في ليله دخلته

بعد تلات شهور من سفره، شاهيندا خلفت بنتها قبل ميعادها. البنت ولدت مبتسرة ودخلت الحضّانة في المستشفى، وأبوها الحقيقي -اللي كان شغال مع عم أدهم وهرب- اتمسك على الحدود واُتقبض عليه. وشاهيندا كانت بتواجه قضايا تزوير واستيلاء على حقوق ملكية فكرية، بس المحاكمة اتمأجّلت لحد ما تقوم بالسلامة.

المنظمة الراعية للأطفال اتصلت بيا، لأن شاهيندا حطت اسمي كجهة اتصال للطوارئ في أوراقها. رحت المستشفى مرة واحدة بس.. مش عشان خاطر أيت صداقة قديمة خلاص انتهت، بس لأن المحامي كان محتاج إقرارات قانونية تخص حماية البنت الصغيرة.

 

شاهيندا كانت نايمة على السرير، وشها شاحب جداً وعظام خدودها باينة من كتر التعب والهزال. ومن ورا الزجاج البارد، كان نور الحضّانة الأزرق طالع على البنت الصغيرة. قالت لي شاهيندا بصوت مكسور: ـ “بنت.. سميتها ‘نور’.”

 

ما رديتش عليها.. فقالت بصوت يترجف: ـ “أنا اتفقت مع الجمعية، وهناك عيلة من المدرسين هيتبنوها ويتكفلوا بيها.. مش هيعرفوا حاجة عني ولا عن اللي عملته، هتاخد اسم جديد وعيشة نضيفة.” ـ “مادام اتخذتِ القرار، كملي الإجراءات الرسمية مع المحامي والجهات المختصة.” ـ “مش عايزة تشوفيها يا يارا؟” ـ “لا.” استدارت شاهيندا ودموعها نازلة: ـ “انتِ قاسية أوي يا يارا..” ـ “دي مش قسوة يا شاهيندا.. أنا ساعدتك توصلي للجمعية الصح عشان البنت البريئة دي ما تشيلش ذنب حد، بس ده مش معناه إني هرجع صاحبتك ولا هتحمل مشاعرك ولا مسؤليتك.”

 

انفجرت شاهيندا في البكاء: ـ “أنا بقيت لوحدي تماماً في الدنيا..” رديت عليها وذهني بيرجع لليلة زفافي: ـ “وأنا كمان كنت لوحدي تماماً.. في الليلة اللي أمي سابتني فيها، وفي الليلة اللي جوزي كان فيها على اليخت بيمرح معاكي.. أنتِ اللي اخترتِ تسيبيني في الموقف ده.. والآن كل واحد بياخد جزاء اختياراته.”

سبت معلومات المحامي على الطاولة ومشيت، وما رجعتش المستشفى تاني.

بعد فترة، عرفت إن البنت أخدتها العيلة الجديدة، وسافروا بيها الصعيد، وأدوها اسم جديد وحياة بعيدة عن ديون وذنوب أهلها.. وده كان أفضل قدر للبنت البريئة دي.

في اليوم اللي اتقضى فيه على عم أدهم بالحبس 12 سنة في قضايا الفساد والتزوير، أدهم بعت لي ظرف مقفول مع المحامي. جوة الظرف كان فيه جواب اعتذار مكتوب بخط إيده، وعقد بيت أمي القديم اللي جابه وسجله باسمي ورجعه لي من غير أي شروط!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *