بعد 12 سنه قضيتها في خدمه ابنى

منها أي حاجة، بدأت تساعدني في تنظيف مجرى الميّه.
مع نص النهار، كانت إيديها متغطية بالطين، وطلعت لها فقاعة مؤلمة في كفها من كتر الشغل.
ما قالتش إنها جاية تثبت لي حاجة، ولا حاولت تبرر اللي حصل زمان.
فضلت تشتغل جنبي، وتطلّع الحجارة من المجرى.
بالنسبة لي، الفعل ده كان أغلى من ألف اعتذار.
أما يوسف، فما رجعش.
وكريم كمان ما رجعش.
وطبعًا، ده وجعني. الأم ما بتبطلش تحب ولادها لمجرد إنها اتعلمت تحط حدود.
لكنّي بطّلت أقيس حبهم ليا على قدّ استعدادي إني أتحمّل الإهانة.
الوصية فضلت زي ما كتبتها.
ما كانتش عقاپ لحد، لكنها كانت قاعدة بسيطة اللي عايز يكون جزء من حياتي، لازم يكون موجود فعلًا، مش وقت ما يحتاج مني خدمة وبس.
في مايو، عمّة فوزية قدرت توفّر لي ترابيزة في سوق احتفالات القرية بعيد الحصاد.
جهّزت جبنة قريش، وبرطمانات مربى الخوخ بالعسل الأسود، وخبز الذرة، وأكياس صغيرة من الدقيق المحمّص اللي بيتعمل منه مشروب شعبي.
كنت متوقعة إني هرجع البيت بنص البضاعة على الأقل.
لكن في أول يوم، بعت كل حاجة!
واحدة رجعت تشتري علبة جبنة تانية، وقالت إنها بتفكّرها بطعم الجبنة اللي كانت بتاكلها زمان. وراجل طلب مني تلات برطمانات مربى لأخواته.
عمّة فوزية خبطتني بكوعها وقالت
إيه يا ست أمل، إنتِ كده بقيتي تاجرة!
ردّيت عليها وأنا بضحك
ما تكبّريش الموضوع بقى!
لكنّي رجعت المزرعة وأنا مبتسمة من قلبي.
كان معايا كيس فيه فلوس عدّيتها بنفسي، وإيديّ ريحتها عسل أسود وخوخ.
قعدت في الممر قدام البيت، وبصّيت للبوابة اللي كنت لقيتها مخلّعة من شهور.
دلوقتي بقى ليها مفصلات جديدة، وبقت بتفتح وتقفل من غير ما تميل.
ساعتها فهمت ليه الباب ده كان بيأثر فيّا بالشكل ده.
أنا كمان عشت سنين طويلة معلّقة بمفصلة واحدة، وبكمل بالعافية، لمجرد إن كل اللي حواليا كانوا متأكدين إني هفضل موجودة أخدمهم مهما حصل.
في صباح، بعد ما عدى حوالي سبع شهور على وصولي للمزرعة، سرجت رمادية عشان أروح القرية أشتري دقيق ذرة وسكر ومسامير.
ضباب فضل في المرعى، والمعزة كانت قريبة منه، ووحيدة كانت بتكاكي جنب قن الفراخ.
خرجت من البوابة اللي بقت ثابتة، ومشيت على الطريق بهدوء.
وعند المنحنى، شفت أتوبيس بيعدّي.
كان ده نفس المكان اللي نزلت فيه من شهور، وأنا شايلة شنطتين مربوطتين بحبل، وظرف بني حاضناه على صدري.
وقفت لحظة.
لمست الجراب الجانبي اللي كنت حاطة فيه الفلوس اللي كسبتها من بيع منتجات المزرعة.
ومن ورايا، سمعت ضباب بيصهل.
رمادية حرّكت ودانها.
ربتّ على رقبتها وقلت
يلا يا بنتي، لازم نرجع قبل ما الدنيا تليل.
وكملنا طريقنا.
المرة دي، ما كنتش بدوّر على مكان أقدر أعيش فيه على هامش حياة حد تاني.
كنت راجعة لحياتي أنا.
تمت القصة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *