عدت إلى البيت

 

نظر إليه أبو فيصل بحزن هادئ:

 

— بقيت في بيتي… لكن هذا لا يعني أنك بقيت معي.

 

أطرق خالد رأسه.

 

بدأت نورة تصرخ وتصيح بأنهم جميعاً بلا أصل ولا جحدوا فضلها، وأن الحسابات بدونها كانت ستضيع، وأن فيصل ظهر بالمال بعد سنوات غياب ليلعب دور المنقذ.

 

وفي نقطة معينة، كانت على حق.

 

وعرف فيصل ذلك في تلك اللحظة؛ لقد كان غائباً. ظن أن التحويلات المالية تغني عن الرعاية، وأن مكالمة من 10 دقائق من المطار تعني التواجد.

 

لكن خطأه لا يبرر جُرمهم. غيابه لم يكن ليعطي أي شخص الحق في إهانة والديه.

 

أغلق المحامي عبد الرحمن الملف، وشرح أن المستندات ستراجع قانونياً، وأن الحسابات ستجمد عن أي تصرفات غير مصرحة، وأن التزوير سيعاقب عليه القانون.

 

لم يصرخ فيصل، بل نظر إلى نورة فقط:

 

— الليلة تخرجين من البيت.

 

ثم التفت إلى خالد:

 

— وأنت أيضاً.

 

بكت الأم؛ كانت تلك المرة الأولى التي تتصادم فيها رغبتها في حماية ابنها مع ضرورتها لحماية نفسها.

 

اقترب خالد منها: “أمي…”

 

تراجعت خطوة إلى الخلف:

 

— أحبك يا بني… لكنني لن أنقذك اليوم من نفسك.

 

كانت هذه الجملة أشد قسوة من أي شتيمة.

 

غادرت نورة في الليلة نفسها، وخرج خالد بحقيبتين دون أن يطلب ريالاً واحداً.

 

خلال الأسابيع التالية، راجع المحامي الحسابات، واستُرجع جزء من الأموال. وأُبطل التفويض المزيف بعد أن أثبت الخبير التزوير.

 

استعاد أبو فيصل وأم فيصل بطاقاتهما، ومفاتيح البيت، وجناحهما الرئيسي.

 

ولم يكن أول عمل قام به الأب تغيير القفول، بل سحب كرسي خشبي قديم كان قد صنعه بيده عندما كان فيصل في التاسعة من عمره وكان مركوناً في الممر؛ سحبه وضعه أمام نافذة المجلس وجلس عليه، وأتت أم فيصل بالقهوة له.

 

شاهدهما فيصل دون أن ينبس بكلمة.

 

وفي اليوم التالي عرض عليهما الانتقال معه إلى دبي؛ حيث الغرف الواسعة والأطباء والخدمة.

 

ابتسمت الأم وقالت: “لا.”

 

ظن فيصل أنه لم يسمع جيداً: “أمي، بعد كل ما حدث؟”

 

— بالذات بعد كل ما حدث… نريد أن نقرر نحن بأنفسنا.

 

وافقها الأب:

 

— لا نحتاج ابناً آخر ينظم حياتنا، بل نحتاج أبناءً يشاركوننا إياها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *