انا من وانا صغيره
اتغيرت.
فتح باب المعمل فجأة وقال
تعالي.
على فين؟
تعالي بس.
دخلت وراه.
أول ما دخلنا، الباحثين بصوا لبعض.
وليد قال
هاتوا العينات الستة.
واحد منهم سأله
ليه؟
هاتهم.
طلع ست علب صغيرة متطابقة.
وليد رصهم قدامي.
كلهم مقفولين بإحكام.
قلت
وبعدين؟
قال
قوليلي أنهي واحدة ريحتها وحشة.
بصيتله كأنه مجنون.
وليد، أنا مش داخلة ألعب.
سارة، أرجوكي.
قربت من العلب.
الأولى مفيش.
التانية مفيش.
عند التالتة حسيت بحاجة خفيفة.
لكن لما وصلت للخامسة…
رجعت بوشي فورًا.
دي!
المعمل كله سكت.
وليد بص للباحثين.
واحد منهم قال
مستحيل.
وليد قال
بدلوا أماكنهم.
لفيت ضهري.
بدلوا العلب.
جربت تاني.
وأشرت لنفس العينة.
كررناها للمرة التالتة.
ونفس النتيجة.
الباحث الأصغر قال
بس العلب دي محكمة الغلق.
قلت بعصبية
وأنا مالي؟ أنا بشمها!
لكن وليد مكانش باصصلي.
كان باصص للعينة كأنه شاف شبح.
قلت
حد يفهمني!
وليد سحب كرسي.
اقعدي.
مش هقعد.
سارة، المادة دي إحنا نفسنا مش قادرين نرصد انبعاثها بالأجهزة العادية.
اتجمدت.
يعني إيه؟
يعني أجهزة تحليل الهواء بتقول إن مفيش فرق تقريبًا بين العينة دي والعينات التانية.
بصلي.
لكن إنتِ عرفتيها وهي جوه عبوة مقفولة.
قلت
أنا حاسة الشم عندي قوية من وأنا صغيرة. إنت عارف.
قال
قوية حاجة… واللي حصل دلوقتي حاجة تانية.
رجعنا البيت قرب الفجر.
طول الطريق محدش فينا اتكلم.
لكن دماغي مكانتش ساكتة.
تاني يوم، وليد طلب مني حاجة غريبة.
قال إنه محتاج يعمل لي اختبار شم في معمل متخصص.
وافقت.
قعدت ساعتين قدام عشرات العينات.
روائح مختلفة بتركيزات ضعيفة جدًا.
وفي الآخر الدكتور المسؤول بص لوليد وقال
مراتك عندها حساسية شمية استثنائية.
قلت
عارفة.
لكنه كمل
مش للدرجة اللي حصلت مع عينتكم.
بصيت لوليد.
الدكتور قال
التركيزات اللي قدرت تميزها هنا ممتازة، لكنها داخل الحدود البشرية النادرة. إنما حسب كلامكم، المادة الموجودة في العبوة المفروض أصلًا مفيش منها جزيئات كفاية توصل لمستقبلات الشم.
قلت
يعني أنا شميتها إزاي؟
محدش رد.
ومن هنا…
الموضوع بدأ يخوفني.
وليد أخدني المعمل كذا مرة خلال الأسبوع اللي بعده.
وكان كل مرة يخليني أميز بين عينات مختلفة.
الغريب إني كنت بعرف العينة المتغيرة كل مرة.
حتى لما حطوها ورا حاجز.
حتى لما غيروا العبوات.
لكن حصل شيء أغرب.
في إحدى المرات، دخلت المعمل وقلت فورًا
العينة مش هنا.
وليد بصلي.
إيه؟
العينة اللي ريحتها وحشة مش موجودة.
قال
متأكدة؟
أيوه.
الباحث فتح التلاجة.
مكان العينة كان فاضي.
وليد اتعصب.
فين العينة؟
الشابين بصوا لبعض.
كانت هنا امبارح.
بدأوا يدوروا.
مفيش.
راجعوا الكاميرات.
وفي الساعة 317 الفجر…
الكاميرا فصلت لمدة ست دقايق.
لما رجعت…
باب التلاجة كان مفتوح.
وعينة واحدة اختفت.
وليد اتصل بأمن الجامعة.
لكن قبل ما يعمل بلاغ رسمي، موبايله رن.
رقم مجهول.
رد.
وشه اتغير وهو بيسمع.
وقفل من غير ما يقول كلمة.
سألته
مين؟
قال
حد بيقول إن العينة معاه.
عايز إيه؟
بصلي.
ملفات البحث كلها.
هنا فهمت ليه وليد كان مخبي كل حاجة.
الموضوع مكانش مجرد بحث غريب.
حد عارف بالتجارب.
وحد مستعد يسرقها.
لكن المفاجأة حصلت بعد يومين.
العينة المسروقة ظهرت.
لقوها في مخزن قديم داخل الجامعة.
والعامل اللي دخل المخزن لقاها مرمية على الأرض.
مفيش حد جنبها.
مفيش أي حاجة مسروقة تانية.
كأن اللي خدها…
رجعها.
الأغرب إن الشخص المجهول مبعتش تاني.
قلت لوليد
يمكن خاف.
قال
أو اكتشف حاجة خلته مش عايزها.
الجملة فضلت في دماغي.
ليه واحد يسرق حاجة، يهدد عشان ياخد البحث كله، وبعدها بيومين يرميها؟
طلبت من وليد ياخدني للمخزن اللي لقوا فيه العينة.
رفض في الأول.
لكن أصريت.
أول ما دخلت…
شميت الريحة.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
قلت
فيه حاجة غلط.
وليد سأل
إيه؟
غمضت عيني.
حاولت أركز.
الريحة جاية من العينة.
لكن فيه ريحة تانية.
أضعف.
ماشية ناحية الباب.
خرجت للممر.
مشيت وراها.
وليد كان ماشي ورايا وهو مش فاهم.
نزلنا سلم.
عدينا من ممر جانبي.
لحد ما وقفت قدام مكتب.
بصيت للاسم المكتوب على الباب.
د. ماجد فؤاد
وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث.
وليد اتجمد.
قلت
الريحة داخلة هنا.
فتح الباب بمفتاح الطوارئ بعد ما استدعى الأمن.
دخلنا.
مفيش حد.
لكن أنا مشيت ناحية دولاب صغير.
هنا.
فتحوه.
لقينا جوانتي طبي وكيس بلاستيك.
وليد قرب منه.
وبصلي.
ده نفس نوع الأكياس اللي بنحط فيها العينات.
بدأت التحقيقات.
وطلع إن الدكتور ماجد كان عارف بالمشروع من بدايته.
وكان بيحاول يدخل شركة خاصة كممول للبحث من غير علم وليد.
ولما وليد رفض، قرر ياخد العينة والملفات ويعرضها بنفسه.
لكن ليه رجع العينة؟
الإجابة ظهرت لما واجهوه.
قال جملة غريبة
الحاجة دي مش طبيعية.
وليد سأله
إيه اللي حصل؟
ماجد رفض يتكلم.
لكن بعد ضغط طويل قال
حطيتها في عربيتي… وبعد ساعتين بدأت أحس بريحة.
بصيت لوليد.
ماجد كمل
في الأول بسيطة. بعدها زادت. رجعت العينة الجامعة ورميتها.
قلت
بس الناس العادية مش بتشم الريحة بالقوة دي.
ماجد بصلي.
وقال
أنا مش بتكلم عن ريحة العينة.
سكتنا.
قال
أنا بتكلم عن ريحتي أنا.
بعدها بدأت الحقيقة تظهر.
العينة مكانتش بتطلق مجرد رائحة.
المادة كانت بتتفاعل مع مركبات معينة موجودة على جلد الإنسان.
وفي حالات محددة، التفاعل ينتج عنه مركبات لها رائحة نفاذة جدًا.
لكن مش كل الناس بتقدر تشمها.
أنا كنت من الناس القليلة جدًا اللي تقدر تميزها من تركيز ضعيف.
والأغرب؟
نوع الريحة بيتغير حسب المركبات اللي لامستها المادة.
يعني بالنسبة لي…
كل شخص لمس العينة كان بيسيب بصمة ريحة.
وليد قال وهو متحمس
سارة… إنتِ كنتِ بتشمي أثر المادة عليا.
قلت
يعني إيه؟
كل يوم كنت بدخل المعمل، المادة بتسيب أثر مجهري على هدومي وجلدي. إحنا مش شايفينه وأجهزتنا مش بتلتقطه بسهولة… لكن إنتِ بتشميه.
الباحث قال
وده معناه إننا ممكن نطور حساس يشتغل بنفس المبدأ.
وليد سكت.
ثم قال
مش بس كده.
بصلي.
ممكن نستخدم المادة كعلامة تتبع.
هنا بدأت أفهم ليه شركات ممكن تهتم بيها.
مادة تترك أثرًا غير مرئي على أي شخص يلمسها.
أثر يستمر ساعات، وربما أيام.
ده مش مجرد بحث لمعالجة المخلفات.
ده ممكن يتحول لتكنولوجيا مختلفة تمامًا.
لكن المفاجأة الأخيرة حصلت لما كنت خارجة من المعمل.
عديت جنب الباحث الأصغر، عمر.
وفجأة وقفت.
بصيتله.
قال
فيه حاجة يا دكتورة؟
قربت منه.
وشميت نفس الريحة.
لكن أقوى من أي مرة قبل كده.
قلت
إنت لمست العينة النهارده؟
وشه اتغير.
لا.
وليد لف له.
عمر؟
قال بسرعة
والله ما قربتلها.
قلت
كداب.
المعمل سكت.
أشرت لجاكته.
الريحة طالعة منك أقوى من وليد نفسه.
عمر رجع خطوة.
وليد قال
افتح شنطتك.
يا دكتور…
افتحها.
رفض.
الأمن اتدخل.
فتحوا الشنطة.
مفيهاش عينة.
لكن كان فيها فلاشة.
ولما فتحوها…
لقينا نسخة كاملة من ملفات البحث.
وسجل مراسلات بين عمر والدكتور ماجد.
ساعتها ظهرت الحقيقة كاملة.
ماجد مكانش دخل المعمل بنفسه وسرق العينة.
عمر هو اللي عطّل الكاميرات وخدها وسلمهاله.
وبعد ما ماجد خاف من اللي حصل ورجعها، عمر فضل جوه الفريق عشان يعرف وليد وصل لإيه.
لو مكنتش بشم الأثر…
كان ممكن يكمل شهور من غير ما حد يشك فيه.
بعد التحقيق، الجامعة وقفت المشروع مؤقتًا.
واتعملت لجنة علمية مستقلة لمراجعته.
وليد اضطر يبلغ بكل حاجة.
أما ماجد وعمر، فتحولوا للتحقيق بسبب سرقة العينة والملفات ومحاولة تسريب بحث تابع للجامعة.
بعد حوالي شهر، كنت قاعدة مع وليد في البلكونة.
قرب مني.
وبمجرد ما قرب، بعدت وشي.
بصلي بصدمة.
إيه؟ لسه ريحتي وحشة؟
ضحكت.
آه.
قام واقف فورًا.
والله ما دخلت المعمل النهارده!
بصيتله وأنا بضحك.
بهزر يا وليد.
بصلي ثانيتين.
وبعدين رمى المخدة عليا.
لكن بعدها قعد جنبي وسكت.
وبعد شوية قال
تعرفي أكتر حاجة مخوفاني إيه؟
قلت
إيه؟
إننا لحد دلوقتي مش فاهمين ليه المادة دي اتغيرت بالطريقة دي.
قلت
ما قلتلي تلوث حصل في العينة.
هز راسه.
ده اللي كنا فاكرينه.
قلبي انقبض.
يعني إيه؟
طلع موبايله.
وفتح صورة تقرير.
اللجنة أعادت تحليل العينة الأصلية.
ناولني الموبايل.
طبعًا أنا مفهمتش معظم الأرقام.
قلت
عايز تقول إيه؟
قال
مفيش تلوث.
بصيتله.
أمال إيه اللي حصل؟
قال
المادة اتغيرت لوحدها.
ضحكت بتوتر.
يعني إيه لوحدها؟
يعني تحت ظروف معينة بدأت تنتج مركبات جديدة مكنتش موجودة في تصميمها الأصلي.
سكت شوية.
وبعدين كمل
وعشان كده قرروا يقفلوا المشروع تمامًا لحد ما نفهمها.
ارتحت شوية.
أحسن.
لكن وليد مكانش مرتاح.
كان باصص قدامه.
قلت
فيه إيه تاني؟
رد
قبل ما يقفلوا المعمل، أخدوا كل العينات وحطوها في وحدة تخزين خاصة.
تمام.
عدد العينات كان ستة.
أيوه؟
رفع عينه ليا.
لما اللجنة استلمتها…
سكت.
لقوهم سبعة.
حسيت جسمي برد.
قلت
يمكن حد غلط في العد.
راجعوا السجلات.
يمكن عينة قديمة.
راجعوها.
طيب السابعة جت منين؟
وليد هز راسه ببطء.
محدش عارف.
سكتنا.
وفجأة…
وصلت لمناخيري ريحة خفيفة.
نفس الريحة.
قمت من مكاني فورًا.
وليد بصلي.
مالك؟
مردتش.
مشيت ناحية باب البلكونة.
الريحة زادت.
دخلت الصالة.
وليد ورايا.
سارة؟
فضلت ماشية ورا الريحة لحد ما وصلت للطرقة.
وقفت قدام أوضة بنتنا مريم.
قلبي بدأ يدق بعنف.
فتحت الباب.
مريم مكانتش موجودة، كانت