، لحد ما وصلت للمكان اللي سرقت منه التابوت، وشاورت على القبر وقالتلي (هو ده بيت خالتي).

 

جسمي كله اتوتر وحاولت أهرب من المكان بس كنت عامل زي المشلول، وقدام عنيا شوفت القبر بيتفتح وواحدة ست عاملة زي المحروقة طالعة وبتسلم على البنت دي وبتلومها كمان إنها سابتها ومشيت، فلقتها بتشاور عليا وبتقول (هو ده اللي خدني بعيد عنك يا خالتي).

 

لقتها بتبصلي بغضب شديد وبعدها ضحكت وقالت (بس هو ضيفنا في الأول وفي الآخر ولازم ياخد واجبه).

 

هي قالت الكلمة دي وأنا وقعت من طولي، ولما صحيت لقتني في مكان عامل زي الحفرة، حفرة منحوتة من الصخر، وقدام عنيا بدأت أشوف حاجات غريبة أوي، ناس شكلها غريب وعندها قرون، أشوف عيال صغيرة بتلعب وشكلهم زي المسوخ، وكانت البنت اللي أعرفها دي كل يوم بتجبلي قربة فيها لبن أشرب منها، وكل ما كنت عايز أمشي كانت بتقولي لما أخلف وأفطم عيالي هتمشي.

 

فضلت وقت طويل الله أعلم أد ايه في المكان الغريب ده، لحد ما نمت في مرة وصحيت على هرج ومرج وصريخ، كنت نايم جوة تابوت من التوابيت اللي قدام المقابر، وكانت فيه جنازة معدية وشافوني، بعض الناس عرفوني وبعضهم لا، وكنت بسمع كلام غريب زي..

 

(ده مختفي بقاله 3 سنين)

(ده شعره كله أبيض وشكله زي الراجل العجوز)

 

مفهمتش هما بيقولوا ده ليه، بس اتأكدت بعدين إني استحالة أعيش طبيعي تاني من يومها، وملقتش مأوى غير المقابر أهيم فيها ليل نهار، عنيا بقت بتشوف أي حاجة طايرة في الجو من الكائنات الغريبة دي، الناس بقوا بيقولوا من اللي كان بيعمله ولما خد التابوت بتاع البنت اللي اتدفنت قرينها غضب واستدرجه لحد ما اتجوز قرين البنت من الجن، البنت دي كانت ماتت مقتولة في بلد تاني وجابوها تدفن مع خالتها عشان الفضايح، ولما خد التابوت بتاعها مشيت وراه واتجوزته وخدته معاها لتحت الأرض، ولما خرج بقا بالحال الغريب ده، مجنون، بيكلم نفسه، ومخلف من جنية كمان.

 

بعد شوية وبعد انتشار الحكاية دي بقت التوابيت بتترمي قدام المقابر وتتكسر ومحدش عارف مين اللي كان بيرميها بالطريقة دي، لحد ما في النهاية الناس وقفت عن العادة بتاعتهم دي، بقا الكل بيتشيع في تابوت أو نعش الجامع ويرجع النعش فاضي بعد الجنازة للجامع تاني، الناس وقفت عن الطبقية والغرور بعد اللي حصل ده لما حسوا إن الموضوع بقا خطر، وبقوا دايمًا بيقولوا (كلكهم لآدم وآدم من تراب) قالوها بعد ما أنا خلاص فقدت كل حاجة في حياتي، ياريتهم قالوها بدري شوية كان زماني عايش طبيعي وسط الناس.

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

……….

لو عندك أي حكاية غريبة أو مخيفة حصلت معاك أو مع حد تعرفه وعاوزني أكتب عنها في قصة بكرة كل اللي عليك إنك تبعتلي على الخاص على أكاونت أحمد محمود شرقاوي كل اللي تعرفه عن الحكاية أو الموقف المخيف ده بدون استئذان وتأكد إني هشوف رسالتك بأمر الله..

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

…………

متنساش لو عجبتك القصة تعمل لاف وتعليق برأيك في كومنت..

 

شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *