طول عمرى راجل

الكلمة نزلت عليها زي السم. بصت لي بدموع محبوسة وقالت بصوت بيرتجف: “يعني مكسوف مني قدام أهلك يا طارق؟ المرض ده مش بإيدي، هو أنا مبقتش أملى عينك خلاص؟”
وفقدت أعصابي وصرخت فيها: “أيوة! أنا متجوزتش واحدة عشان أداري فيها طول الوقت، أنا راجل بحب المظاهر المريحة وأنتي مبقتيش كده!”
سكتت نور فجأة، واتحولت دموعها لبرود غريب يقطع الأنفاس. قلعت التوربان بهدوء، وبصت لي بجمود وقالت: “طلقني يا طارق.. دلوقتي”.
الكلمة كانت بالنسبالي مهرب مثالي يخلّصني من الذنب. رديت فوراً وبدون تردد: “أنتي طالق”.
تاني يوم الصبح، لمّت كل حاجتها ومشيت في هدوء من غير ما تبص وراها حتى بصه واحدة. بعد ما قفلت الباب، حسيت بارتياح بارد؛ حسيت إني تخلصت من عبء تقيل ورجعت لحياتي الحرة والمثالية. ورجعت ادور على واحده تانيه يكون فيها مواصفاتى وفعلاً اقيتها واتجوزنا لكن اللى حصل بعد كده كانت المفاجأة اللى غيرت كل حاجه
لقيتها.. “سارة”. كانت نسخة طبق الأصل من الصورة اللي في خيالي؛ ملامح مرسومة بالمسطرة، وشعر كستنائي تقيل وناعم يغطي ضهرها ويفيض بأنوثة تخطف العين. مخدتش وقت، اتقدمت وكتبنا الكتاب وعملت لها فرح أسطوري، كنت داخل بيه القاعة وأنا رافع راسي، بفرّج الناس كلها على انتصاري، وإن طارق ميرضاش بغير القمة.
الأيام الأولى كانت كلها مظاهر واستعراض. كنت بشتريلها أغلى الفساتين وأعزم أصحابي في البيت عشان أسمع كلمة “يا بختك”، وأشوف نظرات الإعجاب اللي كانت بتغذي غروري المريض. لكن مع الوقت، بدأت القشرة اللامعة تتشقق، وبانت الحقيقة اللي كنت عامي عيني عنها؛ سارة كانت روح فارغة، شخصية باردة وأنانيتها تفوق الوصف. البيت بالنسبة لها كان مجرد استوديو تصوير، وأنا مكنتش أكتر من وسيلة تمويل لفسحها وطلباتها اللي مبتخلصش. مفيش كلمة دافية، مفيش اهتمام حقيقي، ومفيش غير تذمر مستمر لو نقص مليم من طلباتها.

في ليلة من الليالي، رجعت من الشغل متأخر ومهدود، تعبان وعندي بداية نزلة برد شديدة خلتني مش قادر أقف على رجلي. دخلت الأوضة لقيتها قاعدة قدام المراية، بتسرح شعرها بنفس الطريقة اللي كانت نور بتعملها زمان، بس من غير ريحة الورد، من غير الروح، ومن غير الدفا. قربت منها وقولت بضعف: “سارة.. أنا تعبان جداً، ممكن تعمليلي حاجة دافية وتساعديني أغير هدومي؟”
لفتلي ببرود ونظرة اشمئزاز قت/لتني مكانها، وقالت بنبرة جافة: “طارق، أنت عارف إن ورايا إيفنت الصبح مهم جداً ومش ناقصة عدوى عشان شكلي ميبوظش، نام على الكنبة في الصالون النهاردة واطلب دليفري أي حاجة تشربها”.
نزلت الكلمة زي المطرقة على دماغي. طلعت برة الأوضة وجريت على الصالون، قعدت في الضلمة وأنا بترجف من الحمى ومن القهرة. شريط حياتي مع نور مر قدام عيني كأنه بيتحاكم قدامي؛ افتكرت نور لما كنت أعطس بس، كانت تقلب الدنيا، تسهر طول الليل كمادات وشوربة ودموعها في عينها من خضتها عليا. نور اللي كانت شايلاني في عيونها ومكتفية بيا، وأنا دست على قلبها وطردتها عشان شوية شعر!
عدت شهور، وحياتي مع سارة اتحولت لخناقات متواصلة، الغرور اتبخر ومبقاش وراه غير الندم اللي بياكل في عظامي ليل نهار. لحد ما جه اليوم اللي قلب الموازين كلها وكسر ضهري بجد.
كنت معزوم في مؤتمر لرجال الأعمال في فندق كبير على النيل، واخدت سارة بالعافية عشان منظرنا قدام الناس. وإحنا واقفين وسط الناس بنمثل الابتسامة، دخل وفد من شركة تصميمات هندسية كبيرة أخدت رعاية الحدث. عيني راحت تلقائياً للمسرح لما نادوا اسم صاحبة التوكيل عشان تكرمها الإدارة.
“المهندسة.. نور المهدي”.
اتسمرت مكاني وكأن الكهربا مشيت في جسمي. الكاس كان هيقع من إيدي وأنا بشوفها طالعة المسرح.
كانت نور.. بس مش نور المكسورة اللي سبتها زمان. كانت آية في الجمال والوقار؛ لابسة فستان سواريه محتشم وواسع بمنتهى الشياكة، ولابسة حجاب حرير لافاه بأناقة ورقي ملوش مثيل، مبرز ملامح وشها الصافية وعيونها اللي بتلمع بنجاح وثقة وقوة عمري ما شوفتها فيها. الطرحة كانت على راسها زي التاج الملكي، عاطياها هيبة ونور حقيقي خطف أنفاس القاعة كلها، من غير ما تحتاج تثبت أي حاجة لأي حد. القاعة سكتت للحظة وبعدين انفجرت بتصفيق حاد ومستمر.
استلمت الجايزة، ونزلت وسط إعجاب وتهافت من كل رجال الأعمال عشان يسلموا عليها ويتمنوا يشتغلوا معاها.
وقفت زي المشلول، وسارة جنبي بتقول بغيرة وتوتر: “مين دي اللي واخدة الجو دي كلها؟!” مكنتش سامعها، سبتها ومشيت وسط الزحام كأني مسحور، ورجلي بتسحبني لنور غصب عني.
قربت منها، وقلبي بيدق في وداني زي الطبول. وقفت قدامها وصوتي طالع مخنوق ومكسور: “نـ.. نور؟”
لفتلي بهدوء شديد. نظرات عيونها كانت هادية وباردة زي تلج القطبين؛ مفيش فيها غضب، مفيش لوم، والأسوأ من كل ده.. مفيش فيها حتى نظرة عتاب! كانت بتبصلي كأنها بتبص لكرسي أو طفاية سجاير في الصالة.. كأني نكرة تماماً وشخص غريب ملوش وجود في ماضيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *