بنت اخويا صرخت
في شنطتها المدرسية ده غلطة كمان؟ زياد.. أنا صحفي استقصائي، وكريم أرسل لي كل البيانات.. الإشارات بتتبعت لمكان خارج البلاد، والإيرادات المالية بتاعتك السنوات الأخيرة مش منطقية أبداً مقارنة بحجم عملك الظاهري.
نيرمين اڼهارت على الكرسي وبدأت تبكي بصمت، بينما زياد بدا وكأنه انهار داخلياً فجأة
ما كنتش أملك خيار يا أحمد.. بدأوا بټهديدوني إنهم يفضحوا أسرار بيانات عملائي، وطلبوا مني شيئاً بسيطاً في البداية.. مجرد اختبار نظام مراقبة منزلي. ولما رفضت، قالوا لي هيدمروا سمعتي وشركتي.. وبدأت الأمور تخرج عن سيطرتي شيئاً فشيئاً. اكتشفت متأخراً إنهم بيبيعوا مقاطع الأطفال على شبكات الإنترنت المظلم.. وحين حاولت أوقفهم، هددوني باختطاف حبيبة نفسها.
فاخترت تراقبها بنفسك؟ سألتُ بمرارة. أبوها المفروض يحميها كان أول من سلمها لهم على طبق من ذهب!
كنت بخاف أروح للشرطة صړخ بصوت مكسور. كانوا بيقولوا لي الشرطة عندهم.. كل حد ممكن يكون متورط. كنت وحيد ومخيف جداً يا أحمد كل يوم كنت بصحى وأنا خاېف أكون شفت حبيبة لآخر مرة.
نيرمين فجأة رفعت رأسها وبكت بصوت مرتفع
أنا كمان عرفت من شهر بس.. حاولت أتكلم، هددوني بقټلها قدامي. سمعتهم بيتكلموا عن خطوة جديدة.. خطڤها الأسبوع الجاري، وإنهم حددوا الثمن مليون جنيه.
الجزء الخامس الخطة.. والفخ الذي نصبه للصوص
اتصلتُ مباشرة برئيس وحدة الچرائم الإلكترونية وحماية الطفل، صديقي القديم اللواء سامي. لم أذهب ببلاغ عادي.. بل ذهبت بكل الأدلة، كل التسجيلات، كل الإحداثيات، وكل ما جمعته كريم من بيانات التتبع. اتفقنا على خطة محكمة زياد سيتظاهر بأنه يوافق على دفع المبلغ وتسليمهم حبيبة في الموعد والمكان المحدد، وفي نفس الوقت سيكون فريق أمني كامل بمراقبة المكان والقبض على كل من يتورط في العملية فوراً.
أسبوع كان أطول أسبوع في حياتنا. حبيبة شعرت بتغير الجو، فبدأت أساعدها في التحدث برسومات وألوان، واشتريتُ لها دفتراً ترسم فيه ما تشعر به. لم أخفِ عنها أن هناك أشخاصاً سيئين يحاولون إيذاءنا، لكنني وعدتها
أنا واللواء سامي ورجال الأمن.. كلنا جنبك ولن نسمح لأحد بأن يقترب منك أبداً.
يوم العملية،
ذهب زياد في الموعد المحدد إلى المكان الذي حددوه منطقة مهجورة على أطراف المدينة. ومعه الحقيبة المليئة بالأوراق المالية المضادة، والجهاز التعريفي المخبئ بداخلها. ظهر ثلاثة رجال ملثمين يحملون أسلحة بيضاء، وبينهم شخص رابع بدا كأنه زعيم العصابة. طلبوا الحقيبة أولاً، ثم أشاروا لشخص آخر كان ينتظر في السيارة الخلفية ليخرج بحقيبة صغيرة بها أجهزة تشويش وتتبع. وفي تلك اللحظة، وبإشارة سريعة من اللواء سامي، انطلقت قوات الأمن من مخابئها وأحاطت بالمكان بالكامل.
تبادل لإطلاق الڼار استمر دقائق، انتهى پقتل اثنين واعتقال الباقين أحياء. وبفحص هوياتهم، اكتشفنا الصدمة الكبرى الزعيم العصابة لم يكن غريباً.. كان مدير الحسابات في شركة زياد، الرجل الذي كان يزور منزلنا باستمرار ويحضر الهدايا لحبيبة منذ سنوات. كان قد خطط للعملية برمتها، واستخدم خوف زياد لبناء شبكته الإجرامية داخل منزله نفسه.
الجزء السادس التعافي.. والبيت الذي أعاد بناؤه الحب
مرت أشهر، والتحقيقات استمرت بسرية تامة. زياد ونيرمين خضعا لجلسات استماع وعلاج نفسي، وثبت أنهما كانا ضحيتين للټهديد والابتزاز، ولم يصدر بحقهما سوى عقوبات تأديبية وغرامات مالية لعدم إبلاغ الجهات المختصة في البداية. أما حبيبة فكانت بحاجة إلى وقت ورعاية خاصة، لذا بقيت معي ومع جدتي في منزلنا القديم في أسيوط فترة من الوقت، حيث الهواء النقي والأمان الذي لم تشعر به من قبل.
ذات يوم، وبينما كنا نجلس في الحديقة وهي تلعب بدميتها، سألتني ببراءة
عمو أحمد.. الكرسي اللي بيوجعني.. هو مش هيرجع تاني صح؟
ضممتُها إليّ بقوة
أبداً يا روحي.. من اليوم، كل الكراسي في الدنيا هتكون مريحة لكي. ولو في أي حاجة ټوجعك حتى ولو كانت كلمة صغيرة.. تقولي لي فوراً، اتفقنا؟
اتفقنا ابتسمت بابتسامة ملأت قلبي بالدفء.
بعد ستة أشهر، أعاد زياد ونيرمين بناء حياتهما من جديد. باعا الشركة القديمة التي كانت مصدر كل كوارثهما، وانتقلا للعيش في مدينة صغيرة هادئة، وافتتحا مشروعاً صغيراً بعيداً عن ضوضاء العواصم والشبكات الإلكترونية المظلمة. زارا حبيبة كل أسبوع، وتعلموا كيف يكون الأمان أفعالاً لا أقوالاً. وأنا واصلت عملي الصحفي، لكن مع مهمة
جديدة أضيفت إلى رسالتي توعية الأسر بخطۏرة أجهزة المراقبة غير المصرح بها، وكيفية حماية أطفالنا من الأڈى الذي قد يأتي من حيث لا نحتسب.
وتعلمتُ درساً خالداً من هذه القصة أكبر چريمة لا يرتكبها فقط من يقتحم بيوتنا من الخارج.. بل أحياناً يرتكبها الخۏف الذي يمنعنا من التحدث حين نشعر بالخطړ. وأصغر صوت طفل مكسور يستحق أن نتوقف من أجله، ننصت، ونحميه بكل ما نملك من قوة.