طلقت مراتى
ساعتها، وفوق السرير الفاضي، انهرت في عياط هستيري لأول مرة في حياتي. قعدت أصرخ بصوت عالي جداً لحد ما حسيت إن حنجرتي بتتقطع، كنت بنادي على فريدة وعايزها ترجع بس عشان أقولها إني أسف، إني أعمى، وإني خسرت الجوهرة الحقيقية عشان شوية قشور فارغة.
بس الصراخ مكنش هيرجع اللي راح.. والبيت فضل ساكت، سكون قاسي هيفضل يعاقبني بيه طول ما فيا نفس بيطلع وبينزل.
مرت شهور على اليوم ده، وأنا محبوس جوة جدران الشقة، رافض أخرج ورافض أقابل أي بني آدم.
الشركة اللي ضحيت بفريدة عشان ترقيتي فيها، بعتتلي جواب إنهاء خدمة بعد ما غبت أسابيع ومبقتش أرد على تليفوناتهم. المنصب والمظاهر والبدل الشيك اللي كانت كل همي، بقوا مجرد كراكيب مركونة في الدولاب بتاكلها العتة. بقيت عايش على المسكنات والمهدئات، وكل ما عيني تغفل دقيقة، أسمع فحيح صوتها المبحوح وهو بيترجاني، أو أشوف نظرة عينها المكسورة وهي بتمسح دموعها قبل ما تنزل من العربية.
في ليلة من ليالي الشتا، وأنا قاعد في الصالة في الضلمة، حسيت بألم حارق في زوري. كتمت أنفاسي وافتكرته دور برد عادي، بس الألم بدأ يزيد مع كل نفس باخده، وبدأ يمتد لرقبتي وصوتي يختفي تدريجياً.
لما الألم مبقاش يُحتمل، نزلت المستشفى بنفسي الفجر. دخلت الطوارئ، والدكتور حوّلني فوراً لاستشاري أنف وأذن وحنجرة.
قعدت على نفس الكرسي اللي فريدة قعدت عليه من سنة. الدكتور دخل المنظار من مناخيري لزوري، وبدأ يفحص وهو ساكت، وكل ما يمر الوقت، ملامحه كانت بتتقبض وتتحول لجمود مرعب.
طلع المنظار، وقلع الجوانتي ببطء شديد، وبصلي بنفس النظرة اللي حفظتها زمان، وقال:
“للأسف يا أستاذ كريم، التهاب مزمن وتحور عنيف في خلايا الأحبال الصوتية ناتج عن صدمة عصبية وإهمال شديد.. فيه أورام ليفية واكلة نص الحنجرة، ولازم استئصال كامل للأحبال الصوتية خلال 48 ساعة عشان نلحق نوقف انتشارها”.
بصيت للدكتور وأنا مش مستوعب. حاولت أتكلم، حاولت أسأله، أصرخ فيه، بس كل اللي خرج من حنجرتي كان فحيح مكتوم وتافه.. نفس الفحيح اللي كنت بقرف منه زمان.
خرجت من المستشفى تايه في الشوارع تحت المطر. كنت بضحك بهستيريا ودموعي نازلة تحرق في خدي.
العقاب مكانش مجرد ندم، العقاب جه من نفس الباب اللي ظلمت منه. أنا اللي كنت بتباهى بصوتي وحضوري ولبقاتي، هعيش بقية عمري أخرس، أكتب في كشاكيل زي ما هي كانت بتكتب، وأستنى شفقة الناس ونظرات فضولهم اللي كنت مرعوب منها.
رجعت الشقة، قعدت على مكتبي، وطلعت نفس الكشكول الأزرق بتاع فريدة. مسكت القلم بإيدين بترتعش، وفتحت الصفحة اللي بعد كلامها الأخير، وكتبت سطر واحد بس قبل ما أدخل العمليات:
“الذنب مكنش في صوتك يا فريدة.. الذنب كان في روحي اللي كانت صماء وعمياء من البداية”.
العملية خلصت، وخرجت منها وأنا مش حاسس غير بفراغ بارد بيبلع زوري، وثقب صغير في رقبتي بتنفس منه بالعافية.
أول ما فوقت من البنج، حاولت أنده على الممرضة.. فتحت بوقي، بس مفيش ولا ذرة صوت طلعت، حتى الفحيح البسيط اللي كنت بتكلم بيه اختفى تماماً. الصمت بقى هو لغتي الإجبارية لبقية عمري.
الدكتور دخل، طبطب على كتفي بنظرة شفقة كنت بموت من مجرد تخيلها، وسابلي كشكول أبيض وقلم فلوماستر أسود على الكومودينو وقال بهدوء: “ده وسيلة تواصلك من هنا ورايح يا كريم.. حمد لله على سلامتك”.
بصيت للكشكول الأبيض، ولقيت صورة فريدة وهي ماسكة كشكولها الأزرق بتنط في خيالي. سبت المستشفى ورجعت على شقتي القديمة، بس مكنتش نفس الشقة، كانت متحف لذكريات بتجلد فيا ليل نهار.
مرت تلات سنين.. تلات سنين اتعلمت فيهم معنى العجز الحقيقي. بقيت أنزل السوبر ماركت كاتب طلباتي في ورقة، والناس تبصلي بنظرات تعاطف مصحوبة بابتسامة باهتة كنت زمان بشوفها إهانة، وبقت دلوقتي أقصى أمانيَّ. بعت عربيتي الغالية، وقفلت حساباتي على السوشيال ميديا، وعزلت نفسي عن دايرة معارفي القديمة كلها؛ الناس اللي كنت خايف من نظرتهم ومظهرتي قدامهم، ولا واحد فيهم كلف نفسه يسأل عني بعد ما بقيت “من غير صوت”.