روايات مشيره محمد الحكاية مابتبدأش غير لما المسرح بيسكت، والنور بينزل على العيون اللي عاشت عمرها كله مستنية كلمة رضا واحدة.. وما جتش. واقفة فوق الخشبة.. الرتبة على كتفي بتلمع تحت إضاءة الإستاد: عقيد سارة مراد. الصوت في المايك كان له رنة تخلي الحديد يلين، بس جوة صدري كان فيه سكوت يرعب. عينيا جات في عين أمي على طول. البليزر الأوف وايت اللي هي لابسه ومتباهية بيه، حسيت إنه انكمش عليها فجأة. إيد أبويا اللي كانت رفعة الموبايل علشان يصور "البطل" طارق، اتجمدت في الهواء.. وبعدين نزلت بالبطيء، كأن الموبايل بقى وزنه طن. أما طارق.. أخويا الصغير.. المتربي على إن الأضواء كلها ملكه، وإن اختارته هي صح والكون كله غلط.. بص لأمي وأبويا وشه رايح راجع بينهم وبيني، شفايفه بتتمرع وهو بيحاول يفهم: "هي دي.. سارة؟!" قربت من المايك، وبصيت للآلاف اللي واقفين يسقفوا بحرارة. كان ممكن أستغل اللحظة دي علشان أوجعهم.. كان ممكن أقول كلام يكسرهم قدام الناس كلها.. بس أنا اتعلمت في الجيش إن القوة الحقيقية مش إنك تضرب اللي قدامك، القوة إنك تخليه يشوف حجمه الحقيقي قدامك من غير ما تلمسه. أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة الضابط اللي واثق في كل خطوة خطاه : ـ "سيادة اللواء.. السادة الحضور.. أهالي الخريجين الكرام.. لما وقفت في المكان ده من سنين طويلة، كنت فاكرة إن النجاح معناه إن فيه إيد تطبطب على كتفك في النهاية، وتجلس جنبك وتقولك: 'أنا فخور بيك'. كنت فاكرة إن القيمة بتيجي من عينين الناس اللي بنحبهم." سكت ثواني.. وعينيا مانزلتش من على أمي اللي كانت وشها أصفر زي الليمونة، وبدأت تفرك في إيديها بتوتر. كملت بصوت ثابت: ـ "بس الحياة والخدمة العسكرية علمتني حقيقة تانية خالص.. علمتني إن القيمة مش عطية حد بيمن عليك بيها، القيمة إنت اللي بتبنيها بعرقك، بسهرك، بدمك، وباللحظات اللي بتقف فيها لوحدك في الضلمة وما بتنكسرش. للدفعة الجديدة.. أقولكم: لما الدنيا تضلم، وما تلاقوش حد واقف في ظهركم.. افتكروا إنكم واقفين على أرض صلبة، وإن الشرف اللي على كتفكم ده، أنتم اللي صنعتوه بنفسكم." الإستاد انفجر بالتسقيف تاني. والضباط الجداد وقفوا ضربوا لي تعظيم سلام. نزلت من على المسرح بكل ثبات، وكل خطوة بعزفي ببيجاماتي العسكرية كانت بتهز القاعة. خلصت كلمتي، ومشيت ناحية كواليس كبار الزوار. كنت عارفة إنهم هيجوا.. كنت متأكده. وعلى باب الاستراحة المخصص للضباط، سمعت صوت الخطوات السريعة المتلخبطة. ـ "سارة! سارة استني عندك!" ده كان صوت أبويا.. الصوت اللي ما سمعتوش من سنين، الصوت اللي كان دايماً جاف ومستخسر فيا حتى السؤال. لتفت بالبطيء. كانوا واقفين التلاتة. أمي كانت بتهتز، عينيها فيها مزيج يرعب من الذهول، والكسفة، ورغبة مجنونة إنها تلمسني أو تقول أي حاجة ترجع بيها الموقف. وطارق واقف وراهم، الدبلومة بتاعة الماجستير في إيده، بس كأنها حتة ورق ملهاش أي قيمة قدام الرتبة والبدلة والتكريم اللي شافه بعينيه. أبويا قرب خطوة وهو بيحاول يبتسم ابتسامة صفرا متلخبطة: ـ "سارة.. يا بنتي! معقولة؟ إيه المفاجأة العظيمة دي؟! إنتي.. إنتي بقيتي عقيد؟! ليه ما قولتيش؟ ليه ما عرفتيناش إنك هنا وفي نفس الحفلة؟!" بصيت له بكل هدوء، وحطيت إيديا الإثنين ورا ظهري في وقفة استعداد هادية: ـ "أعرفكم ليه يا حضرة الوالد؟ مش التخرج العسكري ده حاجة تخزي؟ مش عيب لما تقولوا للناس إن بنتك في الجيش ومبعدة عن البيت؟" الكلمات نزلت عليهم زي المية المغلية. أمي اتطلعت فيا وشفت دموع محبوسة في عينيها، بس ماكانتش دموع حنية.. دي كانت دموع إحساس بالهزيمة. قربت أمي خطوتين، وإيدها المرتعشة اتمدت علشان تمسك إيدي: ـ "سارة.. يا بنتي.. إنتي لسه فاكرة الكلام ده؟ ده كان زمان.. إحنا كنا خايفين عليكِ، كنا شايفين إن البنات مكانها مش في القسوة دي.. إحنا.. إحنا طول عمرنا فخورين بيكي!" ضحكت.. ضحكة صغيرة وصافية من غير أي غل، بس كانت أشد من أي شتيمة: ـ "فخورين بيا؟ من إمتى يا أمي؟ من يوم ما بعتيلي مسج بتقوليلي 'كل حاجة تمت بخير؟' وكأنك بتسألي على شحنة بضاعة وصلت ولا اتأخرت؟ ولا من يوم ما سيبتوني في أرض الطابور لوحدي، وكل الأباء والأمهات بيحضنوا أولادهم وأنا واقفة في الشمس تدور عينيا على أي وش أعرفه وما ألاقيش؟" طارق تدخل بصوت متوتر، وهو بيحاول يهدي الجو: ـ "يا سارة خلاص بقى.. اللي فات مات، وبعدين ماما وبابا تعبوا معانا كلنا، ومافيش داعي للأسلوب ده قدام الناس هنا.." بصيت لطارق.. بصة خلته يسكت فوراً ويراجع نفسه: ـ "مبروك الماجستير يا طارق. يا رب تكون خطوة كويسة لمستقبلك اللي 'حيشكل حياتك بجد'، زي ما أمك قالت لي زمان. بس ما تتكلمش عن التعب.. إنت ما تعرفش يعني إيه تتساب لوحدك وإنت في أشد الحاجة للقمة حنية، وتضطر تبني نفسك من الزيرو علشان بس تثبت لنفسك إنك بني آدم ليك قيمة." أبويا حط إيده على جيبه، وكأنه بيدور على حاجة يقولها تنقذ وجهه قدام بعض الضباط اللي كانوا معديين وبيسلموا عليا: ـ "خلاص يا سارة.. كبرتي وبقيتي سيادة العقيد، والناس كلها بتبص عليكِ.. تعالي معانا، حجزنا في مطعم كبير بمناسبة تخرج طارق، وتكون فرصة نحتفل بيكي إنتي كمان ونعوض اللي فات." ـ "نعوض؟" رديت الكلمة وأنا ببص في عينين أبويا بثبات: ـ "اللي بيروح يا حضرة الوالد ما بيتعوضش. الوقت اللي كنت محتاجة فيه كلمة تشجيع.. عدى. واليوم اللي كنت مستنية فيه حد يظبطلي ياقة البدلة.. فات. أنا النهارده مش محتاجة عزومة مطعم، ولا محتاجة شهادة إثبات من حد إن ليا قيمة. أنا قيمتي فرضتها على الكل بفضل ربنا، ثم بمجهودي." أمي بدأت تعيط بجد، وبصوت واطي ومكسور قالت: ـ "يعني إيه يا سارة؟ هتمشي وتسيبينا كدة؟ مش هنسلم عليكِ؟ مش هنافخ بيكي قدام قرايبنا وعيلتنا؟" بصيت لها ونظرة الحسرة في عينيا كانت خلاص اختفت، وحل محلها السلام الداخلي: ـ "تتنافخي بيا؟ إنتي عايزة تاخدي ثمرة شجرة إنتي ما زرعتيهاش يا أمي.. شجرة سيبتيها تعافش في الصخر لوحدها ولما أثمرت جيتي تقطفي. للأسف.. أنا ضابط في الجيش المصري، اتعلمت إن اللي يسيب موقعه في المعركة.. ما يرجعش يطالب بنصيب في النصر." في اللحظة دي، قرب مني حارس الموكب ونادى بصوت عسكري منتظم: ـ "سيادة العقيد سارة مراد.. سيارة الرئاسة في الانتظار لMove إلى مقر الاجتماع المغلق مع القيادة العامة." ضربت له تعظيم سلام خفيف، ورجعت بصيت لأهلي لأخر مرة. ـ "عن إذنكم.. عندي شغل مهم بيبني مستقبل بلد، ومش فاضية للذكريات القديمة." لفيت ظهري، ومشيت بخطوة عسكرية ثابتة، صوت جزمتي يرن على الأرض الرخام بكل كبرياء. وسيبتهم واقفين الثلاثة في القاعة الفاضية.. أبويا الموبايل في إيده مش عارف يصور مين، وطارق ماسك شهادته اللي ما حدش بقى باصص ليها، وأمي واقفة بالبليزر الأوف وايت، بتعيط على البنت اللي ضيعتها بإيدها لما افتكرت إن القيمة بتتقاس بالشهادات السهلة.. ومش بالقلوب اللي بتصنع تاريخ. ركبت العربيات، وبصيت من الشباك على الإستاد وهو بيبعد. أخدت نفس عميق وابتسمت لروح البنت الصغيرة اللي كانت واقفة من سنين بتعيط لوحدها في الشقة وبتاكل أكل دليفري.. وهنستها في سري: "خلاص يا سارة.. حقك جه، وانتهت القصة."تمت مشيره محمد