انا متجوزة

أنا متجوزة في بيت عيلة في بلد في الأرياف، تاني يوم جواز أهلي جابولي فيه الصباحية، لقيت حمايا وأخوات جوزي البنات طلعوا بعد ما أهلي مشيوا، وحماتي دخلت قعدت وأخوات جوزي البنات دخلوا على المطبخ يدوروا فيه، ولقيتهم طالعين شايلين الحاجة اللي جابوهالي أهلي، وحماتي قالتلي: “ابقي انزلي أنتِ وجوزك عشان نأكل الحاجة دي مع بعض”. أنا دمي اتحرق ومبقيتش قادرة أتكلم، عديت الموضوع عشان منكدش يوم الصباحية، بس كنت هموت من الجوع ومفيش حاجة أكلها، وعاندت وقولت مش هنزل تحت وأنا لسة عروسة مكملتش يوم، قولت أقوم أطلع أي حاجة من الفريزر أعملها.. وهنا اتصدمت!
الفريزر اللي أبويا وأمي ماليينه لحوم وفراخ وحاجات كتير لقيته فاضي، بقيت هتجنن.. راح فين؟!
جريت على جوزي وأنا الدم بيغلي في عروقي وقولتله: “يعني أمك وأخواتك البنات طلعوا أخدوا حاجة الصباحية اللي جايبينهالي أهلي وسكت، لكن أفتح الفريزر عشان أطلع أي حاجة أعملها ألاقيه فاضي؟! يرضي مين ده؟ دي حاجتي اللي جايبهالي أبويا ليه تتاخد من غير إذني؟!”.
جوزي قعد يهديني ويقولي: “معلش أنا هتكلم مع أمي وأحلها بس أنتِ اهدى”.
قولتله: “طب إيه الحل؟ أنا جعانة وعايزة آكل”. قاللي: “يلا ننزل تحت نأكل معاهم”. قولتله: “مستحيل مش هنزل، أنا لسة عروسة مش كفاية أخدوا حاجتي؟!”. قاللي: “خلاص طلعي جبن من الثلاجة اللي في العلَب وسخني عيش وتعالي نأكل”.
قومت وروحت فتحت الثلاجة وطلعت علب الجبنة وبفتحها لقيتها فاضية، وهنا بقى كنت خلاص هيجيلي جلطة! ثلاجتي اللي كانت مليانة من كل حاجة بقت فاضية حتى الفاكهة أخدوها!
دمي كان بيغلي لدرجة إني حاسة بشرايين راسي هتنفجر. بصيت لجوزي اللي قاعد ببرود أعصاب مستفز، وكأنه مش مستوعب إن دي “صباحيتي”، وإن دي حاجتي اللي أهلي شقيانين فيها، مش مجرد أكل، دي كرامتي اللي بتتسحب مني حتة حتة في أول يوم ليا في بيتهم.
بصيتله بصة هزته، وقولت بنبرة مخنوقة: “أنت فاهم إيه اللي بيحصل؟ الثلاجة اللي لسه مليانة، مش بس الفريزر.. كل حاجة اتسرقت يا محمود! في حد فتح الثلاجة ولم كل حاجة حتى علبة الجبنة المقفولة أخدوها!”.
محمود قام وقف، مسح على وشه بتوتر وبدأ يروح ويجي في الأوضة، صوته كان واطي، مريب، زي ما يكون بيحاول يداري حاجة: “يا بنتي افهمي، أمي طبعها كده، بتحب اللمة.. أكيد أخدوهم يجهزوا الغدا لينا كلنا، متكبريش الموضوع عشان خاطري”.
“خاطر مين؟ ده بيت ولا شارع؟!” صرخت فيه وأنا مش قادرة أتحكم في أعصابي، وقولت: “أنا نازلة أواجههم، مش هسكت على حقي!”.
نزلت لقيت حماتي بتقولي: “حظكوا وحش ملحقتوش الأكل، استنينا كتير تنزلوا وأنتوا اتأخرتوا، روحنا كلنا عشان جعانين”.
أنا سمعت منها كده والدم غلي في عروقي أكتر، غصب عني لقيت نفسي بقولها: “كمان الأكل اللي جابهولي أبويا عشان أفطر بيه أنا وجوزي خلصتوه؟! طيب لو سمحتي يا حماتي أنا عايزة الحاجة اللي كانت في الفريزر والجبن اللي كانت في الثلاجة”.
حماتي بصتلي بقرف وقالت: “حاجة إيه يا معفنة اللي بتتكلمي عنها؟ هو اللي أنتوا جايبينه ده يتسمى حاجة؟!”.
غاظتني بتريقتها على الحاجة اللي جايبهالي أبويا بشقاه وتعبه، روحت رديت عليها وقولتلها: “ولما هي مش عاجباكي يا حماتي أخدتيها ليه؟!”.
راحت قالتلي: “أما أنتِ بت قليلة التربية، أنتِ بتردي عليا؟! أنا حرة يا بت المركوب أنتِ، ده بيت ابني أعمل فيه اللي أنا عايزاه”.
قولتلها: “أولاً أنا أبويا مش مركوب ومتغلطيش في أبويا تاني، والبيت ده مش بتاع ابنك لوحده ولا الحاجة اللي كانت فيه هو اللي جايبها بفلوسه”.
وكنت واقفة بتكلم عادي، ببص لقيت قلم نازل على وشي من أخته اللي قدّي وبتقولي: “كلمي أمي عدل!”.
محستش بنفسي غير وأنا بردلها القلم، وفي اللحظة دي اتلموا عليا أخوات جوزي البنات وأمه وادوني علقة، وجوزي مفكرش يحوش حتى! وياريتها وقفت على كده، ده اللي حصل بعد كده مكنتش أتخيل إنه ممكن يحصلي في حياتي ولا إن ده هيحصلي في صباحيتي!
الأخوات وأمهم مإكتفوش بالضرب، بل بدأوا في الصراخ والعويل عشان يجيبوا رجال العيلة في الدور الأرضي. دخل أبوه وعمه على صوت الصراخ، وشافوا محمود واقف عاجز مش بيعمل حاجة غير إنه بيبصلي بذهول وخوف من أمه.
صاحت حماتي وهي بتدعي البكاء: “شوفوا البت اللي لسة داخلة بيتنا امبارح، بتضرب بناتي وبترد عليا وتقول عليا كلام ما يصحش! دي جاية تقاوحنا في أكل وشرب وتقول حاجتي وثلاجتي!”.
التفت أبوه ليا ووشه يملأه الغضب، ومن غير ما يسمع كلمة واحدة مني، بص لمحمود وقال بصوت جهوري: “مرتك دي تتربى يا محمود، وإلا تروح لبيت أبوها يشوف علامها من أول وجديد، إحنا ما عندناش حريم ترفع صوتها على الكبار ولا تمد إيدها!”.
بصيت لمحمود وأنا ببكي بحرقة، مستنية منه كلمة حق، أو إنه يوضحله إنهم هما اللي بدأوا بضربي، لكنه نزل رأسه وقال بنبرة هشة: “حقكوا عليا يا جماعة، هي بس تعبانة ومكنتش فاهمة النظام.. اطلعي يا نيرمين على فوق!”.
رفضت إني أتحرك، ودموع القهر بتتحرق في وشي، وقلت بصوت مرتجف بس قوي: “مش هطلع.. أنا عايزة حاجتي اللي اتأخدت من شقتي، وعايزة كرامتي اللي اتهانت هنا، كلموا أبويا ييجي ياخدني!”.
ضحكت أخته اللي ضربتني وقالت باستهزاء: “أبوكي؟ خليه ييجي يشوف بنته المبذرية اللي بتتحامى في الأكل.. غوري على فوق!”.
صعدت إلى شقتي وأنا بجر أذيال الخيبة والمرارة، دخلت وغطيت وشي بملابس عرسي اللي تحولت لكابوس في ثواني. محمود طلع ورانيا بعد دقايق، وكان بيغلي من الغضب، بس غضبه مكنش عشاني، بل كان مني!
دخل الأوضة وصاح في وشي: “أنتِ اتجننتي؟! كيف تمدي إيدك على أختي وتردي على أمي؟ بوظتي الصباحية وخليتي منظري صُغير قدام أهلي كلهم! قولتلك هحل الموضوع، ليه تنزلي وتعملي الفضيحة دي؟!”.
بصيتله بذهول وقلت: “منظرك أنت؟ وأنا؟ اللي اتهانت واتضربت في أول يوم ليها؟ ثلاجتي وفريزري اللي أبويا دافع فيهم دم قلبه يفضوا وأقعد جعانة، ولما أتكلم أضرب وأنت واقف تتفرج؟ أنت مش راجل؟! Clean”.
كلمة “مش راجل” كانت كفيلة إنها تخليه يفقد صوابه تماماً. قرب مني وشدني من دراعي بقسوة وقال وعينيه بتطلع شرار: “أنا راجل غصب عنك وعن أهلك، وبما إنك مش عارفة طبع البيوت هنا، ومفكرة نفسك لسة في بيت أبوكي تدللي، يبقى لازم تعرفي مقامك كويس!”.
قام بسحب التليفون المحمول من إيدي بالعافية، وقَفَله وحطه في جيبه، وبعدين اتجه ناحية باب الشقة وخرج، وقبل ما أستوعب هو بيعمل إيه، سمعت صوت المفتاح وهو بيدور في قفل الباب من برة.
لقد قفل عليا الباب وحبسني جوة الشقة!
اترميت على الأرض وأنا بصرخ وبخبط على الباب بكل ما أوتيت من قوة، بس لا حياة لمن تنادي. مرت ساعات النهار وأنا حبيسة الجوع، العطش، والقهر، من غير تليفون ومن غير وسيلة تواصل مع العالم الخارجي، وأصوات ضحكاتهم واحتفالاتهم تحت واصلة لوداني كأنها خناجر بتطعين قلبي، وهما بياكلوا من أكل صباحيتي وبقايا خيري اللي اتسرق مني.
حل الليل وأنا ملقاة ورا الباب من التعب والبكاء، لحد ما سمعت صوت خطوات بتقرب، وصوت المفتاح بيدور في القفل مرة تانية… اتفتح الباب ودخل محمود، ومعه شخص تاني مكنتش متوقعة وجوده في الساعة دي وبالشكل ده…

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *