عدت إلى البيت
خفض فيصل رأسه؛ كان قد عاد وهو يظن أنه سيخلصهم، وكاد يقع في الفخ نفسه من الجهة المقابلة: أن يقرر نيابة عنهم لأنه يظن أنه يعرف الأفضل.
بقي أسبوعاً آخر في الرياض، ليس للإشراف، بل ليستمع فقط.
بعد 3 أشهر، ظهر خالد عند باب البيت. لم يطلب العودة للعيش، ولم يطلب التنازل عن الشكاوى. كان يحمل معه طاولة خشبية صغيرة قام بترميمها، وهي قطعة قديمة من ورشة أبيه كان يظنها ضائعة.
قال: “صلحتها.”
مرر الأب يده على سطحها.
بلع خالد ريقه: “لا أتوقع أن تسامحني اليوم.”
تأخر الأب في الرد ثم قال:
— يمكنني أن أستمر في حبك، دون أن أسمح لك بإيذائي مجدداً.
هز خالد رأسه موافقاً.
لم يكن هناك عناق، لكن الباب لم يُغلق في وجهه للأبد. ومن يومها بدأ يعيد الأموال تدريجياً، وتحمل مسؤولياته، وأوجد عملاً جديداً بعيداً عن العائلة. ولأول مرة، لم يبع أبو فيصل شيئاً ليخلصه.
عادت أم فيصل لتدعو أم فهد للقهوة، ولم يعد الباب الرئيسي مغلقاً، وعادت الصور إلى الجدران.
وكل يوم جمعة، سواء كان فيصل في دبي أو في أي مكان آخر، كان يفرغ ساعة كاملة للحديث مع والديه دون العمل أو الاجتماعات أو العجلة.
وبعد عدة أشهر، في يوم ممطر، وصل للبيت دون إبلاغهم.
وجد أبا فيصل عند النافذة يصلح درجاً، وأم فيصل تضحك لأنه يصر على أنه لا توجد قطعة خشب ميؤوس منها إن وجد الصبر.
كان البيت هو نفسه، لم يكبر ولم يصبح أكثر فخامة، لكنه استعاد شيئاً لا يمكن لأي صك كتابته: كرامة أهله.
نظر فيصل إلى الباب المفتوح وفهم أخيراً ما لم يره لسنوات: لم يكن والداه بحاجة إلى ابن مليونير ينفق عليهما، بل كانا بحاجة إلى أبناء يرون كيف يعيشان قبل أن يصبح الصمت عادة.
ومن ذلك اليوم، عاد أبو فيصل وأم فيصل يجلسان حيث يشاءان، ويفتحان أبوابهما الخاصة، وينفقان مالهما دون الاستئذان من أحد… لأن العائلة قد تتجاوز الديون والأخطاء وحتى الخيانة، ولكن ما لا يمكن استعادته إن ضاع هو الكرامة والاحترام.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد