مشـ,ـرحه

مكنتش أتخيل في حياتي اني هدخل مشرحة في يوم من الأيام، ودخولي ليها هيكون في ليلة شتوية وكمان مُتسلل زي الحرامي، بس احيانا بتكون الحقيقة أغرب من الخيال زي ما بيقولوا..

يومها كلمت والدي اللي كان راجع من السفر كالعادة عشان اطمئن عليه، راجل أقل ما يُقال عنه انه مبقاش موجود في الزمن ده، كمل الستين من عمره ولسة بيسافر هنا وهنا ويشتغل عشان يصرف علينا، كان بيسافر محافظات بعيدة وياخد أجازة كل ستين يوم تقريبا، كلمته وقالي انه ركب الاتوبيس وهيوصل على الصبح تقريبا، دعيت ربنا يوصله بالسلامة وقفلت معاه..

وقتها سرحت شوية في والدي الشيخ كِشك، الراجل المتدين اللي علمني الدين الصحيح من صغري لدرجة اني بقيت عارف في ديني اللي ميعرفوش شيوخ كبار، الراجل اللي ساب لنا سُمعة طيبة نقدر نعيش عليها ١٠٠ سنة، كانوا بيقولوا مات الشيخ كشك الشهير وجه الشيخ كشك والدي.

بس الغريب ان قلبي بدأ يتقبض بطريقة غريبة ليلتها، استعذت بالله من شر القبضة الغريبة دي وصليت ركعتين ونمت، وفي نومي شوفت ابويا داخل من باب حديقة شكلها حلو اوي وانا واقف عمال اتفرج عليه وانا مبتسم، وأول ما شافني رجع حضني بقوة وراح ناحية الحديقة، بس الغريب انه وقف قدامها وظهر عليه بعض الضيق شوية..

وصحيت من نومي، صحيت وانا حاسس بشعور الحضن اللي والدي حضنهولي في الحلم، وقبل ما احاول أفسر الحلم تليفوني رن، وفجأة سمعت الجملة اللي خلعت قلبي:

– أ‌. أحمد كشك، والدك عامل حادثة على الطريق الدولي وهو دلوقتي في مستشفى الحياة.

ووقعت من طولي، وقعت وانا جوايا عارف انها النهاية، الحديقة والرحيل، الحضن والوداع، وسقطت دموعي بغزارة، سقطت ودعيت ربنا وقتها الصبر والثبات والرحيل بسلام, واتصلت بواحد صاحبي عنده عربية وانطلقنا بعد صلاة الفجر ناحية مستشفى الحياة، وطول الطريق كنت بدعي ربنا زي ما والدي علمني بادعيه باسم اللطيف، بدعيه عشان ييسر الأمور الصعبة اللي مبتتيسرش إلا بأمر الله..

ووصلنا المستشفى اللي كانت مقلوبة بسبب الحادثة اللي حصلت على الطريق, وهي الحادثة اللي حصلت لوالدي والناس اللي كانوا معاه, وبدأ يخرج كشف مبدأي بأعداد الوفيات والمصابين, وخرج كشف الوفيات وكل الأهالي اللي حضروا ايديهم على قلوبهم من الخوف والرعب, وللأسف مكنش فيه في الكشف غير اسمين وبس

“كِشك عبدالله كِشك”

“رحمة”

ووقعت من طولي وقتها وانا عمال أردد لا حول ولا قوة إلا بالله ودموعي بتسيل على خدي بغزارة, روحت على ادارة المستشفى عشان أخلص اجراءات الخروج بس اتفاجئت ان ابويا والجثة التانية اللي معاه لازم يدخلوا المشرحة عشا تقرير الطب الشرعي لأن البعض شاكك انها حادثة مصطنعة, ودخلوني في حوارات واجراءات قانونية غريبة, واتقهر قلبي لما عرفت ان الشيخ كِشك في آخر حياته يبات في المشرحة, طمنوني انهم مش هيقربوا من الجثمان وانما هو تشريح مبدأي وبس وان ده أمر ضروري عشان لو الحادث كان مصطنع..

ولما سألت والدي هيقعد وقت أد ايه في المشرحة اتقالي انهم تلت أيام لحد ما يخرج, حاولت معاهم مرة واتنين وتلاتة بس مكنش فيه أي أمل انه يخرج غير بعد تلت أيام, وعلى آخر اليوم صاحبي خدني عشان نرجع نستريح ونتابع معاهم يوميا لحد ما الجثمان ما يخرج, كنت حزين حزن السنين وقتها, حزين وحاسس ان الدنيا كلها سودة في وشي..

ورجعت الشقة صليت وبكيت كتير أوي لحد ما نمت, نمت نوم غريب كله قلق واضطرابات, بس لما صحيت منه وانا مشوش شوفت والدي واقف قدام سريري وعلى ملامحه غضب شديد, وكانت معاه بنت صغيرة واقفة وعمالة تتحامى في ضهره بطريقة غريبة وتبصلي من ورا جسم والدي بخوف, بصيت لوالدي بذهول ورددت:

– انت عايش يا حاج

فضل باصص ناحيتي وساكت مبيتكلمش, وانما نفس النظرات, نظرات الغضب بدون أي كلام, وبعد كدا خرج من باب الاوضة في صمت تام, قمت من على السرير وجريت في الشقة أدور على والدي بس مقدرتش الاقيه أبدا في الشقة, وقتها افتكرت انه ميت, وانه موجود في المشرحة, ورجعت أبكي من تاني, أبكي كتير أوي..

وتاني يوم كنت عند المشرحة بحاول أتفاوض معاهم من تاني عشان يخرجوا الجثمان, بس برضه كانت الحِجة ان التشريح المبدأي لسة مخلصش وانهم هيحتاجوا يومين كمان, ورجعت البيت في حالة أسوأ الف مرة من حالة امبارح, وبعد بكاء طويل وقعت من طولي ونمت مرة تانية..

ونفس اللي اتكرر ليلة امبارح اتكرر مرة تانية, فقت من نومي وانا حاسس بتشويش, كأني بين عالم الصحيان وعالم النوم, وشفت والدي من تاني واقف قدام سريري غضبان ومعاه نفس البنت الصغيرة اللي كانت بتتحامى فيه وخايفة, بس الموضوع بدأ يتطور وشوفت حاجة سودة ملهاش أي ملامح وبتحاول تشد البنت بالعافية, وهي متمسكة بوالدي وهو ماسك فيها بكل قوته مش عايز يسبها, البنت كان بيطلع منها صوت أنين مُخيف, كأنها بتتقطع بالسواطير, ووالدي ولأول مرة أشوف دموعه بتنزل قدامي, دموع من دم..

المشهد كان بشع, خلاني صحيت من نومي وانا منفوض وخايف, وفضل قلبي يدق مرة واتنين وتلاتة لحد آذان الفجر وانا كنت لسة قاعد مكاني هتجنن من اللي بشوفه ده, مين البنت دي, وليه ابويا بيجيلي بالشكل ده وهو غضبان أوي..

بس في الليلة التالتة وتقريبا كانت الساعة 11 بالليل وكنت هربان من التفكير بالنوم, فوجئت بخبطة غريبة في الأوضة, وفقت كالعادة وانا مشوش عشان أشوف والدي واقف ومعاه البنت, بس الغريب ان البنت كانت هدومها مقطعة, وفيه أجزاء من عورتها ظاهرة وعمالة تبكي بنفس صوت الأنين وهي ماسكة في والدي بكل قوتها, وظهر من تاني نفس الكيان الغريب وبدأ يقطع هدومها ويكشف جسمها اكتر, وهي تئن اكتر ووالدي يظهر عليه الغضب, وبدأ وجهه يحمر, ويزيد في الاحمرار لحد ما صرخ صرخة نفضتني من على سريري وقال:

– قوم انجدها

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *