طلقت مراتى

في يوم جمعة، قررت أزور قبرها. دي كانت المرة الأولى اللي أجرؤ فيها أروح من بعد يوم العزا.
المقابر كانت هادية، وريحة التراب مع هواء العصر عاملة سكون غريب. قعدت على ركبي قدام الشاهد اللي مكتوب عليه اسمها، وحطيت إيدي المرتعشة على الرخام البارد.
طلعت الكشكول الأزرق بتاعها من جيبي، كان متبهدل ومتقطع من كتر ما مسكته وقريت كلامها آلاف المرات. قعدت أعيط في صمت مطبق، دموع بس من غير أي شهقة ولا صوت بكا طالع من صدري. كنت عايز أصرخ في التراب وأقولها إني بتعاقب كل يوم، وإن كل ثانية بتمر عليا في صمتي هي عقاب عادل على الثانية اللي خجلت فيها منها.
وفجأة، حسيت بإيد صغيرة بتتحط على كتفي.
اتلفتت ببطء، لقيت طفلة صغيرة عندها حوالي ست سنين، ملامحها بريئة ولابسة فستان أبيض، وفي إيدها وردة بلدي شكلها قطفاها من جنينة قريبة. الطفلة بصتلي بابتسامة صافية، ومسكت طرف كمي ومدتلي الوردة.

وراها على طول، ظهرت ست كبيرة في السن بتجري عليها بخوف، ملامحها كانت مألوفة جداً.. دي كانت خالة فريدة، بس مكنتش واخدة بالها مني في الأول.
الست أول ما عينيها جت في عيني اتجمدت، وشها اتملى غضب وألم، بس لما شافت الخرطوم الصغير اللي في رقبتي، والكشكول اللي في إيدي، ووشي الشاحب والشيب اللي ملا راسي في سن التلاتين، نظرة الغضب اتحولت لذهول وصدمة ممتزجة برحمة غريبة.
قربت من الطفلة وسحبتها براحة، وبصتلي والدموع اتجمعت في عيونها وقالت بصوت هادي يقطع القلب:
“فريدة قبل ما تسافر الليلة دي مع أبوها.. قعدت تبكي في حضني بالساعات يا كريم. مكنتش زعلانة منك ولا بتدعي عليك، كانت بتدعي ربنا يهديك ويسامحك عشان كانت عارفة إنك ضعيف وغرتك الدنيا”.
سكتت شوية ومسحت دمعتها وكملت:
“ربنا يسامحك يا ابني.. ويا ريتك اتعلمت الدرس قبل ما تدفع التمن ده كله”.
مسكت إيد البنت ومشيت، وسابتني لوحدي قدام القبر.
مسكت الوردة اللي الطفلة سابتهالي، وحطيتها على رخام القبر جنب اسمها. فتحت الكشكول على آخر صفحة بيضا، ومسكت القلم، وكتبت جملة أخيرة وقفلت الكشكول وسيبته هناك، مدفون في الرمل جمبها:
“أنا اتعلمت يا فريدة.. بس بعد ما فات الأوان، وبعد ما السكوت بقى الحقيقة الوحيدة اللي بستحقها”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *