عامل بسيط
عامل بسيط كان بيدي اللبن كل يوم لست عجوز عشان يساعدها لحد ما بنتها ظهرت فجأة على الباب، وكشفت له سر خلى كل اللي حصل يتغير!
شايف الرجالة اللي شغالة هناك يا عم جابر؟ أنا بدفعلك فلوس عشان تشتغل زيهم، مش عشان تختفي وقت ما يعجبك!
صوت الحاج رجب الشناوي، صاحب المزرعة، دوّى في المكان قدام كل العمال.
المزرعة كانت في أطراف قرية صغيرة في البحيرة، والرجالة كلهم كانوا واقفين حواليهم.
بعضهم عمل نفسه مشغول في ترتيب العِدد.
واحد مسك الفأس وبدأ يشتغل من غير ما يكون فيه شغل أصلًا.
وواحد تاني انحنى يصلح حاجة في الأرض.
لكن الحقيقة إن الكل كان بيسمع.
عم جابر نزل عينه للأرض.
كان عنده 45 سنة.
إيديه خشنة من الشغل في الأرض، ووشه أسمر من الشمس، واتعود طول عمره يستحمل الإهانة من غير ما يرد.
الحاج رجب كمل
لو شوفتك بتعدي السور ده تاني وإنت في وقت الشغل ماترجعش المزرعة خالص. فاهم؟
جابر ضغط على إزازة اللبن الفاضية اللي في إيده.
وقال
حاضر يا حاج.
كان ممكن يقول الحقيقة.
كان ممكن يقول له
أنا مش بهرب من الشغل.
أنا مش بسرق اللبن.
أنا بروح لست عجوز عايشة لوحدها.
لكن المشكلة إن الحقيقة كانت تخص ست ماطلبتش منه في يوم إنه يحكي للناس عنها.
وماكانش شايف إن من حقه يحكي أسرارها عشان يدافع عن نفسه.
الحاج رجب ماكانش يعرف إن جابر كل صباح كان بياخد لتر لبن من اللبن الزيادة بعد الحلب، ويوصله
ل الحاجة فاطمة الهلالي.
ست عندها 67 سنة.
أرملة.
وعايشة لوحدها في بيت صغير على الناحية التانية من السور.
ماكانش بس بيوصل لها اللبن.
كان بيقطع لها الحطب.
يصلح باب الفرخة لما يتخلع.
ويطلع على السطح لما المطر ينزل ويصلح أي تسريب.
فاطمة ماكانتش قريبته.
لكنها كانت بتفكره بجدته اللي ربته بعد وفاة أبوه وأمه.
وأول مرة شافها
كانت بتحاول لوحدها ترفع عمود خشب وقع قدام البيت.
جابر كان معدي على حصانه.
نزل من عليه وساعدها.
ومن يومها
بقت زي عادته.
كل يوم يعدي عليها.
البيت كان بسيط جدًا.
بس نضيف.
جنب البير كانت فيه شجرة جوافة كبيرة.
وقدام الباب كرسيين هزازين.
فاطمة كانت دايمًا تقعد على الكرسي اللي ناحية الشمال.
أما التاني
فكان بتاع جوزها.
ومن يوم ما مات، محدش قعد عليه.
جابر في البداية كان بياخد اللبن الزيادة من المزرعة.
ماكانش شايف إن لتر واحد هيعمل فرق.
وبعد فترة، الزيارة اللي كانت بتاخد خمس دقايق بقت نص ساعة.
فاطمة كانت بتحب تحكي.
وهو كان بيحب يسمع.
وبالتالي بدأ يتأخر عن الشغل خمس دقايق.
عشر دقايق.
والحاج رجب ماكانش شايف غير حاجة واحدة
عامل بيختفي أثناء الشغل
وبيستخدم حاجة من إنتاج المزرعة من غير إذن.
جابر كان عارف إنه غلط لما ماطلبش الإذن.
لكن كان عارف كمان إن الحاج رجب مش من النوع اللي بيسمع تبريرات.
عشان كده
سكت.
تاني يوم صحى قبل الفجر.
خلص الحلب.
ملى زجاجة.
وعدى السور قبل بداية ميعاد الشغل.
لكن أول ما وصل بيت الحاجة فاطمة
استغرب.
الباب كان مفتوح.
ومن جوه البيت، سمع صوت ست.
صوت عمره ما سمعه قبل كده.
دخل بحذر.
فاطمة أول ما شافته ابتسمت.
تعالى يا ابني.
وبعدين أشارت للست اللي واقفة في المطبخ.
عايزة أعرفك على حد.
الست كانت حوالي الأربعين.
رفيعة جدًا.
وشكلها مرهق.
لابسة إيشارب أزرق، وفي دراعها ضمادة صغيرة.
فاطمة قالت
دي بنتي سعاد.
وبعدين بصت لسعاد.
وسعاد ده عم جابر. الراجل اللي بيساعدني من شهور.
سعاد مدت إيدها.
ماما حكتلي عنك كتير.
جابر سلم عليها، وحط زجاجة اللبن على الترابيزة.
وبعدها خرج.
وهو حاسس بحاجة غريبة.
ست شهور كاملة وهو مقتنع إن الحاجة فاطمة مالهاش حد.
وفجأة
ظهرت بنتها.
والأغرب إن البنت كانت بتتحرك في البيت كأنها عمرها ما غابت عنه.
اليوم كله جابر كان سرحان.
وتاني يوم رجع بدري.
كان عايز يشوف سعاد.
لقاها قاعدة في التراس قدام البيت، ماسكة فنجان شاي.
قال
ممكن أسألك سؤال؟
ابتسمت.
اتفضل.
جابر ماعرفش يلف ويدور.
قال
أمك عايشة لوحدها بقالها سنين وأنا باجي هنا تقريبًا كل يوم. مطر أو شمس. عمري ما شوفتك هنا.
سكت.
وبعدين قال
إزاي بنت تسيب أمها لوحدها بالشكل ده؟
سعاد نزلت عينيها على الفنجان.
وقالت بهدوء
أنا ماسبتهاش.
جابر اتوتر.
قالت
كنت في المستشفى.
رفع عينه لها.
ليه؟
اترددت لحظة.
وبعدين قالت
أنا عندي سرطان في الدم.
جابر حس وشه سخن من الإحراج.
أنا آسف.
سعاد هزت راسها.
مفيش داعي.
وبدأت تحكي.
قالت إنها بقالها تقريبًا سنة رايحة جاية على مستشفى في القاهرة.
أوقات بتقعد أسابيع كاملة هناك.
وأوقات ترجع البيت كام يوم، لكن العلاج كان بيخليها ضعيفة لدرجة إنها ماكانتِش قادرة تقوم من السرير.
إنت ماتعرفش أنا كنت بتعذب قد إيه وأنا بعيدة عنها.
سعاد مسحت دمعة نزلت على خدها.
كل ليلة كنت بتصل بيها وأنا خايفة تكون وقعت أو تعبت ومفيش حد جنبها.
وبعدين ابتسمت.
لحد ما بدأت تحكيلي عن عامل في المزرعة اللي جنبنا.
جابر بص لإيديه.
سعاد كملت
كانت بتقول لي إن فيه راجل بيجيب لها اللبن، ويصلح لها الحاجات اللي بتبوظ.
جابر قال بخجل
أنا آسف إني حكمت عليكي.
سعاد بصت له.
إنت جيت سألتني.
وسكتت.
ودي حاجة نادرة.
إزاي؟
ناس كتير بتحب تألف حكاية عن غيرها، وتصدقها، وتنشرها من غير ما تقرب وتسأل.
في اللحظة دي، ظهرت الحاجة فاطمة عند باب البيت.
وقالت
بنتي كانت بتدعي كل ليلة إن ربنا يبعت حد يقف جنبي وهي في المستشفى.
بصت لجابر.
وبعدين ربنا بعتك.
جابر ماكانش راجل متدين قوي.
لكن الكلمة فضلت جوه قلبه.
بعد تلات أيام
سعاد اضطرت ترجع المستشفى.
قبل ما تركب العربية، دورت على جابر.
لقته واقف جنب السور.
قالت
مش عارفة هقعد قد إيه المرة دي.
سكتت.
وبعدين قالت
ممكن تكمل تيجي لأمي؟
جابر رد من غير تفكير
طول ما أنا موجود هنا مش هتبقى لوحدها.
مسكت إيده.
وقالت
ربنا يخليك.
لكن واحد من عمال المزرعة، شاب اسمه محمود، كان شايفهم من بعيد.
وفي نفس اليوم، الحاج رجب سأله
جابر
لمحة نيوز