فى للية فرحى

​ركب الموتوسيكل بتاعه، وقبل ما يدور المكنة، بصلي تاني:
​— على فكرة، أنتِ ما تعرفنيش… بس أنا شفتك قبل كده.
​قلبي وقّف.
​— فين؟!
​صوت الموتوسيكل عليّ أوي وهو بيدوره:
​— في القاهرة… وأنتِ بتغني.
​ومشي وطار بالمكنة قبل ما ألحق أسأله كلمة واحدة زيادة.
الجزء الثاني
​عمتي صباح وصلت بعد ساعتين. اترجيتها ماتكلمش بابا وماما لحد ما أقدر أجمع أفكاري وأفوق. أخدتني عندها البيت، وخلال يومين تقريباً مخرجبش من الأوضة. مكنش فيه كتب كتاب رسمياً عند المأذون، لأن طارق كان مصرّ إننا نكتب الكتاب بعد السفرية، فكويس إن على الأقل مش هحتاج أرفع قض.ية طلاق على راجل فص ملح وذاب في نفس يوم الفرح. في الصبحية بتاعة اليوم التالت، عمتي نزلت تروح البنك وطلبت مني أستقبل أستاذ الدروس الخصوصية بتاع ابن عمتي، فتحي. لما سمعت صوت موتوسيكل بره الشارع، قلبي اتقلب في صدري. الراجل اللي دخل كان هو نفسه اللي لقي فردة الجزمة بتاعتي!
​— أنت؟!
— يظهر كده بقى إنك مضطرة تصدقي إني مش حرامي ولا بلطجي.
​فتحي ضحك وقال:
— ده أستاذ مازن، بيلخصلي رياضة وإنجليزي.
​طول مدة الدرس حبست نفسي فوق، بس فتحي طلعلي بعد ما الأستاذ مشي ومسك في إيده كتاب.
— أستاذ مازن بيقولك الكتاب ده عشانك.
​في أول صفحة كان فيه رقم تليفون ومكتوب جنبه رسالة: “شفتك كذا مرة بتغني في كافيه في الزمالك. عمر ما جه في بالي إني ألاقيكي هنا. بكرة الساعة 6، في الكافيه اللي في الميدان. لو مش عاوزة تيجي، أنا متفهم طبعاً.”
​أنا فعلاً افتكرت الكافيه ده.. أيام الكلية، أنا وصحباتي كنا بنروح مكان صغير كده في الزمالك، وكان فيه فرصة للزبائن يطلعوا المايك يغنوا. وساعات كنت بطلع أغني.
شلت الكتاب على جنب ومكنتش ناوية أروح خالص.
​في نفس اليوم المغرب، بابا جه بنفسه.
صوته كان يرن من عند باب الشقة:
— يا جودي! إزاي تستخبي هنا وكل مصر بتتكلم علينا وعن اللي حصل؟!
​نزلتله وأنا برتعش:
— أنا اللي اتسابت وتضحك عليا يا بابا!
— كان المفروض تاخدي بالك وتفهمي من الأول! أنتِ عارفة الفضيحة دي معناه إيه وسط الناس والقرايب؟!
​فيه حاجة جوايا اتكسرت. خرجت من الباب الخلفي بتاع البيت قبل ما حد يلحق يوقفني. على ناصية الشارع لقيت مازن واقف جنب الموتوسيكل بتاعه.
— ارحل بيا من هنا.
— إيه؟
— دلوقتي حالا!
​دور المكنة من غير ما يسأل كلمة. انتهى بينا المطاف على كورنيش البحر، بعيد خالص عن البيت. كنت لسه بعيط.
— بابا بيقول إن أنا اللي جبت الفضيحة لنفسي.
​مازن بصلي بثبات وقال:
— أنتِ اتخدعتِ اتضحك عليكِ. الفضيحة والخزي على الراجل اللي هرب، مش عليكِ أنتِ.
​محدش في حياتي قالها لي بالأسلوب ده.
أداني الجاكيت بتاعه وبدأنا نتمشى. حكالي إنه بيدرس إدارة أعمال في القاهرة، وأن أهله عندهم فنادق صغيرة في الشروق، وهو نفسه يكتب أغاني ويلحن. بس أبوه كان شايف إن ده كلام فارغ وتعطيل وقت.
— معايا حوالي 30 لحن متسجلين، بس معنديش ولا كلمة لحن مكتوبة.
— مشكلة كبيرة دي.
— أنتِ ممكن تساعديني.
— أنا؟!
— أنتِ في الكافيه ده كنتِ بتغني وكأنك حاسة ب كل كلمة بتطلعيها من قلبك.
​انتهى بينا الحال بنأكل سندوتشات سمك مقلي في محل على البحر. مازن قعد يخبط على الترابيزة بيعمل إيقاع، ودندن ملحّن. من غير ما أفكر قلت:
“لو حد سرق مني الربيع، هتعلم أفتح وأزهر مع مطر تاني.”
​مازن قطع النفس لثانية.
— قوليها تاني كده!
​ضحكت لأول مرة من يوم الفرح:
— لأ مش قايلة.
— عشان خاطري قوليها!
​عدتها تاني، وكتبها فوراً على منديل ورقي.
لما رجعنا البيت، كان الليل دخل.
— هجيلك بكرة بدري، قالها بثقة.
— مش بوعدك إني هخرج.
— بس أنا بوعدك إني هستناكي.
​بس قبل الفجر، بابا أخدني بالعافية وركبني العربية. من الشباك شفت مازن واقف على دخلة الشارع جنب الموتوسيكل بتاعه. رفعت إيدي وشاورتله من غير ما بابا ياخد باله. مازن مشي ورا العربية بالموتوسيكل كام شارع كده قبل ما يقف.
​في القاهرة، بدأت الفضيحة الحقيقية. أهل طارق جوم لبيتنا يعتذروا. اعترفوا إنهم كانوا عارفين بالبنت الثانية وكانوا فاكرين إن ابنهم “يعقل ويهدى” لما يتجوزني. بابا طردهم بره البيت. وكانت دي أول مرة في حياتي أشوفه بياخد حقي ويدافع عني.
​بعد شهر، طارق اتصل بيا.
— هي سابتني ومشيت.. أنا غلطت ونقدر نصلح اللي اتكسر.
— وهترجع لي مجوهراتي ودهبي كمان؟
سكت ومردش.
— إياك تتصل بيا تاني.
​أهلي قدروا يرجعوا جزء من اللي اتسرق عن طريق المحامين، والباقي عوضي على الله فيه.
عدت شهور. عمتي قالتلي إن مازن لسه بيسأل عليا. وقالتلي كمان حاجة خلتني أقفلت باب قلبي بالضبة والمفتاح قبل ما أفكر أفتحه تاني.
— عيلته معافية ومعاهم فلوس يا جودي.. وأمه بتدوره على بنت من ثوبهم ومن مستواهم.. بلاش تدخلي نفسك في مشاكل ثانية.
​طلعت الكتاب اللي مازن كان مديهولي، وقطعت الورقة اللي فيها رقم تليفونه.
​بعد حوالي 10 شهور، صاحبتي مي سحبتني بالعافية لكافيه فيه مزيكا لايف.
— هي ساعة واحدة بس ونمشي.
​الأنوار هديت، وطلع شاب طويل ماسك جيتار.
كان مازن.
قمت عشان أمشي بسرعة، بس أول ما بدأ يغني وقفت مكانها.
عرفت اللحن.
وبعدها سمعت الجملة بتاعتي:
“لو حد سرق مني الربيع…”
​اتسمرت في مكاني ومقدرتش أتحرك.
لما خلص الأغنية، مازن بص في آخر القاعة، لمحني بين الناس، ومسك المايك وقال:
— جودي… أنا بقالي 10 شهور بدور عليكِ.
​Part 3 (الجزء الأخير)
​المكان كله اتدوران وبصلي. وشي جاب ألوان وحسيت بنفس السخونية اللي حسيتها يوم فرحي، بس المرة دي مكنتش كسوف ولا فضيحة. مازن نزل من على المسرح وهو لسه معلق الجيتار في رقبته.
— ليه عمرك ما اتصلتِ؟
— عشان مكنش عندي حاجة أقدمهالك غير المشاكل والوجع.
— أنا مطلبتش منك حساب في البنك ولا سمعة معندهاش الهوا.
— عيلتك عاوزة لك واحدة ثانية من مستواكم.
— عيلتي عاوزة حاجات كتير.. بس أنا اللي هختار حياتي.
​خرجنا بره نتكلم. مازن حكالي إنه رجع لبيت عمتي 3 مرات، ولما محدش رضي يديله عنواني، بدأ يعزف في كافيهات القاهرة لأنه فاكر إني بحب الأماكن دي.
— قلت يمكن في يوم من الأيام تدخلي واحد منهم.
— دي جنان وركوب رأس!
— بس جابت نتيجة!
​ضحكت وأنا بعيط.
وفجأة عرفت الحقيقة الثانية اللي مكنتش متوقعاها. مازن كان رفض منصب مرتاح في شركة أبوه عشان يكمل دراسته ويبني نفسه بنفسه. مسبش المزيكا، بس كمان مكنش عاوز يعيش صايع من غير هدف.
— أنا متغيّرتش عشان أبهرك.. أنا اتغيرت لأنك في اليوم ده على البحر سألتيني هعمل إيه في حياتي ومعرفتش أرد عليكِ.
​بدأنا نتقابل.. بالراحة وعلى مهلنا. كنت محتاجة أتعلم إن اختياري الغلط لطارق مبيخليش كل الرجالة زي طارق.
​بعد 3 شهور، مازن طلب مني أقابل أهله في القاهرة. كنت هفركش وألغي المقابلة.
— هيشوفوني الست اللي جوزها سابها في ليلة الدخلة.
— لو حد بص لك البصة دي، هنقوم ونسيبهم ونمشي فوراً.
​أمه فتحت الباب قبل ما نخبط المرة الثانية.
— يبقى أنتِ بقى جودي…
كنت مستنية برود، بس بدال كده أخدتني في حضنها.
— شكراً يا بنتي.
— على إيه؟
— على إن الدماغ الناشفة ده رجع يكمل دراسته ويشتغل.
​أبو مازن ضحك وقال:
— أنا كنت فاكر إن الدنيا مديونة له بمسرح! دلوقتي بيشتغل معايا الصبح وبيعزف بالليل.. لو ده بسببك أنتِ، يبقى أهلاً بيكي في عيلتنا.
​كنت مذهولة ومش عارفة أرد أقول إيه.
— بس هما قالولي إنكم كنتم عاوزين تختاروا له مراته؟
​الست اتنهدت وقالت:
— أنا كنت عاوزة أعرفه على بنات.. لكن من هنا لإني أجبره ده بعده!
​مازن غمزلي وقال:
— شفتِ؟ أمي زنانة اه، بس مش مجرمة يعني!
​لأول مرة حسيت إن حكايتي مأنتهتش في شرم الشيخ.
​بس كان فاضل لي أصعب مواجهة: بابا.
​لما مازن جه يطلب إيدي رسمي من بابا، بابا حاط أيده في وسطه وما إدالوش فرصة يكمل كلامه.
— بنتي عملت نمرة وفضيحة بما فيه الكفاية بسبب راجل!
​قمت وقفت في وش بابا:
— مش أنا اللي عملت نمرة ولا فضيحة يا بابا.
​بابا بصلي باستغراب:
— جودي…
— أنا بقالي شهور شايلة ذنب وخزي مش بتاعي، لأنك علمتني أخاف من كلام الجيران أكتر ما أخاف من الظلم! طارق سرقني وضحك عليا وطفش.. ومع ذلك أول بني آدم قطعت فيه وشتمته كان أنا!
​الترابيزة كلها سكتت ومحدش نطق.
مازن مسك إيدي، بس متكلمش بدالي وسابني أخد حقي.
ماما بدأت تعيط.
وبابا نزل رأسه في الأرض وقال:
— عندك حق.
​عمري ما سمعته بيقول الكلمتين دول في حياته.
— سامحيني يا بنتي.
​الكلمة دي قفلت جرح جوايا، جرح حتى رجوع طارق مكنش هيعرف يقفله.
​أه.. طارق رجع تاني.
ظهر في يوم بعد الظهر قدام محل بابا. كان شكله مكسور ومتبهدل. البنت اللي طفش معاها سابته لما الفلوس خلصت. وأهله، بعد ما قرفوا من الفضايح، رفعوا إيدهم عنه وما بقوش يساعدوه.
​— جودي.. سمعت إنك هتتجوزي؟
— أه.
— مش ممكن تعملي كده! إحنا بينا عشرة وحكاية!
— كان بينا قراية فاتحة.. والحكاية أنت اللي هدمتها بإيدك.
— أنا كنت مشوش ومطربش.
— لأ، أنت كنت مركز وقاصد.. قاصد لدرجة إنك أخدت الدهب والمجوهرات معاك.
​بابا خرج من المحل. افتكرته هيقولي بلاش فضايح في الشارع. بس جه وقف جنبي وسندني.
— بنتي سمعتك بما فيه الكفاية.
​طارق بص لبابا:
— يا عمي الحاج.. أنا…
— اليوم اللي مشيت فيه، كنت فاكر إن بنتي هي اللي جابتلي العار.. بس أنا كنت غلطان. العار والقذارة طول عمرها كانت منك أنت.
​طارق مشي ومنطقش كلمة.
دي كانت عدالتي الحقيقية: إن بابا يفهم ويتأكد إن عمر ما كان العيب فيا.
​أنا ومازن اتجوزنا السنة اللي بعدها. المرة دي كتبنا الكتاب في المسجد والمأذون الأول. أنا بنفسي راجعت كل ورقة وبصمة، ومازن قعد يضحك عليا:
— اتأكدتِ خلاص إن معنديش عروسة ثانية مستنياني في عربية حمرا بره؟
— لسه بفتش وبدور!
— خلاص، يبقى أنا هروح أفتش في جزمك!
​شهر العسل بتاعنا كان في أسوان. قبل ما نخرج من الفندق، مازن شال الشنط ورفع فردتين الجزمة اللي كنت حاطاهم على الوش.
— الفردتين موجودين اهما.
— أنا مش ناوية أضيع ولا واحدة منهم.
— يا خسارة!
— ليه بقى؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *