عامل بسيط

عم جابر كان ماشي في طريقه لمكتب الحاج رجب، خطواته ثقيلة وأفكاره متلخبطة. كان راضي بقضاء ربنا ومستعد لأي قرار، حتى لو كان طرده من المزرعة اللي كانت مصدر رزقه الوحيد.
أول ما فتح باب المكتب، لقى الحاج رجب قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، وعلى غير العادّة، ملامح القسوة والصرامة كانت اختفت من وشه، وحل محلها ذهول وشرود عجيب.
وقف جابر قدامه بثبات وقال
أنا جاهز لأي قرار يا حاج رجب. لو حضرتك شايف إني ما أنفعش هنا، أنا همشي ورزقي على ربنا.
الحاج رجب رفع عينه ببطء، وبص لجابر بنظرة مليانة حسرة وندم، وطلع من درج المكتب ملف قديم أوراق أصفرت من السنين، وحطه على الترابيزة.
اقعد يا جابر… الكلام اللي هنقوله النهاردة أبعد بكتير من لتر لبن أو تأخير عن الشغل.
جابر استغرب وقعد
خير يا حاج؟
رجب اتنهد بصوت حاد وقال
من 15 سنة… لما كنت إنت لسه شاب صغير وبتشتغل في أراضي المنيا، فاكر لما حادثة قطار حصلت هناك، وإنت نزلت وسط المية والحديد المكسور وسحبت راجل مصاب على ضهرك وشيلته كيلومترات لحد ما وصلته للمستشفى واختفيت؟
جابر اتجمد مكانه، الذكرى رجعت له في ثانية
أيوه… فاكر. الراجل ده كان بيتنفس بالعافية وما كانش معاه بطاقة ولا حد يعرفه.
رجب مسك إيديه بقلة حيلة وقال
الراجل ده كان أنا يا جابر… أنا اللي إنت أنقذت حياته من 15 سنة وما لحقتش أشكرك ولا أعرف اسمك. ولمّا جيت اشتغلت عندي هنا من سنتين، أنا ما عرفتكش في الأول لأن السنين غيرت ملامحك… لكن لما محمود قال لي أمس إنك بتشتري اللجن والأكل من جيبك للحاجة فاطمة ومستعد تضحي بشغلك عشان وعد، افتكرت النخوة دي، ودورت في أوراقك القديمة في الملف وعرفت إنك إنت نفس الشخص!
جابر بلع ريقه بذهول، وقبل ما ينطق بأي كلمة… الباب اتفتح بعنف!
دخل محمود، شاب المزرعة، ونفسه مقطوع ووشه أصفر زي الليمونة
يا عم جابر! يا حاج رجب! الحقوا… بيت الحاجة فاطمة فيه بوليس وعربيات حراسة كبيرة واقفة قدام الباب!
جابر اتفض وقام جرى زي المجنون، ورجب جرى وراه!
وصل جابر لبيت الحاجة فاطمة، لقى المنطقة مقلوبة. حراسة شديدة ورجال ببدل رسمية، وعلى الكرسي الهزاز قدام الباب، كانت الحاجة فاطمة قاعدة تبكي ومربوكة، وجنبها الراجل صاحب

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *