حماتي وقت طبقي
حماتي زقّت طبقي قدام الناس كلها وقالت بصوت عالي
هنا مفيش قعدة للغلابة!
ابني سكت وهي بتتريق على هدومي، وأنا ما رديتش عليها.
كل اللي عملته إني أخدت شنطتي وقومت من على الترابيزة ومشيت.
وأول ما خرجت من المطعم، عملت مكالمة واحدة بس.
بعد عشر دقايق، مدير المطعم رجع للترابيزة ومعاه معلومة عني خلت حماتي وشّها يصفر قدام كل اللي قاعدين.
بس قبل ما أحكيلكم إيه اللي حصل، لازم تعرفوا أنا مين أصلًا.
هنا مفيش قعدة للناس الغلابة!
صرخت حماتي، سناء الشربيني، وهي بتزق طبقي بعيد عني لحد نص الترابيزة.
المكان ده للناس اللي ليها مقام مش أي حد يقعد فيه!
المطعم كله سكت.
كان مطعم راقي جدًا في الزمالك، والناس اللي حوالينا بدأت تبص علينا.
شوكة وقعت من إيدي على الطبق، والصوت كان واضح لدرجة إن اللي قاعدين على الترابيزات اللي جنبنا التفتوا ناحيتنا.
مرات ابني، مي، ضحكت ضحكة صغيرة وهي بتبص على هدومي.
أما ابني كريم
فضل ساكت.
ولا كلمة.
ولا حتى بص في عيني.
ساعتها بصيت على حماتي بهدوء.
وبعدين بصيت على طبقي.
ومدّيت إيدي أخدت شنطتي الجلد القديمة.
وقومت.
سناء بصتلي من فوق لتحت وقالت بسخرية
زعلتي؟ أنا بقول الحقيقة بس. الواحد لازم يعرف هو واقف فين.
ابتسمت.
وقلت لها بهدوء
عندك حق يا سناء فعلًا في أماكن الواحد ما ينفعش يقعد فيها.
سكتُّ ثانية، وبعدين كملت
بس مش عشان أنا غلبانة.
ومشيت.
من غير خناقة.
من غير ما أزعق.
ومن غير حتى ما أبص ورايا.
نزلت من المطعم، ومشيت كام خطوة على الرصيف، وبعدين وقفت.
طلعت موبايلي من الشنطة، واتصلت بشخص واحد بس.
أول ما رد، قلت
ألو يا ممدوح؟ تعالى مطعم اللؤلؤة حالًا واقعد عند الترابيزة رقم 12.
سكت شوية، وبعدين قلت
أيوه خلاص. جه الوقت إنهم يعرفوا المطعم ده ملك مين.
قفلت المكالمة.
وعشر دقايق بس
كانت كفاية تقلب الليلة كلها.
لأن ممدوح ما رجعش للترابيزة لوحده.
رجع ومعاه ملف.
واللي كان مكتوب جواه خلّى سناء تسكت لأول مرة في حياتها.
بس عشان تفهموا ليه حصل كل ده، لازم تعرفوا حكايتي من الأول.
أنا اسمي نادية عبد الرحمن.
عندي 68 سنة.
وعايشة لوحدي في شقة بسيطة في شبرا.
أنا واحدة من الناس اللي ممكن تعدي جنبها في الشارع ومحدش ياخد باله منها.
بشتري الخضار من السوق بنفسي.
وبحتفظ ببرطمانات المربى الفاضية عشان يمكن نحتاجها بعدين.
ولحد النهارده عندي هدوم بلبسها من سنين.
شنطتي الجلد اللي اتريقت عليها سناء؟
كنت جايباها من أكتر من عشر سنين.
ومش شايفة فيها أي عيب.
بعد ما جوزي حسن مات، كل الناس افتكرت إنه سابني على قد حالي.
وابني كريم نفسه كان فاكر إني عايشة على معاش بسيط وشوية فلوس حوشتهم.
بس الحقيقة؟
كانت مختلفة تمامًا.
أنا وحسن بدأنا حياتنا من الصفر.
من أكتر من أربعين سنة، كنا فاتحين مطعم صغير جدًا جنب السيدة زينب.
كان عبارة عن كام ترابيزة، ومطبخ صغير، وحسن كان بيقف على الحلة وأنا كنت بخدم الزباين وأحسب الحساب.
كنا بنشتغل لحد الفجر.
ونرجع البيت وإحنا بنعد كل جنيه في الدرج.
وكنا بنحلم إن يبقى عندنا يومًا ما مطعمين بدل مطعم واحد.
وبالفعل
الحلم كبر.
بعد وفاة حسن، ما قعدتش أعيط على اللي راح.
اشتغلت أكتر.
اشتريت مطاعم كانت بتخسر.
ظبطتها.
غيرت الإدارة.
اخترت ناس شاطرة.
وكل مشروع كان يقع في إيدي، كنت أرفعه من جديد.
وبعد سنين
بقى عندي مجموعة مطاعم كبيرة في القاهرة.
فروع في المعادي، ومصر الجديدة، والتجمع، والزمالك، ووسط البلد.
ومع المطاعم، بقيت أملك عقارات واستثمارات تانية.
لكن عمري ما ظهرت في الصحف.
ولا حبيت حد يعرف حجم فلوسي.
حتى ابني كريم
ما كنتش حابة يعرف كل حاجة.
كنت عايزاه يبني نفسه بنفسه.
عشان ما يكبرش وهو فاكر إن أمه هتسيب له كل حاجة جاهزة.
لكن كل حاجة اتغيرت يوم ما اتجوز مي.
في الأول، كانت لطيفة معايا.
وبعدين بدأت التغييرات الصغيرة.
في فرحهم، مثلًا، قالتلي إن الفستان اللي لابساه قديم شوية ومش مناسب للصور.
وفي الصور الجماعية، خلتني أقف في آخر الصف.
وبعد الجواز، زيارات كريم بقت أقل وأقل.
ولو كنت أجيب له أكلة بيحبها، كانت مي تقول
إحنا عاملين دايت يا ماما نادية.
وتسيب الأكل في التلاجة لحد ما يبوظ.
كنت بسكت.
مش عشان مش واخدة بالي.
كنت واخدة بالي من كل حاجة.
لكن كنت بقول لنفسي
دي مرات ابني ومش عايزة أخسره بسبب مشاكل تافهة.
لحد يوم
سمعت مي بتتكلم مع صاحباتها قدام سوبر ماركت قريب من بيتي.
كانت فاكرة إني مش سامعاها.
قالت
حماتي دي بتظهر عندنا فجأة كأن بيتنا محطة.
واحدة من صاحباتها ضحكت.
ومي كملت
كريم لازم يفهمها ويحط لها حدود. إحنا مش ناقصين وجع دماغ.
وقفت مكاني.
ما دخلتش السوبر ماركت.
رجعت البيت.
ومن يومها بدأت أبعد واحدة واحدة.
لحد ما قابلت أم مي لأول مرة.
سناء الشربيني.
من أول ما دخلت بيتي، كانت لابسة دهب كتير، وماسكة شنطة غالية، وعينيها بتلف في المكان كأنها بتعمل جرد.
بصتلي وسألتني
وإنتِ يا نادية بتشتغلي إيه؟
قلت لها
أنا عندي شوية شغل.
ضحكت وقالت
شوية شغل إيه؟
قلت بهدوء
حاجات خاصة بيا.
فقالت وهي بتبص لمي
أصل مي قالتلي إن كريم ساعات بيساعدك ماديًا.
رفعت عيني لها وقلت
كريم عمره ما صرف عليا جنيه.
سناء ابتسمت ابتسامة مليانة شفقة.
وقالت
أكيد يا حبيبتي كل واحد وظروفه. الواحد بيعمل اللي يقدر عليه على قد إمكانياته.
ساعتها كان ممكن أقول لها الحقيقة.
كان ممكن أقول لها إن البيت اللي هي قاعدة فيه دلوقتي تمنه لوحده يساوي جزء صغير جدًا من استثماراتي.
وكان ممكن أقول لها إن المطعم اللي اختارت تهينني فيه
واحد من أهم المطاعم اللي أنا بملكها.
لكن ما قلتش.
سكت.
لأني كنت لسه فاكرة إن السكوت بيحمي ابني.
ماكنتش أعرف إن سكوتي ده
هيخليني أخسر حاجات أغلى بكتير من الفلوس.
وماكنتش أعرف إن اللي حصل في مطعم اللؤلؤة النهارده
ما كانش إهانة عابرة.
لأن بعد عشر دقايق بالظبط
مدير المطعم وقف قدام الترابيزة رقم 12، وحط الملف على السفرة.
وبص لسناء وقال
حضرتك متأكدة إنك عايزة تعرفي مين الست اللي طردتيها من هنا؟
سناء ضحكت بثقة وقالت
طبعًا.
فتح الملف.
وقلب أول ورقة.
وفجأة
اختفت الضحكة من وشها.
أما ابني كريم، فبص للورقة، وبعدها رفع عينيه ناحية الباب اللي خرجت منه أمه.
وفي اللحظة دي فهم حاجة واحدة
إنه كان ساكت في الوقت الغلط قدام الشخص الغلط.
فتح ممدوح أول ورقة في الملف، وحطها قدام سناء.
اتفضلي يا مدام سناء اقري بنفسك.
مدّت إيدها للورقة وهي لسه مبتسمة.
لكن أول ما عينيها وقعت على أول سطر
ابتسامتها اختفت.
قرأت الاسم مرة.
وبعدين مرة تانية.
نادية عبد الرحمن.
وتحت الاسم كان مكتوب
المالكة القانونية لمطعم اللؤلؤة.
سناء رفعت عينيها لممدوح.
يعني إيه؟
ممدوح رد بهدوء
يعني المطعم اللي حضرتك قاعدة فيه دلوقتي ملك مدام نادية.
الترابيزة كلها سكتت.
مي بصت لأمها.
وبعدين بصت لجوزها.
أما كريم
ففضل باصص للورقة كأنه مش قادر يستوعب اللي بيقراه.
سناء حاولت تضحك.
إنت بتهزر؟
ممدوح فتح الملف على صفحة تانية.
لأ.
وحط قدامها صورة من السجل التجاري، وبعدها عقد الملكية، وبعدها مجموعة مستندات تانية.
مدام نادية مش بس صاحبة المطعم ده.
سكت لحظة.
دي صاحبة المجموعة كلها.
كريم بلع ريقه.
مجموعة إيه؟
ممدوح بص له.
مجموعة المطاعم اللي اسمها موجود في كل فرع تقريبًا في القاهرة.
مي شهقت
يعني ماما نادية غنية للدرجة دي؟
ممدوح ما ردش.
هو كان عارف إن الإجابة الحقيقية أكبر من كلمة غنية.
لكن قبل ما يكمل، سناء خبطت بإيدها على الترابيزة.
وحتى لو هي المالكة، إيه يعني؟! هي كانت قاعدة معانا كأنها واحدة غلبانة!
من بعيد، كان صوتي لسه ممكن يتسمع لو حد وقف عند باب المطعم.
لكن أنا ما كنتش هناك.
كنت في عربيتي.