طول عمرى راجل

ابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة وراقية، وقالت بصوت هادي ورزين يقطع النفس: “أهلاً.. أستاذ طارق، مش كده؟ فرصة سعيدة، عن إذنك عشان متأخرة على لقاء صحفي”.
سابتني ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة، وسابت ريحة عطرها اللي بتشبه ريحة الورد.. بس دي كانت ريحة وردة عاشت وازدهرت بعد ما الشوك اتشال من طريقها.
وقفت مكاني مسمر وسط الناس، ببص في الفراغ ودموعي نازلة لأول مرة في حياتي بقهرة عاجزة. بصيت لسارة اللي جاية تتخانق ورايا علشان سيبتها لوحدها وبصيت لنور وهي بتكبر وبتلمع بعيد.. وعرفت وقتها إن المرض الحقيقي مكنش في بصيلات شعر نور، المرض كان في قلبي وروحي التافهة اللي فضلت القشرة وخسرت الماسة اللي مش هتتعوض.
كنت راجل فاكر نفسه كامل، ورجعت البيت الليلة دي وأنا عارف ومتأكد.. إني مكنتش أكتر من راجل أعمى، رمى تاجه بإيده في التراب.
الليلة دي كانت أطول ليلة مرت عليا في حياتي. رجعت البيت وسارة صوتها مبيبطّلش زن وخناق في العربية، بتلومني إني سبتها لوحدها وبتحاسبني على كل نظرة بصيتها لنور. كنت سايق زي الآلة، وداني مسدودة عن كل كلمة بتقولها، ومش شايف قدامي غير لمعة الطرحة الحرير على راس نور وابتسامتها الباردة اللي مسحتني بيها من الوجود.
أول ما دخلنا، قفلت ورايا باب الشقة، وبصيت لسارة وهي بترمى شنطتها بإهمال وبتقف قدام المراية تظبط شعرها وتبص لنفسها بنرجسية. لقيت نفسي بقف وراها، نفس الوقفة اللي كنت بقفها لنور زمان، بس المرة دي مكنش في قلبي غير إحساس بالقرف.. القرف من نفسي ومن الاختيار اللي عملته.
قربت منها وبهدوء غريب مرعب قولت: “سارة.. إحنا مينفعش نكمل مع بعض”.
لفتلي بسرعة، شعرها اللي كنت هموت عليه طار مع حركتها، بس مكنش له أي بريق في عيني، صرخت بصوت عالي: “أنت اتجننت يا طارق؟! عشان مين؟ عشان الست اللي كانت متغطية دي؟! أنت ناسي أنا مين والناس بتبصلنا إزاي؟!”

ابتسمت بسخرية ومرارة، وقلت لها: “أنا عمري ما كنت مجنون غير لما افتكرت إن الست مجرد خصلتين شعر وشوية برستيج قدام الناس.. أنتي طالق يا سارة”.
المرة دي نطقت كلمة الطلاق مش عشان أهرب، نطقتها وأنا بتعاقب، كأني بدفع تمن الكلمة نفسها اللي رميتها في وش نور من غير رحمة. سارة اتصدمت، قلبت الدنيا صريخ وشتيمة، وأول ما حست إني جاد، كان كل همها المؤخر وحقوقها والدهب. مفيش دمعة واحدة نزلت من عينها عليا، مفيش حتى عتاب حقيقي على العشرة؛ كانت صفقة وانتهت، وأنا كنت الشاري الغبي اللي دفع كل اللي وراه وقدامه في بضاعة فالصو.
تاني يوم الصبح، كانت سارة مكلمة أهلها ولمّت كل مليم وكل قطعة دهب ومشيت. وقفت في نفس الصالة، بس المرة دي مكنش في ارتياح، كان في فراغ مخرّب، ووحشة تهد جبال. البيت كان واسع وبارد، ريحة نور كانت لسه بتطاردني في كل ركن؛ مكان ما كانت بتقعد، ضحكتها وهي بتعملي فنجان القهوة، خوفها عليا لما كنت أتأخر.. كل تفصيلة داست عليها بجزمتي زمان رجعت تدوس على روحي وتكتم نفسي.
مرت أسابيع وأنا عايش في عزلة تامة، خسرت شغلي وتركيزي، وبقى هاجسي الوحيد هو نور. بدأت أتابع أخبار شركتها على السوشيال ميديا ومن بعيد لبعيد؛ لقيتها بتكبر، بتعمل معارض، وبتتبرع بجزء كبير من أرباحها لمؤسسات دعم مرضى الثعلبة والمناعة الذاتية، ومصممة خط لفات حجاب وتوربانات سواريه للستات اللي بيمروا بنفس الأزمة، بتديهم أمل وثقة إن جمالهم مش مربوط بشعراية تقع. كانت بتبني حياة، وأنا كنت بتهد.
لحد ما جه يوم مقدرتش أستحمل، وقررت أروح مكتبها. قعدت ساعتين مستنيها تحت في العربية لحد ما شوفتها نازلة، لابسة بدلة بيضا وطرحة ملونة تفيض شياكة، وماشية بخطوة واثقة وسط فريق عملها. استنيت لما ركبت عربيتها ولوحدها، وقربت من الشباك وخبطت بالراحة.
نزلت الإزاز وبصتلي، نفس النظرة الهادية اللي تخلع القلب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *