طلعنا البلد
طلعنا من البلد وأنا صغيرة تقريبًا ورحنا عشان نُسكن في القاهرة، كان والدي عنده بُعد نظر وشايف إن حياة الأرياف ولا هتقدم ولا هتأخر، وكان بيشتري نفسه من المشاكل اللي كانت مبتخلصش بين العائلات، ومسافة ما خرجنا بدأ يأسس مشروع عشان نعيش منه العُمر كله زي ما بيقول ودخل شريك في مصنع أحذية، اشتغل فيه وقتها زي الطور في الساقية مكنش بينام ليل ولا نهار لحد ما قدر يعمل مكانة وسُمعة للمحل كويسة جدًا..
وفعلًا وبعد كام سنة قدر إنه ياخد المصنع كله لما شريكه قرر يسافر لبلد أوروبية، ومشيت حياتنا كويسة جدًا، أنا بدرس في مدارس خاصة، وبناكل وبنشرب وساكنين في مكان محترم، كل حاجة كانت مثالية زي ما بيقولوا لحد ما دخلت الجامعة تقريبًا، وقتها حصلت مشكلة كبيرة في البلد، عَركة زي ما بيقولوا ومات فيها عمي ومراته في نفس الخناقة لما خرجت من البيت وجت فيها طلقة، والدنيا كلها اتقلبت وبيت عمي كله ولع، كانت خناقة من الخناقات اللي استحالة الحياة ترجع تاني كويسة بعدها.
ونزل والدي بعدها على البلد وكانت الشرطة في كل مكان، وكان كل همه ياخد ابن عمي في حضنه ويطلعه من وسط الكرب ده كله، مش هيخليه يكرر مأساة والده مرة تانية خلاص، وفعلًا جاب سعيد ابن عمي الشقة عندنا وقاله إنه هيسكن قريب مننا وممكن يخصصله مكان كويس في المصنع ويشتغل معاه، ومحدش هيخاف على المال زي ابن أخوه، وفعلًا خصصله مكان وعاش في المصنع وبقا كبير العمال مع الوقت كمان، أبويا كان كل همه يعوضه عن فقدان أبوه وأمه والأحداث الدموية اللي عاشها في حياته، ومكنش بيحرمه من أي حاجة تقريبًا، لدرجة إنه كان بيرفضلي أنا طلبات إنما هو ممنوع يترفضله أي طلب.
شوية وبدأ يزورنا باستمرار وبدأت أحس إنه مركز معايا بزيادة، مكنتش قادرة أفهم شعوري من ناحيته هل هي شفقة ولا أخوة ولا أيه بالظبط، بس نظراته كانت بتقول عكس كدا تمامًا، وفي يوم وليلة جابها صراحةً لوالدي وقاله إنه عايز يتجوزني.
والدي اتفاجئ من الطلب بس مكانش قادر يرفض، كانت جواه حالة من الشفقة غريبة تجاهه خلته يجي يفاتحني في الموضوع، وأنا رفضت، مكنتش شايفاه شبهي ولا هيعرف يتعامل معايا، بس والدي بدأ يضغط عليا يوم بعد يوم، كان بيقول إنه أكتر حد هيحافظ عليا، وأكتر حد هيحافظ على المصنع، ولأني متعودتش أرفض لوالدي طلب اتجوزنا، والدي اللي اشترى الشقة واتكفل بمصاريف الفرح وبكل حاجة تقريبًا، واتجوزنا أنا وهو جواز تقليدي، ومن أول يوم جواز كان بيتعامل معايا باحترام مُبالغ، أمورنا كانت كويسة وكل حاجة طبيعية.
بس بعد كام شهر من الجواز وبالأخص لما والدي تعب فترة بدأت ألاحظ على سعيد إنه دايما سرحان، بيتكلم في الموبايل كتير، بيجي البيت متأخر وأوقات مبيجيش من الأساس، وكان دايما بيطلب مني أروح لوالدي وأبات معاه، بس كان واضح أوي إنه بيمثل لأنه كان دايما مبسوط ومنتشي، ودايمًا متشيك وحاطط أحسن البرفانات، وغصب عني ومع كام موقف قررت أراقبه عشان أعرف هو بيعمل أيه، فيه حاجة غلط، وحطيت كاميرا مراقبة في البيت عندي، الصالة وأوضة النوم.
وبعد أسبوع من غيابي في شقة والدي ورجوعي للبيت فتشت في شرايط المراقبة وبدأت أكتشف كوارث، مش مجرد خيانة مع واحدة أو اتنين، دول كانوا سبعة، كل واحدة جتله في ليلة مختلفة، وكل ده في شقتي وأوضة نومي، كانت صدمة ما بعدها صدمة، ومكنش ينفع أفاتح والدي وهو في الظروف دي أبدًا.
عشان كدا احتفظت بالفيديوهات وواجهته بكل حاجة، ولقيته متفهم الوضع بدرجة غريبة، لدرجة إنه بكى بين ايديا وطلب مني فرصة، مجرد فرصة يكفر بيها عن ذنبه ده، وإنه عنده مرض نفسي قديم لما شاف أبوه وأمه بيموتوا ومبيعرفش ينام لوحده من يومها، فضل ساعة يبرر ويقسم إنه مش هيعمل حاجة من دي تاني أبدًا.
وغصب عني قررت أكمل على الأقل لحد ما والدي يبقا كويس نوعًا ما وأقدر أقرر ممكن أعمل أيه، بس وقتها جوزي أتحول ١٨٠ درجة، حنية ومساعدة في كل حاجة تقريبًا، بقا يجي من المصنع يطبخ وينضف ويعملي القهوة ويجبهالي لحد سريري، كان دايمًا بيقول إنه بيحاول يكفر عن أكبر ذنب في حياته لما ظلمني، ومع كثرة الأفعال دي بدأت أقتنع فعلًا إنه بقا كويس وبالأخص لما بقا مزاجي دايمًا معدول ومبسوطة.
بس بدأت أكتشف حاجة غريبة مع مرور الوقت وبالأخص لما كنت بشرب القهوة بالبندق اللغي جابها مخصوص عشان يصالحني، لما كنت بشربها كنت بتبسط جدًا جدًا، ولما كنت مبشربهاش كنت بتعصب وبفقد أعصابي بطريقة غير مفهومة.
لدرجة إني بدأت أشك وأحس إن فيه حاجة غلط، خدت عينة من القهوة وبعتها لواحدة صاحبتي شغالة دكتورة تحاليل، واتفاجئت إنها بتقول إن القهوة مخلوطة بأدوية معينة بتدمر الجهاز العصبي وبتسبب هلاوس مع الوقت، وإن الاستمرارية عليها هتخليني أتجنن تمامًا.