يوم ما روحت

نفسها فقيرة عمدًا يبقى السؤال هنا ليه؟ وإيه اللي عايزاه منك؟
سكتوا كام ثانية.
وبعدين سمعت أحمد بيقول
هي عايزة مني إيه معرفش، بس اللي أعرفه إن معاملتها ليا حقيقية.
أمه مسكتتش، فكمّل
يوم المطر الشديد، ركبت السكوتر 40 دقيقة وجتلي المدرسة مخصوص عشان تجيبلي جاكيت ومظلة.
وبعدين قال
ولما سخنت في نص الليل، فضلت تلف على الصيدليات عشان تلاقي واحدة فاتحة وتجيبلي دوا. والصيدلي سألها عايزة أنهي نوع، قالتله هات أحسن نوع عندك، من غير حتى ما تسأل عن السعر.
صوته اتغير وهو بيقول
يا ماما، بنت مرتبها 6800 جنيه ومستعدة تدفع في علاجي من غير ما تبص للسعر إنتِ شايفاها نصابة فعلًا؟
مدام نوال مسكتت.
وأنا رجعت بهدوء ودخلت الحمام.
قفلت الباب.
وقفت قدام المراية فترة طويلة.
الست دي مش بسيطة.
أنا قابلت ناس كتير جدًا في حياتي.
أغنياء.
فقراء.
ناس أغنياء بيعملوا نفسهم فقراء.
وناس مديونة وبتعمل نفسها مليونيرات.
لكن مدام نوال كانت أول إنسانة تقعد معايا على سفرة واحدة، وفي أقل من ساعة، تعرف إن في حاجة مش راكبة في حكايتي.
غسلت وشي بالمية.
وخرجت.
رجعت كملت أكلي كأنني مسمعتش حاجة.
مدام نوال كانت زي ما هي.
لا بقت باردة معايا، ولا فجأة بقت لطيفة زيادة.
بعد ما خلصنا، أحمد دخل المطبخ يساعد في غسيل المواعين.
ومدام نوال قعدت قصادي.
صبت لنفسها كوباية شاي.
وبعدين صبتلي واحدة.
وقالت
مريم، إنتِ منين أصلًا؟
قلت
من المنوفية يا طنط.
قالت
أهلك موجودين؟
قلت
أيوه. بابا بيشتغل عامل بناء، وماما عايشة في البلد وبتشتغل في الأرض.
وده كان حقيقي.
بعد ما بقي معايا فلوس، حاولت كتير أجيب بابا وماما يعيشوا معايا في المدينة.
رفضوا.
قالولي إنهم مش مرتاحين غير في بلدهم.
مدام نوال هزت راسها.
وسألتني
بتشتغلي إيه دلوقتي؟
قلت
مبرمجة في شركة تكنولوجيا.
وده برضه حقيقي.
بعد ما بعت حقوق النظام اللي طورته، قعدت فترة من غير شغل.
لكن زهقت من القعدة، فروحت اشتغلت وظيفة برمجة عادية.
ومرتبي فيها فعلًا 6800 جنيه.
سألتني
عندك شقة ملك؟
قلت
لأ.
عربية؟
ابتسمت وقلت
عندي السكوتر اللي جيت بيه.
معاكي تحويشة؟
قلت
مبلغ بسيط مش كتير.
بصتلي مدام نوال في عيني حوالي 5 ثواني.
الخمس ثواني دول كانوا أصعب عليا من اجتماعات قدمت فيها مشروعي قدام مستثمرين ومديرين شركات.
وبعدين قالت
هسألك سؤال أخير يا مريم.
قلت
اتفضلي.
قالت
إنتِ شايفة ابني حلو في إيه؟
جاوبت من غير ما أفكر
لما بيضحك، بحس إن ابتسامته دافية وصادقة.
مدام نوال اتفاجئت.
واضح إنها مكنتش متوقعة الإجابة دي.
رفعت كوباية الشاي وشربت رشفة.
ومسألتنيش أي سؤال تاني.
بعد شوية أحمد خرج من المطبخ.
بص لأمه.
وبعدين بصلي.
وكان واضح على وشه إنه قلقان.
مدام نوال قامت من مكانها وحطت الكوباية على الترابيزة وقالت
الأسبوع الجاي تعالي كلي معانا تاني.
وبعدها دخلت أوضتها وقفلت الباب.
وأحمد وهو بيوصلني تحت العمارة، فضل يعتذرلي
معلش يا مريم، ماما طبيعتها كده. متزعليش منها.
قلت
ولا يهمك.
قال بسرعة
وبعدين هي أصلًا شكلها ارتاحتلك. صدقيني، لو مكانتش عجباها القعدة معاكي، عمرها ما كانت قالتلك تعالي الأسبوع الجاي.
ضحكت.
هل مدام نوال قبلتني فعلًا ولا لأ؟
معرفش.
لكن الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها إن الست دي كبرت جدًا في نظري.
ركبت السكوتر ومشيت.
الهوا كان بيحرك شعري، وأنا طول الطريق دماغي مشغولة.
لأول مرة، فكرت بجد
طب ما أقولهم الحقيقة؟
أقول لأحمد وأمه إن مريم اللي فاكرين مرتبها 6800 جنيه بس عندها في حساباتها حوالي 80 مليون جنيه؟
لكن في الآخر قررت لأ.
مش دلوقتي.
لأني لسه موصلتش للإجابة اللي بدور عليها.
كنت عايزة أعرف
هل أحمد فعلًا مستعد يعيش بقية عمره مع بنت مرتبها 6800 جنيه؟
وهل مدام نوال مستعدة تقبل كنة فقيرة لابنها؟
وصلت البيت.
فتحت الموبايل.
لقيت رسالة من أحمد
ماما بتقولك الأسبوع الجاي وإنتِ جاية هاتي معاكي شوية حاجات من بلدكم نفسها تدوق حاجة من أكل بلدكم.
ابتسمت وكتبت
حاضر.
لكن بعدها بثواني
الموبايل نور تاني.
وصلت رسالة جديدة من أحمد.
فتحت رسالة أحمد.
وكان مكتوب فيها
على فكرة ماما قالتلي أقولك حاجة غريبة شوية.
فضلت باصة للشاشة.
وبعد ثواني وصلت رسالة تانية
قالتلي قول لمريم المرة الجاية متجيش بالسكوتر.
اتعقدت حواجبي.
وقبل ما ألحق أسأله ليه، بعت
بتقول إن الطريق بعيد ومتعب، وهي مش عايزاكي تتعبي نفسك.
ابتسمت غصب عني.
لكن بعدها ظهرت آخر رسالة.
والابتسامة اختفت من على وشي فورًا.
وبتقولك كمان العربية اللي مركونة في جراج العمارة عندك أأمن.
إيدي اتجمدت على الموبايل.
فضلت باصة للكلام كأني مش فاهمة معناه.
العربية؟
أي عربية؟
أنا عمري ما قلت لأحمد إن عندي عربية.
ولا حتى مرة واحدة.
بالعكس، طول فترة معرفتنا، كنت بروح وأجي بالسكوتر قدامه.
والعربية اللي مدام نوال بتتكلم عنها فعلًا موجودة.
عربية اشتريتها من سنتين، وركنتها في جراج خاص قريب من البيت، وبستخدمها بس في السفر أو المشاوير البعيدة.
وأحمد عمره ما شافها.
كتبت بسرعة
مامتك عرفت منين إن عندي عربية؟
العلامتين ظهروا إن أحمد قرأ الرسالة.
اختفوا.
رجعوا تاني.
وبعدين اختفوا.
فضل حوالي دقيقة كاملة من غير ما يرد.
وفي الآخر كتب
أنا سألتها نفس السؤال.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قالتلك إيه؟
رد بعدها بثواني
ضحكت.
وقالتلي لما تيجي الأسبوع الجاي هقولها بنفسي.
قعدت على طرف السرير.
لأول مرة من ساعة ما بدأت الاختبار ده، حسيت إني مش أنا اللي باختبرهم.
يمكن مدام نوال هي اللي كانت بتختبرني من البداية.
بصيت ناحية الشباك.
السكوتر بتاعي كان مربوط تحت العمارة زي كل يوم.
والعربية فعلًا موجودة في الجراج اللي على بعد شارعين.
لكن محدش يعرف إنها بتاعتي غير صاحب الجراج، وأهلي، ومحامي الشركة اللي خلص إجراءات شرائها.
رجعت فتحت المحادثة.
كنت هكتب لأحمد
مامتك بتشتغل إيه بالظبط؟
لكن مسحت السؤال.
وقلت لنفسي
الأسبوع الجاي هعرف.
لكن قبل ما أقفل الموبايل، جتلي رسالة أخيرة.
المرة دي مش من أحمد.
رقم غريب.
مفيش صورة.
مفيش اسم.
مجرد رسالة واحدة
آنسة مريم بما إنك قررتي تختبري أحمد، فمن حقك.
اتسعت عيني.
وتحتها وصلت رسالة تانية
بس قبل ما تختبري الناس، لازم تكوني مستعدة إن حد يختبرك إنتِ كمان.
وبعد ثواني وصلت الثالثة.
ومتقلقيش أنا مش هقول لأحمد إن معاكي 79 مليون.
الدم نشف في عروقي.
أنا عمري ما قلت الرقم ده لحد.
حتى أحمد نفسه ميعرفش.
ومدام نوال
مستحيل تكون عرفته من مجرد قعدة غدا.
رفعت صباعي بسرعة واتصلت بالرقم.
رن مرة.
اتنين.
وبعدين الخط اتفتح.
قلت وأنا واقفة من مكاني
ألو؟ مين معايا؟
محدش رد.
بس كان في صوت نفس هادي جدًا في الناحية التانية.
وبعد حوالي 3 ثواني
سمعت صوت ست أعرفه كويس بيقول
قلتلك يا مريم الأسبوع الجاي تعالي كلي معانا.
وبعدها الخط اتقفل.
كان صوت مدام نوال.
من بعد المكالمة دي، النوم طار من عيني.
فضلت قاعدة على طرف السرير، والموبايل في إيدي، والجملة بتتكرر في دماغي
ومتقلقيش أنا مش هقول لأحمد إن معاكي 79 مليون.
إزاي؟
إزاي ست بتقول إنها باعت خضار في السوق 20 سنة تعرف رقم موجود في حسابي البنكي؟
الأغرب إن الرقم مش حتى 80 مليون بالظبط.
أنا دايمًا لما بفكر في ثروتي بقول حوالي 80 مليون.
لكن مدام نوال قالت 79.
وده معناه إنها مش بتخمن.
هي عارفة.
تاني يوم الصبح، أول حاجة عملتها إني كلمت مدير البنك.
طلبت منه يراجع لو حصل أي استعلام غريب على حساباتي.
بعد ساعتين كلمني وقال
مفيش أي دخول غير معتاد، ومفيش أي طلبات استعلام من أي جهة.
قفلت معاه وأنا حيرتي زادت.
يبقى عرفت منين؟
عدى الأسبوع تقيل جدًا.
وأحمد كان بيتعامل طبيعي كأن مفيش حاجة حصلت.
مبيسألنيش عن العربية.
ولا عن الفلوس.
ولا حتى قاللي إن أمه كلمتني.
وده أكدلي إن مدام نوال فعلًا مخبتش عليه حاجة.
يوم السبت، صحيت بدري.
ماما كانت باعتالي من البلد عسل أسود، وجبنة قديمة، وفطير مشلتت.
حطيتهم في شنطة.
وقفت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *