امى امرتنى
أمي أمرتني أفضل ساكتة في العشا مع حماة أخويا المستقبلي اللي هو قاضي فيدرالي، بس لما قام لف حوالين الترابيزة ووقف جنب الكرسي بتاعي وسأل انتي تبقي إيه ليهم بالظبط؟ ابتسامتها اختفت.
أبويا كلمني الساعة واحدة ونص بالليل بتحذير كان عامل زي الأمر.
قال بهدوء بكرة بالليل ممكن تتعشي مع عيلة خطيبة أخوكي، بس أمك عايزاكي تفضلي ساكتة.
قعدت مرة واحدة في السرير.
عن إيه؟
قبل ما أبويا يرد سمعت أمي في الخلفية.
وبعدين صوتها جه في التليفون.
أبوها قاضي فيدرالي. الموضوع مهم لأخوكي. لو سمحتي مرة واحدة بس متحرجيناش.
بصيت في ضلمة الشقة بتاعتي.
وبعدين ابتسمت.
فهمت.
بعدها بتلات ليالي نفس القاضي الفيدرالي ده كان واقف قدامي بالظبط في أوضة السفرة عند أهلي وبيبص لوشي كأنه فجأة حل لغز.
قال لازم أعترف أنا مستغرب إني لاقيكي هنا.
الأوضة سكتت خالص.
وبعدين سأل
انتي تبقي إيه ليهم بالظبط؟
بس أنا بسبق الأحداث.
الليلة بدأت بالظبط زي ما أمي كانت عايزاها.
القاضي كان قاعد بعيد عني بتلات كراسي تحت النجفة في أوضة السفرة بتاعة أهلي. مراته قاعدة جنبه. أخويا الصغير كان منور من الفخر جنب خطيبته.
وأمي كانت بتوصف حياتي بدالي.
قالت ببساطة أصلها بتشتغل شغل مكتب عادي في المدينة.
وبعدين بصتلي مباشرة.
أنا عارفة البصة دي.
خليكي ساكتة.
متصححيليش. متحرجيش أخوكي.
كان عندي 33 سنة بس فجأة حسيت إني عندي 7 سنين.
وأنا صغيرة صور العيلة كانت مترتبة فوق الرف بتاع الدفاية.
كان فيه خمس صور لأخويا وصورة واحدة ليا.
صورتي كانت ورا ملاك فخار وزرع بلاستيك مزقوقة لورا أوي لدرجة إنك لازم تميلي عشان تشوفي وشي.
وأنا عندي 7 سنين شديت كرسي السفرة ناحية الدفاية وطلعت عليه وحطيت صورتي في النص.
تاني يوم الصبح كانت مستخبية تاني.
ساعتها عملت حاجة سميتها جوايا اختبار الرف.
يمكن لو جبت درجات عالية صورتي هتتحرك.
متحركتش.
يمكن لو اتخرجت من الأوائل.
مفيش حاجة.
يمكن لو دخلت جامعة كبيرة.
لسه مفيش حاجة.
يمكن لو بقيت صحفية استقصائية. يمكن أول مقال ليا في الصفحة الأولى. يمكن جايزة.
قضيت سنين فاكرة إن هييجي إنجاز مهم كفاية يخلي أمي تبصلي وتشوفني بجد من غير ما ترجع الكلام لأخويا فوراً.
عمره ما جه.
أخويا أصغر مني ب 4 سنين.
كان ساحر وبيضحك واجتماعي وسهل تحبيه. كان بيبيع عربيات وكن فعلاً شاطر في ده.
ومكنش فيه أي حاجة غلط في ده.
المشكلة كانت إن أمي عمرها ما كانت بتسيب الحقيقة في حالها.
لصحابها في الكنيسة أخويا بقى مدير مبيعات إقليمي. لنادي الكتاب بتاعها بقى مشرف على عشرات الموظفين.
مرة قالت لحد إنه قفل صفقة أسطول بملايين.
وفي نفس الوقت أنا كنت بعيش حياة مختلفة تماماً حسب أمي بتكلم مين من الجيران.
ساعات كنت سايبة الدراسة. ساعات كنت يا دوب ماشية في المدينة.
في عيد الشكر في سنة سمعت واحدة بتسأل أمي بهدوء هو لسه عندها موضوع الاكتئاب ده.
وقفت.
أنا عمري ما اتشخصت باكتئاب.
أمي بس وطت صوتها.
أصلها كتومة جداً. احنا مش بنتكلم في الموضوع ده.
وقفت في المطبخ أمسح نفس بقعة القهوة من على الرخامة حوالي 3 دقايق.
لأن لو واجهتها ده بس هيأكد الصورة اللي هي خلاص عملتها عني.
صعبة. درامية.
دايماً بتحول كل حاجة لحاجة تخصها هي.
فسكت.
واشتغلت.
قبل عشا أخويا ب 8 شهور كنت قضيت كل وقت صاحية فيه غرقانة في ورق محاكم وتسجيلات كاميرات ظباط وملفات قضايا ومقابلات وشهادات.
كنت شغالة على سلسلة تحقيقات كبيرة عن حوادث ضرب نار للشرطة.
كانت واخدة كل وقتي تقريباً.
واحدة من القضايا الفيدرالية اللي ليها علاقة بشغلي كان ماسكها القاضي ده.
نفس الراجل اللي قاعد دلوقتي على ترابيزة سفرة أمي.
من شهور بعد ندوة عن العدالة الجنائية وقفني في طرقة المحكمة.
قال يا أستاذة السلسلة بتاعتك كانت من أشمل التقارير اللي شفتها عن الموضوع ده.
لسه فاكرة بالظبط إحساسي في اللحظة دي كان عامل إزاي.
كنت واقفة ماسكة نوتة الصحافة ومستغربة تماماً.
لثانية سخيفة أول حاجة جت في بالي أكلم أمي.
وبعدين تخيلت المكالمة.
محدش عايز يسمع عن مواضيع كئيبة.
وبالمناسبة أخوكي ممكن ياخد عربية الشركة؟
فمكلمتهاش.
وشكله أمي عمرها ما اهتمت تعرف كفاية عن شغلي عشان تعرف إن الراجل المهم اللي هي همها تبهره هو أصلاً عارف أنا مين بالظبط.
قبل العشا بتلات أيام أبويا كلمني واحدة ونص بالليل.
في الوقت ده افتكرت إن حد اتعور.
بدل كده همس وقال أخوكي وخطيبته عازمين أهلها يوم الجمعة. أمك بتقول ممكن تيجي.
وبعدين سمعت أمي وراه.
قلتلها؟
أبويا سكت.
أبوها قاضي فيدرالي. دي ليلة مهمة لأخوكي.
أمي خدت التليفون.
ممكن تيجي بس متتكلميش عن شغلك.
فتحت عيني.
ليه؟
عشان العشا ده يخص أخوكي. قولي بس إنك بتشتغلي في مكتب. متحرجيناش قدام ناس مهمة.
ناس مهمة.
كنت هضحك.
هي معندهاش فكرة.
كان ممكن أقولها ساعتها. أقولها يا ماما القاضي ده عارف أنا مين كويس أوي أصلاً.
بس مقولتش.
قلت بس
ماشي.
يوم الجمعة سقت حوالي 3 ساعات من المدينة للبلد عند أهلي.
سبت الكارنيه بتاع الصحافة في البيت.
بس لبست الجاكيت الكحلي.
نفس اللي كنت لابساه لما استلمت جايزة صحافة قومية.
مكنتش عارفة ليه.
يمكن كانت طريقتي الخاصة إني أرجع صورتي في نص الرف.
لما وصلت أمي كانت مرتبة أوضة السفرة زي مسرحية متجهزة بعناية.
أخويا في النص.
خطيبته جنبه.
أهلها قدامه بالظبط.
وكارت مكاني؟
في الآخر خالص.
طبعاً.
خطيبة أخويا رحبت بيا بحرارة.
سألتني انتي عايشة في المدينة صح؟ بتشتغلي إيه؟
فتحت بوقي.
أمي ظهرت جنبنا فوراً.
قالت أصلها بتعمل شغل إداري في مكتب صغير في وسط البلد. مفيش حاجة مثيرة أوي.
وبعدين خدت خطيبة أخويا بعيد بهدوء.
بعدها بدقايق القاضي وصل.
أمي بقت شخص تاني خالص.
استقبلته بابتسامة كأنها بتستقبل ملك.
وبعدين قدمت أخويا كأنها بتقدم تحفة غالية.
ولما وصلتلي صوتها بقى أوطى بشكل ملحوظ.
ودي بنتنا. بتشتغل في مكتب في المدينة. مشغولة بس مفيش حاجة متعبة أوي.
القاضي مد إيده.
سلمت عليه.
لثانية تعبير وشه اتغير.
حاجة بسيطة.
يا دوب تضييق بسيط في عينيه.
قال الاسم ببطء.
بطني اتقبضت.
قلت اسمي.
قبل ما أي حاجة تانية تحصل أمي بسرعة خدت الكل ناحية أوضة السفرة.
لمدة ساعة بعد كده أمي كانت بتدير الحوار زي برج مراقبة.
إنجازات أخويا. طموحات أخويا. مستقبل أخويا.
كل مرة حد يسألني حاجة أمي كانت بترد بدالي. كل مرة أبدأ أتكلم كانت فجأة تحتاج حاجة.
ممكن تجيبي تلج زيادة؟
هاتي العيش.
شوفي القهوة.
لاحظت إن القاضي بيتفرج.
مراته خدت بالها كمان.
في مرة رجعت من المطبخ لقيتهم هما الاتنين بيبصوا ناحية كرسيي الفاضي.
وبعدين بيبصوا ناحية أمي.
حاجة اتغيرت.
قرب آخر العشا القاضي قام ببطء والكاس في إيده.
الكل سكت فوراً.
أمي قعدت معدولة في كرسيها.
أخويا ابتسم.
خطيبته مسكت إيده.
القاضي بدأ يتكلم عن الجواز.
عن الشخصية. عن العيلة. عن الصدق.
وبعدين قال حاجة خلت جسمي يقشعر.
الثقة بتبدأ لما نشوف الناس بوضوح.
أمي ابتسمت بفخر وافتكرت إن كل كلمة مقصودة لأخويا وخطيبته.
وبعدين القاضي ساب كرسيه.
والكاس لسه في إيده بدأ يمشي ببطء حوالين الترابيزة.
عدى على مراته. عدى على خطيبة أخويا. عدى على أخويا.
وبعدين وصلّي.
ووقف.
ابتسامة أمي راحت.
مش كلها.
يا دوب.
القاضي بصلي كذا ثانية.
الأوضة بقت هادية لدرجة إني سامعة تكة الساعة اللي في الطرقة.
وبعدين اتكلم.
قال بهدوء لازم أعترف أنا مستغرب إني لاقيكي هنا.
محدش اتحرك.
أخويا شكله متلخبط.
خطيبته بصت ناحية أمي.
أبويا نزل عينيه.
ولأول مرة طول الليلة أمي يبقى معندهاش أي حاجة تقولها.
القاضي بصلي مباشرة.
وبعدين سأل السؤال اللي أمي قضت سنين بتتأكد إن محدش يسأله أبداً.
انتي تبقي إيه ليهم بالظبط؟
لما القاضي قال أنا عارفها
1. السؤال اللي جمد الأوضة
انتي تبقي إيه ليهم بالظبط؟
السؤال نزل على