انا متجوزة
كان الشخص اللي داخل ورا محمود هو عمه الكبير، الشيخ عبد الرحمن، راجل معروف بصوته الجهوري وشخصيته الصارمة في العيلة. دخل وعينيه بتدور في الشقة، ونظراته ليا مكنتش شايلا أي نوع من التعاطف، بل كانت مليانة بنظرة اللوم والمعاتبة، وكأني أنا المجرمة اللي خربت استقرار البيت في ليلة وضحاها.
وقف محمود جنبه، ملامحه كانت مزيج من الانكسار قدام عمه والوعيد ليا. تنحنح الشيخ عبد الرحمن وقال بصوت خشن: “اقعدي يا نيرمين، واسمعي الكلمتين دول كويس، عشان مش هعيدهم تاني، والبيوت هنا ليها أصول وقوانين اللي يخرج عنها ملوش مكان وسطنا.”
جلست على طرف الكرسي وجسمي بيرتجف من التعب والجوع، ودموعي جفت ولم يعد في عيني دموع لأبكيها. قلت بصوت مبحوح: “أصول؟ هو من الأصول إن حاجتي تتسرق وأتحبس في شقتي من غير أكل ولا شرب ويمدوا إيدهم عليا؟”
قاطعني عمه برفع إيده بخشونة وقال: “حسي على كلامك! مفيش حاجة اسمها حاجتك وحاجتي هنا. إحنا هنا بيت عيلة، يعني الكبير والصغير بياكل من صحن واحد، وأم محمود هي صاحبة البيت والشورى الأولى والأخيرة، تفتح ثلاجة، تاخد أكل، تعمل اللي هي عايزاه ومحدش يحاسبها. اللي عملتيه تحت ده قلة أدب وعيبة في حق أبوكي قبل ما تكون في حقك، تمدي إيدك على أخت جوزك؟ وتردي على حماتك؟”
نظرت لمحمود وقلت بقهر: “وأنت؟ مقولتلوش إنهم هما اللي بدأوا؟ مقولتلوش إن أختك هي اللي ضربتني الأول بالقلم على وشي؟”
محمود منطقش، بص للأرض وفضل ساكت زي الصنم، ليتابع عمه الكلام: “محمود راجل وابن أصول وميرضاش بالغالطة، وهو اللي جالي عشان نلم الموضوع قبل ما يوصل لأبوكي وتصغروا في نظره. إحنا قفلنا عليكي الباب عشان نهدّي النفوس وتحسي بغلطتك. ودلوقتي، الموضوع ده هيتقفل هنا، وتنزلي بكرة الصبح تبوسي على إيد حماتك وتعتذري لأخت جوزك، ورجلك متخطيش برة البيت ده ولا تكلمي أهلك في أي حاجة من اللي حصلت، وإلا واليمين بالله يا نيرمين، لتباتي في بيت أبوكي مطلقة في تاني يوم جوازك، والناس ملهومش غير الظاهر وهيقولوا العيب في العروسة!”
شعرت وكأن الجدران بتضيق عليا، التهديد بالطلاق والفضيحة في الأرياف كأنه حكم بالإعدام، خصوصاً وأنا لسة عروسة في يومي التاني. بصلي عمه بحدة يستنى إجابتي، فالتزمت الصمت، معتبرين صمتي انكسار قدامهم. تنهد عمه وقال لمحمود: “صالح مرتك يا ابني، وخليها تعقل، وبكرة الصبح تنزل تنفذ اللي قولنا عليه.”
خرج عمه وقفل محمود الباب وراه، بس المرة دي مقفلوش بالمفتاح. التفت ليا ورمى تليفوني على السرير وقال بنبرة باردة: “آهو تليفونك معاكي، وأظن سمعتي كلام عمي، ده كلام رجالة العيلة كلها، لو فكرتي تتصلي بأبوكي وتعملي مشاكل، اعتبري نفسك طالق، وأنا مش هخسر أهلي عشانك من أول يوم.”
سابني ودخل أوضة النوم ونام ببرود شديد، وكأن مفيش حاجة حصلت. قعدت في الصالة لوحدي، جسمي بيئن من الألم والجوع، وساعاتي بتمر كأنها سنين. مسكت تليفوني، كانت الساعة عدت الواحدة بعد نص الليل، فتحت التليفون وكانت إيدي بترتعش، هل أتصل بأبويا؟ أبويا اللي دفع كل ما يملك عشان يسترني ويرفع رأسي؟ لو اتصلت بيه في الوقت ده هيموت من القلق، ولو أخته باللي حصل ممكن ييجي وتحدث مجزرة بين العيلتين.
قررت الانتظار لحد الصبح، حاولت آكل أي كسر عيش ناشف لقيته في المطبخ عشان أسد جوعي الكافر، ونمت على الكنبة في الصالة وهدومي ممزقة وقلبي مليان سواد وغل.
مع أذان الفجر، صحيت على صوت حركة غريبة في المطبخ. قمت بخطوات بطيئة، وظننت إن محمود قام يعمل حاجة، بس اتفاجأت بالباب الخارجي للشقة مفتوح بالكامل! قربت بحذر، لأجد حماتي واقفة في وسط مطبخي، ومعاها أخت محمود الصغرى، وكانوا بينزلوا الأواني والحلل الجديدة اللي اشتراها أبويا في جهازي، وبيحطوها في كرتونة كبيرة!
وقفت مذهولة، مبقيتش حاسة بالخوف، بل تملكني جنون تام. قلت بصوت مرتعش من الغضب: “أنتِ بتعملي إيه هنا؟ وبتسرقي حاجتي تاني ليه على الفجر؟”
التفتت ليا حماتي وعلى وشها ابتسامة خبيثة ومستفزة، وقالت ببرود: “أنا مابسرقش يا بت، أنا باخد الحلل دي عشان عندي عزومة تحت بكرة وهنطبخ فيها، وبعدين مش عمك عبد الرحمن قالك مفيش حاجة اسمها حاجتك؟ كل اللي هنا بتاع ابني، يعني بتاع. غوري اجهزي يلا عشان تنزلي تحضري الفطور وتعملي اللي قاله عمك، وإلا محمود مستني الكلمة عشان يرميكي برة.”
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة انهارت، كرامتي، جهازي، شقا أبويا، وعريسي اللي نايم جوة ومبيلفتش. دخلت الأوضة، ومسكت تليفوني، ومترددتش لثانية واحدة. اتصلت بأبويا، وبمجرد ما فتح الخط وسمعت صوته الحنون بيقول: “صباح الخير يا عروسة، عاملة إيه يا بنتي؟”، انفجرت في البكاء بهستيرية وصراخ هز أركان الشقة: “الحقني يا بابا… تعال خدني من هنا.. هيموتوني وحاجتي بتتسرق… الحقني يا بابا!”
صوتي العالي صحّى محمود اللي قفز من السرير مذعور وحاول يسحب التليفون مني، بس أنا جريت ناحية البلكونة وأنا بصرخ في التليفون لأبويا بكل اللي حصل في دقيقة واحدة. قفل أبويا الخط وهو بيصرخ بغضب معهدتوش فيه قبل كده: “مسافة الطريق وهكون عندك يا بنتي، واللي هيمس شعرة منك هطير رقبته!”
قفل محمود الباب بقوة وشدني من شعري جوة الصالة وهو بيصرخ: “أنتِ اتصلتي بأبوكي؟ عملتيها يا نيرمين؟ وربي في سماه ما هتقعدي فيها دقيقة، أنتِ طالق.. طالق.. طالق!”
سقطت الكلمة عليا كالصاعقة، بس كانت مصحوبة بشعور غريب بالراحة. في الأثناء دي، نزلت حماتي وبناتها مسرعين للأسفل عشان يبلغوا حمايا ورجالة العيلة إن أبو نيرمين جاي ومعاه مشاكل.
مرت ساعة كاملة، كانت أصعب ساعة في حياتي، محمود بيجمع هدومي ويرميها في شنطة باستهزاء، وحماتي تحت بتجمع رجالة العزبة عشان يكونوا في استقبال أبويا كنوع من التهديد واستعراض القوة.
وفجأة، سمعنا صوت كلاكيت عربيات عالي جداً وصراخ في الشارع… بصيت من البلكونة، واتصدمت من اللي شفته، مكنش أبويا لوحده، بل كان المشهد مرعب…
كان المشهد في الشارع شبه بداية معركة حامية الوطيس، مكنش أبويا لوحده زي ما افتكروا، بل جه ومعاه ثلاث عربيات ربع نقل مليانة رجالة عيلتي، أعمامي وأبناء عمومتي، وجوههم بتقطر غضب، ونزلوا من العربيات دفعة واحدة تتقدمهم هيبة أبويا اللي مشفتهاش بالشكل ده أبدًا. كان ماسك في إيده عصايا غليظة، وعينيه بتدور على مدخل البيت وعلى بنته.
تجمع رجالة عيلة محمود في مدخل البيت بسرعة، وخرج حمايا وعمه عبد الرحمن ومعاهم عدد من شباب العزبة عشان يقفوا حائل، ظناً منهم إنهم يقدروا يرهبوا أبويا ويستعرضوا القوة عليه في عقر دارهم.
صاح حمايا بصوت عالٍ بيحاول يوقف أبويا: “جرى إيه يا حاج أحمد؟ داخل علينا بجيشك كده ليه في صباحية بنتك؟ دي الأصول برضه؟”
وقف أبويا قدامه مباشرة، وضغط على عصايته بقوة وقال بصوت زلزل الشارع: “أصول؟ أنتم تعرفوا إيه عن الأصول؟ أنا جيت آخد بنتي اللي اتهانت وانضربت واتجوعت في تاني يوم جوازها! جيت آخد شقا عمري اللي دخلتوه بيتكوا عشان يتسرق ويتنهب من أول ليلة! وسّع من طريقي يا أبو محمود عشان قسماً بالله اللي هيقف قدامي مش هرحمه!”
فوق، كان محمود واقف في الشقة بيرتجف ورا الستارة وهو شايف الجموع تحت، والتفت ليا وقال بصوت متحشرج مليان خوف وندم مفاجئ: “شايفة؟ أبوكي جاي يعمل مجزرة في البلد! عاجبك الفضيحة دي؟ اطلعي قولي ليهم مفيش حاجة وأنك كنتي زعلانة وخلاص!”
بصيتله باحتقار شديد وقلت وأنا بجمع بقايا كرامتي: “أنت طلقتني يا محمود.. طلقتني تلاتة، وخلاص مبقاش ليك كلمة عليا، والرجالة اللي تحت دي جاية تاخد حق البنت اللي وقفت تتفرج عليها وهي بتنضرب من أمك وأختك.”
حاول يجري ناحيتي عشان يمسكني ويمنعني من النزول، بس أنا سبقت وركضت ناحية السلم، ونزلت والدموع بتنزل من عيني، بس مكنتش دموع انكسار، بل كانت دموع الخلاص. نزلت وأنا شايفة حماتي وبناتها واقفات ورا باب الدور الأرضي بيراقبوا المشهد برعب، بعد ما طارت الشجاعة الزايفة اللي كانت عندهم لما كانوا بيستفردوا بيا لوحدي.
بمجرد ما شافني أبويا نازلة من على السلم، وهدومي مبهدلة ووشي شايل أثر القهر، اتخطى حمايا وعمه زي الإعصار، وشدني ورا ظهره، وبص لأعمامي وقال: “خدوا نيرمين على العربية يا رجالة.”
صاح عمه عبد الرحمن بيحاول يتدخل: “يا حاج أحمد استهدى بالله، الموضوع موضوع حريم وبيتلم، والبت غلطت في حماتها و…”
قاطعه عمي الكبير بصوت هادر: “حريم إيه اللي تمد إيدها على عروسة في صباحيتها؟ وتسرقوا أكلها وجهازها؟ أنتم فاكرينا ملناش ضهر ولا إيه؟ البت هتمشي معانا، وحقها وحق شقا أبوها هناخده تالت ومتلت بالقانون وبشرع ربنا!”
في اللحظة دي، نزل محمود مسرع، بيحاول يظهر بمظهر الراجل قدام أهل بلده وقدام أبويا، وقال بصوت مرتجف: “يا عمي أحمد، نيرمين مراتي ومينفعش تمشي من بيتها كدة!”
التفت ليه أبويا، وبصقة من القهر والاشمئزاز خرجت من بقه وهو بيقول: “أنت بالذات متنطقش ولا كلمة، أنت طلعت مش راجل، ولا صنت الأمانة اللي اؤتمنتك عليها، ووقفت تتفرج على مرتك وهي بتهان وتضرب.”
صرخت من ورا أبويا وقلت: “يا بابا ده طلقني! طلقني تلاتة فوق في الشقة وقال ومستعد يرميني برة!”
وقع الكلمة على حمايا وعمه كان كالصاعقة، التفت حمايا لمحمود وضربه على صدره بقوة وقال: “طلقتها يا مقصوف الرقبة؟ طلقتها في صباحيتها؟”
ساد الصمت والوجوم على وجوه رجالة عيلة محمود، ففي أعراف الأرياف، طلاق العروسة في صباحيتها من غير سبب قاهر هو عار وخزي يلحق بالعيلة كلها ويخليهم أضحوكة بين القرى، فضلاً عن ثقل الأحمال القانونية والمادية اللي هتترتب على ده من مؤخر وقائمة منقولات كاملة.
مسكني عمي وأركبني في العربية، بينما وقف أبويا يوجه كلماته الأخيرة لحمايا وعمه ولجميع الحاضرين في الشارع: “بنتي طلقتوها، وحقها هيجيلها لحد عندها، وجهازها والحلل اللي بتطبخوا فيها عزومتكم هتيجي قوة تاخدها بالمليم، واليوم اللي افتريتوا فيه على بنتي هتدفعوا ثمنه غالي أوي.”
تحركت عربياتنا، وأنا ببص من شباك العربية للبيت اللي دخلته امبارح بالزغاريد والورد، وبخرج منه النهاردة مطلقة ومضروبة، بس كنت حاسة بنوع من القوة لأن ظهري وسندي مخدلونيش.
وصلنا لبيت أبويا، وارتميت في حضن أمي اللي كانت بتبكي بحرقة وبتصرخ وهي شايفه حالتي واللي وصل ليه وشي وجسمي من كدمات. دخلت أوضتي القديمة، الأوضة اللي سبتها من يومين بس، ونمت من شدة التعب والإنهاك، ومصحيتش إلا في المساء على صوت ضجة كبيرة تانية في صالون بيتنا…
فتحت الباب ببطء واستمعت للأصوات، ليتضح إن فيه وفد كبير وصل بيتنا، ومكنش الوفد بيضم عيلة محمود بس، بل جُم ومعاهم كبار مشايخ وعُمد القرى المجاورة في “جلسة حق عرب” بيحاولوا يتوسلوا لأبويا عشان يقفل الموضوع، بس المفاجأة الصادمة كانت في الشروط اللي حطها أبويا، وفي المؤامرة الجديدة اللي كان محمود وأمه بيخططوا ليها في اللحظة دي بالذات عشان يستولوا على قائمة المنقولات…يتبع للجزء الثاني والاخير