عاده
انا فيا عادة قذرة جدا جدا، ويمكن عاملة زي الإدمان مش عارف اتخلص منها، انا واحد بيتجسس على كل الناس، ومش تجسس بسيط، انا براقبهم يوميا من البلكونة بتاعتي بالمنظار اللي كنت جايبه يوما ما لحلم كبير..
وبما اني ساكن لوحدي عشان مغترب للدراسة، وبما اني مبزاكرش من الأساس والشقة مفيهاش نت والتلفزيون قديم فقعدتي المفضلة في البلكونة..
وفي الجهة المقابلة عمارة كاملة كبيرة جدا، وعلى مسافة كبيرة جدا، يعني كلهم فاتحين الشبابيك ومديين الأمان لأقصى درجة..
وانا بقا أدمنت موضوع اني امسك المنظار وافضل اراقب الناس، عمارة كاملة ضخمة ببلكوناتها وشبابيكها، كلهم تحت عنيا، المنظار كان بيجيب تفاصيل الملامح من قوته..
وبما ان انوار الشوارع والعماير ساطعة زي الشموس فانا كنت بقدر اشوف كل التفاصيل بسهولة..
امبارح شوفت بنت واقفة في البلكونة بتتكلم في التليفون وبتلعب في شعرها، تقريبا بتكلم واحد بتحبه، البلكونة التانية كان فيه راجل واقف بفانلة داخلية وعلى وشه هم السنين..
الراجل ده قرفان من مراته وحياته وشغله تقريبا..
كان فيه بنت مشغلة موسيقى وبترقص في اوضتها، كان الشباك مفتوح بسيط، بس كنت شايف كل تفاصيلها..
كان فيه شاب بيدخن سيجارة في بلكونة تالتة ومستمتع جدا، من شباك تاني شايف واحدة ست بتتفرج على التلفزيون وشكلها مستنية المـ,ـوت من كتر ما كبرت..
كنت ببقا منتشي جدا، جدا، حاسس اني ملك بيراقب الرعية، الكل بيعمل اللي هو عاوزه وميعرفش اني براقبه، شايفه، وقريب جدا هحاسبه..
وغرقت في افكاري، تخيلت اني ملك على عرشه وبيراقب افعال الشعب، واللي يغلط يتحاسب..
شهوة، شهوة تخطت شهوة الجنس، شهوة المعرفة والتسلط على الغير، انا عارف ان ده غلط كبير..
بس اللي بيدخن عارف انه غلط، واللي بياكل اكل ممنوع وعارف انه مضر بصحته عارف ان ده غلط..
انهاردة شربت الشاي بتاعي وطلعت المنظار ثبته على السور مع غروب الشمس، وبدأت جولتي المعتادة..
بدأت بشباك البنت اللي بترقص بس كانت نايمة كالعادة، مانا خلاص عرفت مواعيد صحيانها، روحت علي شباك الست العجوزة لقيتها على كرسيها ولسة بتابع التلفزيون، وطلعت بالمنظار لفوق، لفوق لحد السطح..
اتفاجئت بحاجة غريبة جدا، كان فيه بنت ماشية على حافة السور وفاتحها دراعاتها زي الطير، قلبي دق بسرعة من المشهد وركزت علي ملامحها..
كانت بنت شابة، ملامحها بريئة جدا، فضلت اراقبها وهي رايحة جاية على السور، كانت مبتسمة، فرحانة..
كنت بردد بصوتي:
– يا مجنونة
مفيش لحظات لقيتها اختلت ووقعت، وقعت من فوق عمارة تمن ادوار، شهقت من الرعب ونزلت بالمنظار بسرعة تحت بس ملقتش حاجة..
بصيت على السور ملقتش حاجة، اي الهلاوس العجيبة دي، بس بصراحة ابتسمت، ابتسمت من فرط الاثارة اللي كنت حاسس بيها..
دخلت عملت كوباية قهوة ورجعت تاني، و و
ولقيتها تاني، عمالة تمشي على السور وتترنح مع الهواء، فاتحة دراعاتها ومبتسمة..
بعدها نزلت على السور، وبصتلي..
والله العظيم بصتلي وشاورتلي، ايه الجنان ده، دي المسافة بينا استحالة تخلي حد يشوف حد، بس الاغرب اني لقيتها ماسكة منظار وبتبص ناحيتي..
يابنت المجانين، ابتسمت اوووي، اخيرا لقيت واحدة مجنونة بتشاركني هواياتي، فضلت تشاور جامد، كانت عايزاني اروحلها..
بصراحة اتوترت اوي، مكنتش عارف انا ممكن اعمل ايه، بس مستحيل اضيع فرصة زي دي، جريت لبست هدومي وظبطت شعري، خدت مفاتيجي ونزلت من عمارتي..
وعديت الطريق وانا بجري، كانت مسافة ميت متر تقريبا، وطلعت العمارة، طلعت لحد ما وصلت للدور الأخير..
وطلعت السلم العمودي بتاع السطح، وفجأة لقيت نفسي ع السطح..
السطح كان كبير، قربت من المكان اللي كانت واقفة فيه بس مكنتش موجودة، كنت واقف متوتر، مش عارف انا ممكن اعمل ايه..
كانت عند السور فيه لمضة منورة اضاءة ضعيفة، اما باقي السطح كان غرقان في الظلام، وفي عز توتري سمعت صوت من اخر السطح بيتكلم، كان صوت بنت:
– كنت فاكرة انك مش هتيجي
الصوت خضني جدا في البداية بس تمالكت نفسي سريعا وجاوبت:
– مينفعش تطلبيني ومجيش
– عجبتني جرأتك
– ولو عرفتيني هتعجبك كل حاجة فيا
– ويا ترى انت لو عرفتني هتحبني
– انا شوفتك وحبيت جرأتك، شوفتك وانتي ماشية على السور
– بس ده مش سبب يخليك تحبني
– بس سبب يخليني اعجب بيكي، انا عاوز بنت مختلفة، مجنونة، جريئة
– احلام مراهقين
– بس انا مش مراهق، انا عندي ٢٢ سنة
– ميهمنيش عمرك، بس مش عيب انك تتجسس علي الناس، مش خايف تحصلك مشكلة كبيرة بسبب ده
– انا عارف انه غلط، بس انتي بتعملي ده انتي كمان
– انا معملتش ده، انا بس عملته عشان اوهمك اني شوفتك من خلال المنظار مش من خلال عنيا
بصيت للضلمة بخوف وتوتر وقلت:
– قصدك ايه
– قصدي انك غبي، عشان شوفتني بقع من على السور ومع ذلك جيت، جيت لواحدة ميتة
رجعت بخوف تجاه السور وجسمي بدأ يترعش واتكلمت بتوتر:
– انا مش فاهم حاجة
ومن قلب الضلمة سمعت صوت زحف، حاجة بتزحف، حاجة ثقيلة، ولما بدأت تقرب من الاضاءة الضعيفة شوفتها..
بنت ضهرها مكسور نصين، رجليها وايديها واخدين وضع معكوس رهيب، وهدومها كلها دم، وكانت بتزحف ناحيتي، وشها كان كله دم، وكانت مبتسمة وبتضحك، بتضحك بصوت مروع..
وبقيت ورايا السور وهي قدامي، وجسمي كله بيتنفض، شعر راسي شاب وقلبي اتفتت من الفزع..
بكيت لأول مرة، بكيت من الخوف وانا برجع ناحية السور، لقيتها بتتكلم بسنان متفتتة:
– اطلع على السور واعمل زي ما كنت بتشوفني
تقريبا انا كان جسمي كله منهار، رجليا مش شايلاني، عاوز اقع من طولي بس مرعوب اقع قدامها..
وطلعت على السور، طلعت والدنيا كلها بتسود من حوليا، سمعت صرختها اللي رجت كياني كله، قولتلك يالا امشي..
وبدأت امشي، فتحت دراعاتي عشان اتوازن، بس في العادي كنت اقدر، انما مع رعبي ده لحظات بس واختل توازني، اختل عشان اقع من فوق، من فوق عمارة تمن ادوار..
عشان احس بالهوا بيضرب جسمي، عشان اصرخ بأعلى صوتي، وغمضت، غمضت عنيا عشان فجأة احس بحاجة بتمسكني بعنف من جسمي، بالأخص من هدومي..
بصيت بفزع لقيتني متعلق في منشر بلكونة من البلكونات، وصرخت بأعلى صوت، صرخت وصرخت وصرخت..
وفجأة لقيت حد خرج للبلكونة، مسكني بقوة وشدني قبل ما اقع، طلعني ووقعت جوة البلكونة وفضلت اتنفض، اتنفض وبس..
الراجل كان بيحاول يساعدني بس انا مكنتش بنطق، سمعته بيقولي:
– انت مين وكنت بتعمل ايه فوق
وانا مش قادر انطق، ضهري كله كان بينزف دم بغزارة، منشر البلكونة الحديد قطع لحم ضهري كله..
الراجل حاول يوقف الدم وخدني وجري بيا علي اقرب مستشفى، دخلت الطوارئ واتخيط الجرح ١٥ غرزة، بس الحمد لله مكنش خطير اوي..
وخرجت مع الراجل لسة بترعش، مصدوم، مش قادر اتكلم، خدني بيته وقعدت انا وهو في الصالة عنده، وفين وفين لما قدرت اتكلم..
حكتله كل حاجة وانا ببكي، ندمان، الراجل منطقش، بس لما ركزت معاه اكتشفت ان هو الراجل اللي كان بيقف بالفانلة الداخلية وكنت بشوفه..
لقيته قالي تعالى معايا، نزلنا على السلم دور ولقيته بيخبط على شقة من الشقق..
فتحت واحدة ست عجوزة فسألها الراجل اللي كان اسمه أسعد
– ام رؤى موجودة
اومأت براسها وقالتلنا:
– اتفضل يا أسعد
دخلنا صالة البيت ومسكت نفسي بسرعة، كانت نفس الست اللي بتفرج عليها على الكرسي بتتفرج على التلفزيون، كانت تايهة في مكان تاني، وكأن عندها زهايمر او مرض في عقلها..
والأفظع كان اللي شغال علي التلفزيون، كانت البنت ماشية علي السور، فيديو متسجل علي كارت تقريبا شغال على الشاشة، وفضلت البنت ماشية لحد ما وقعت..
جسمي كله اتنفض، نفس المنظر اللي شوفته وانا براقبها بالمنظار.. لقيت أسعد اتكلم وقال:
– رؤى كويسة يا ام رؤي
– ايوة وبتلعب اهي ع السور، بس وقعت واتعورت، بس هي جاية دلوقتي، هتيجي دلوقتي
وقام أسعد باس علي راسها وقالي يالا بينا..
فضلت باصصله مش فاهم حاجة، قالي ان رؤى ماتت من سنتين، كانت بتطلع على السطح يوميا تمشي على السور، كان عندها مرض نفسي، وكان بتحط الكاميرا وتصور نفسها وهي ماشية على السور، وللأسف وقعت في يوم من الأيام، وقعت والكاميرا صورت، ولما شالوها ودفنوها لقوا الكاميرا ع السطح، ولما الأم شافت الفيديو عقلها ادمر، وبقت يوميا بتقعد قدام التلفزيون تشوف الفيديو طول اليوم، ولو حد فصله تصرخ وتصرخ لحد ما يشغلوه تاني، واختها بتخدمها من يومها..
وقتها بكيت، بكيت وخدني في حضنه زي العيل الصغير، كنت خجلان، خجلان من اللي كنت بعمله، ليه دخلت البيوت وشوفت اهلها..
كل واحد عنده همه اللي شاغله، ليه اوكل نفسي رقيب عليهم، ليه، ليه كل واحد مننا ميبقاش في حاله، ميدخلش في حياة غيره ابدا ويسيب كل واحد للي خلقه..
سامحني يارب، سامحني يارب
“ولا تجسسوا”
……………..