انا خايفه على بناتي

رفعت رأسي ووقفت طولي، ومسكت إيد أحمد بقوة وقالت:
“الفلوس دي فلوس يتيم يا سامح. عارف يعني ايه يتيم؟ يعني ربنا قال في كتابه: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرًا}. أنتم عاوزين تطعموا حسين وزوجته نار جهنم؟ عاوزين تفتحوا بيتكم على حرام؟ على جثتي لو قرش واحد من ورث أحمد طلع من البنك لغير مصاريفه وأكله ولبسه وتعليمه!”
الحجة سعاد قربت مني ووشها مقلوب من الغيظ، وقالت:
“بلا كلام كبار بلا يتيم! الفلوس تحت إيديكي وأنتِ وصية عليه، وتقدرِ تفكي الأزمة وتجيبي البيت.. بدل ما تخربي على نفسك وعلى جوزك! حسين عريسته منتظرة، والشقة دي حق العيلة!”
رديت عليها وأنا بوزع نظراتي بينها وبين جوزي:
“الشقة دي شقتي وشقت جوزي، وحسين يجوز على قد لحافه. والشقة الصغيرة اللي تحت تكفيه وتزيد، إنما عينكم فارغة وبتبصوا للمليان في إيد غيركم. أنا مش هسيب شقتي، ومش هطلع منها، وأحمد هيقعد هنا في وسط عيالي ورأسه مرفوعة.. وأعلى ما في خيلكم اركبوه!”
سامح اتملا من الشحن بتاع أمه، قرب مني ومسك دراعي بقوة وقال:
“يبقى أنتِ اللي صممتي على العناد يا سمر! بكرة الصبح مش هتشوفي قرش واحد من المصاريف، ولا هيدخل البيت ده أكل ولا شرب بفلوسي طالما الواد ده موجود، خليه يصرف عليكي وعلى عيالك بفلوس الورث بقى ورجينا شطارتك!”
نفضت إيده عن دراعي بمنتهى القوة والشموخ، وقولت له:
“أنا عمري ما مدّيت إيدي لك ولا لأمك في قرش يخص أخويا. أنا شغالة وتعبانة ومستورة بفضل ربنا وحلال أبويا. والقرش اللي بيدخل بيتك من شغلي أكتر من اللي بتدفعه أنت! أنت اللي اخترت تقف في صف الظلم ضد حلال ربنا يا سامح، وبكرة تندم لما ربنا يحاسبك على كل لحظة خفت فيها من أمك وما خفتش من ربنا!”
أخدت أحمد من إيده ودخلت بيه الأوضة وقفلت الباب بالترباس. سمعت بره صوت الحجة سعاد وهي بتهد في سامح وتزعق:
“سيبها تنشف دماغها يا بني! يومين وهتيجي تبوس إيديك ورجليك لما تلاقي نفسها لوحدها والناس بتاكل في وشها في الحارة!”
قعدت على السرير وضميت أحمد لصدري. كان بيبكي بصوت واطي ويقول لي:
“أنا أسف يا أبلة سمر.. أنا السبب.. خليهم ياخدوا فلوسي وياخدوا كل حاجة بس ما تسيبيش عمو سامح يضربك ولا يطردنا.”
دموعي نزلت حامية على وشه، مسحتها بسرعة وابتسمت له وسط الوجع وقولت له:
“أوعى تقول كده يا أحمد! أنت رقبتي وحقي وحق أباك وأمك الله يرحمهم. الفلوس دي حقك أنت، ومحدش في الدنيا يقدر يمس منها مليم طالما أنا حية وبنفس في الدنيا. بكرة تتربى وتكبر وتبقي راجل وسند، والبيت ده هيعرف قيمة الحق.”
عدت الليلة دي زي السنين.. الهدوء في البيت كان أتقل من العاصفة. سامح نام في الصالة، وأمه نزلت شقتها تحت وهي بتتوعد وبتخطط للي جاي. وأنا سهرت الليل كله أفكّر.. مش هسلم، ومش هضعف، ومش هسمح لهم ينهبوا شقا أبويا اللي سابه للزمن.
تاني يوم الصبح بدري، صحيت على صوت خبط ورزع جامد على باب الشقة. فتحت الباب ولقيت حسين السلف الصغير واقف ومعه اثنين من أصحابه وشايلين شنط وكراتين، والحجة سعاد واقفة وراهم وبتقول بمنتهى العصبية والفرض:
“وسعِ يا سمر.. حسين نازل ينقل حاجته هنا من النهارده، وأنتِ خدي عيالك وأخوكي وانزلي على الشقة اللي تحت، تتصرفوا فيها زي ما أنتم عاوزين!”
وقفت في فتحة الباب وسديتها بجسمي، وبصيت لحسين ولأصحابه وقولت بصوت هز العمارة كلها:
“خطوة واحدة زيادة لجوة يا حسين، وهكون مكلمة النجدة ومجمعة أهل الحارة كلهم على مهزلة طرد ست وعيالها من شقتها في عز الضهر!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *