رواية كامله.. 2

رواية بصائر تغشاها الثرى.
بقلم دفنا عمر.
الفصل السابع
———
أوصدت باب غرفتها وهي تلـ,ـهث مصارعة أنفاسها الهاربة كي تعود وتنتظم بصدرها الثائر..لقد نجت ,من مـ,ـوت مُحقق..لولا انشغال ريان بزوجـ,ـته لما تركها حيّة..ارتمت گ خرقة بالية أرضًا لا تقوى على الوقوف لاتزال تتعـ,ـارك مع أنـ,ـفاسها لتهدأ.
( ازاي قدرتي تعملي كده في نفسك؟)
هزت رأسها بعـ,ـنف  ترد على الصوت الّذي صدح داخلها من العدـ,ـم ( محصلش حاجة أنا لسه زي ما انا)
ليجادلها صوت ذاتها بقـ,ـسوة.
( لو ضحى اتأخرت كان حصل وضيعتي شرفك زي ما ضحيتي بأخلاقك وضميرك)
لت,,سد أذنيها بقوة ولاتزال تهز رأسها برفـ,ـض لحقيقة نفـ,ـسها المخـ,ـزية.
( كانت غلـ,ـطة.. مكنتش في وعيّي)
ليتجسد لعين خيالها شبيهة لها تقف أمامها ترمقها كأنها تنظر لروحها في مرآة.. مرآة جرّدتها من عباءة الستر لترى نفسها بذات الغِلا,,لة التي استحلتها تفضـ,ـح سائر جـ,ـسدها..تقترب منها شبيهتها وعيناها تزرف خيوط من الدـ,ـماء صـ,ـارخة عليها
(خونـ,ـتي ثقة صاحبتك فيكي..طمـ,ـعتي في جوزها وحاولتي تخـ,ـطفيه)
برع,,ب أغمض جيلان عيناها علّها تهرب من مطاردة انعكاسها القبـ,ـيح لكنها رغم إسدال جفنيها تراها تقترب بنظرات قا,سـ,ـية تلو,مها.. تحتـ,ـقرها.. وتصرـ,ـخ عليها من جديد.
( دمرتـ,ـي حياتهم.. مفيش حاجة هترجع زي ما كانت كل حاجة انتهت بسبب خيـ,ـانتك)

لتصـ,ـرخ جيلان.
( مكنتش في وعيي.. كنت عايزة انـ,ـتقم لكرامتي.. مقابلتش حد في حياتي ذلـ,ـني أدّه)
لترد شبيهتها ساخرة.
( قصدك مقابلتيش حد محترم زيه.. عاقبتيه على وفاءه لزوجته وإخلاصه، ذ بحـ,ـتيه بسكّي ن الغدر.. خربتـ,ـي بيت كان سعيد ومتهني قبل ما تبخي سمّك فيه)
لتهز رأسها بعنـ,ـف ولاتزال عيناها مغمضة تبرر لنفسها قـ,ـبح أفعالها.
( معرفش عملت كده ازاي.. انا كنت مغلولة وعيوني مش شايفة غير اني انتقم لكرامتي وأذيه)
لتصرخ جيلان بعدها بصوت اشبعه الحقد
( ليه رفضـ,ـني..كان حبني في السر وحسسـ,ـني اني زيها ولو ساعة واحدة.. كان نفسي اكون مكانها وادوق مشـ,ـاعره معاها واجربها)

(واديكي ج,,ربتيها في الحـ,ـرام.. خدعـ,ـتيه وخلتيه يقرب منك ويستحلك وهو فاكرك مـ,ـراته)
لتصرخ علّها تجد مبرر يضعه بدائرة الخـ,ـيانة معها.
( لأ.. مش ممكن يكون محسش بالفرق.. هو كان عارف اني جيلاني..ايوة هو عرفني وكمل برغبته..لو ضحى اتأخرت كان…)
(كان ضيعك وكنتي خسـ,ـرتي اللي باقي من شرفـ,ـك) .

صر,,خت عاجزة عن مجابهة روحها التي تبارزها وتعرّي سوّءات روحها بق,,سوة..لا تطيق النظر لنفسها..تسد أذنيها علها لا تسمع.. تغم,,ض عيناها ربما لا ترى.. لكنها رغم كل هذا تسمع وترى كل شيء وعقلها يجلدها ويصور لها مشهد خداعها المتقن له كي يظنها زوجته..لم تترك له فرصة ليفترض انها ليست هي..استباحت غرفتها وغِلالتها وعطرها وطعم عشـ,ـقها الذ,,ائب في فمها بحلوى  يفضلها ريان.. اغرقته بعاصفة نهمها لعاطفة محرمة ليست من حقها..تمنت لو استسلم مرة وا,,حدة لها.. وكادت ان تجعل قدمه تنزلق لدنس الرذيلة وهي تخدعـ,ـه لولا حضور ضحى.
هنا ارتفع صوت بك,,ائها وانهيارها ولم تعد ترى شبيهة روحها اللائمة كأنها اختفت بعد أن أتمت مهمتها كاملة وج,,علتها ترى حقيقتها البشعة دون زيف..لقد خانت ضحي.. رفي,,قتها الوحيدة.. من كانت حقا تحبها وتصب أسرارها لها مطمئنة انها لن تخ,,ون.. لكنها خـ,ـانت..اسـ,ـتغلت كل أسرارها لتـ,ـدمر حياتها.. تركت شيـ,ـطانها يعبث بها ويحركها كما يشاء.. تركته ينتصر عليها.. وانتصر.

_ مالك يا ض,,نايا فيكي ايه؟!

بفزع اقت,,حمت والدتها غرفتها تتلق,,فها بين ذراعيها مذ,,هولة من دمو,,عها وحالتها الغريبة.
_ حصلك ايه يا نور عيني؟
بلهفة تشبثت بوالدتها كأنها وجدت قشّـ,ـتها وسط أعاصير أفكارها الجارفة اللّائمـ,ـة لها وصوت ضميرها الّذي يعذبـ,ـها دون رحمة أو شفقة.

_ خبيني يا ماما.. أحميني..هيمـ,ـوتني.
الأم بل,,وعة.
_ احميكي من إيه يا ضنايا.. مالك بس يا جيلان فهميني..ومين ده اللي هيمـ,ـوتك يا حبيبتي؟

لا تدري منْ أيهما تسـ,ـتغيث؟ من ريان؟ أم ضميرها الّذي استيقظ بعد غفلتها وليّته ما فعل.. ليّته ظل برُقاده گ المـ,ـوتى.. ليّته يتركها ويعود لقـ,ـبره.

_ استعيذي بالله من الشيـ,ـطان الرّجيم يا بنتي.. متخـ,ـفيش من حاجة وأنا معاكي.. هقرأ عليكي الرقّية الشرعية وهتبقي زي الفل.

كانت جيلان ترتج,,ف بين ذراعي والدتها الّتي بدأت تقرأ القرآن لتصرخ وتنتفض كأن مسها شيطـ,ـان.
_ لأ كفاية.. كفاية يا ماما بلاش قرآن.. أنا مينفعـ,ـش اسمعه..بلاش تعذبيـ,ـني بيه ابـ,ـوس إيدك اسكتي.

بدأت العجوز تبكي من حال ابنتها العجيب وراحت تنتحب لأجلها عاجزة عن فهم ما أصابها.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. جرالك يا نور عيني..ليه خايفة تسمعي القرآن.. ده أكتر حاجة تحميكي وتريح قلبك.
صر,,خت عليها بانهيـ,ـار.
_مش هيح,,ميني يا أمي.. أنا بالذات مش هيحميني..أنا حاسة أني بتح,,رق يا أمي بتح,,رق.
وظلت تب,,كي وتحـ,ـترق روحها مثل شي,,طان مل,,عون منبوذ من رحمة ربه. .ليزداد بكاء والدتها ولو,,تها وراحت بخفـ,ـوت ش,,ديد ته,,مس بالقرآن وتحتضن صغيرتها ربما تسكن روحـ,ـها الطُمأنينة.
_______

يجلس أرضًا عيناه فاقدة بريق الحياة ولاتزال الصد,,مة تسيطر عليه.. يشعر أنه غارقًا في كابو,,س يج,,ثم على صد,,ره ويخ,,نق أنفاسه..لابد أن كل ما صار ليس حقيقيًا..لم يحدث شيء حين عاد للبيت.. المنزل كان فارغًا.. لم يكن أحدًا في غرفة نومه..ربما شاهد فيلمًا من أفلام الرعـ,ـب الّذي يفضله ثم نام بهدوء حتى الصباح.. وسوف تأتي ضحى بين لحظة وأخرى من بيت أبيها و توقظه وتقول له ( يلا يا حبيبي أحنا جينا قوم عشان نفطر) وسوف تعتلي طفلته صغيرة الحجم ظهره مثل العصفورة تغرد بشقا,,وة ليستجيب لها من نومـ,ـه ويدللها فتضحك بين يديه..سوف يعدها بما أنه يوم عطلته أن يتنزهوا في مكان تحبه ليعوض غيابهما..فليرّأفا به ويوقظوه الأن قبل أن تضـ,ـيق أنفاسه أكثر من هذا و ذاك الكابوس المفزع يعـ,ـذبه بتفاصيله.

_ يا أستاذ.. أصحى يا أستاذ ريان.
أفاق على صوت الطبيب لينظر حوله بذهول كأنه يعي الأن أنه كان غافيا بالفعل وفي المشفى.. وعى أن كل ما صار حقيقة تمزق روحه..نهض بما ضل من قواه يسأل بلهفة عن حال زوجته..أظـ,ـلم وجه الطبيب بأسف وهو يخبره.
_ الوضع مش مطمئن.. المـ,ـدام في غيبوبة بسبب صدمـ,ـة عصبية اتعرضت لها وحاليًا هتفضل تحت الرعاية لحد ما تسـ,ـتجيب ويرجع وعيها.

ه,,طلت الدمـ,ـوع ببطء من عيناه ليواصل الطبيب يّعدل نظارته كأنه يمهد له خبر آخر لن يروقه.
_ هو في حاجة كمان حصلت ولازم تعرفها بما إنك زوج المريضة.. الأنهـ,ـيار العصبي اللي حصلها سبب لها إجهاض وفقدنا الجنين.

اتسعت عين ريان الدامعة بذهول وهو يردد.
_ جنين؟!
أومأ الطبيب.
_ أيوة، مدام حضرتك كانت حامل في تلات أسابيع وبما إن الحمل في الوقت ده بيكون لسه مش ثابت للأسف حصل إجـ,ـهاض بسبب حالتها النفسية.
ثم ربت على كتفه بأسف.
_ ربنا يعوضكم إن شاء الله.

أنزلق جـ,ـسد ريان گ الصرح الّذي أنهارت أعمدته وصارت روحه مفتتة گ ذرّات تراب معلقة في الهواء ليس لها مآوى ترسوا إليه..لا شيء يعبر عنه الأن أكثر من شعور الضـ,ـياع والتشرد..كان يمتلك عائلة جميلة على وشك أن تكبر وبيت دافيء سعيد والأن تبخر كل شيء من يديه دون أن يفعل ما يستحق عليه ذاك العقاب المُدمّـ,ـر..لتبرق عيناه ببريق مخيف وهو ينهض كأنه يلملم فتات روحه من جديد ويستعيد كامل قوته متوجهًا لمن دمرت حياته وهدمـ,ـت بيته.
_______

صوت طُرقاته على الباب كان مفـ,ـزعًا لتنتفض جيلان من بين ذراعي والدتها النائمة على صوته يصرخ عليها لتفتح بابها وتتلق,,ى عقـ,ـابها..انغمسـ,ـت بصدر والدتها برعب وهي تسـ,ـتغيث بها.
_ أوعي تفتحي يا ماما.. هيمـ,ـوتني.. جاي يقتلني. استجمعت والدتها إدراكها بعد غفوتها وهي تتسأل بفـ,ـزع وعيناها لا تزال مُكحلة بظـ,ـلام النـ,ـوم.
_ يا ساتر يارب حصل أيه.. مين جاي السعادي يخ,,بط علينا بالطريقة دي؟
عادت جيلان تهذي وجسـ,ـدها يرتجـ,ـف رعبًا تحذرها ب,,صوت مبحوح متشبثة بها تشبثها بالحياة.
_ أوعي تفتـ,ـحي الباب..بقولك هيمـ,ـوتني يا ماما.. هيـ,ـنتقم مني ومش هيسبني.

حاولت والدتها التملص منها وصوت طرقات الباب تزيدها هـ,ـلعًا وخـ,ـوف.
_ سيبيني يا بنتي اشوف مين بيخـ,ـبط علينا كده.. الباب هيتـ,ـكسر والناس كلها هتتلم علينا.
وتركتها عنوة وهي تهرول نحو الباب لترى من هذا الطارق الثائر بينما أسرعت جيلان تغلق الباب عليها تـ,ـحتمي من بطش ذاك الغا,,ضب بها.. حتمًا ريان سوف يقتـ,ـلها.. لن يتركها حيّة بعد الأن وسوف ينتقـ,ـم.

_ هي فين؟.. الأفعى فين خليها تطلع من جـ,ـحّرها تواجهني.. أطلعي يا حقي,,رة وريني نفسك.. اطلعي أحسلك لأني مش هسببك.

هكذا اندفع ريان فور أن فتحت العجوز بابها يصـ,ـرخ متخطيًا للداخل يدور بالأرجاء گ ليث جريح روحه تترنح وتنزف لكنه يقاوم كي يثأر لنفسه ولزوجته وابنته وطفله الّذي لم يُكتب له النجاه..تلك النّطفة البريئة التي احترقت بنيران الغـ,ـل والحـ,ـقد.. تلك الأفعى لم تقضي عليه وحده بل على كل عائلته..لم تترك له فرصة لينجو وينجون معه.. دفع ثمن ذنـ,ـب لم يقترفه..وخطأ لا يعر,,فه..وصمتّه تلك الحيّة بعـ,ـار الخـ,ـيانة رغم أنه لم يخـ,ـنْ يومًا.

_ ايه يا ابني الكلام اللي بتقوله ده فهمني.

التفت ينظر للعجوز المتعجبة بنظرة مملوءة بسـ,ـخطه واستـ,ـحقاره لها وهو يصـ,ـب عليها غض,,به.
_ عاي,,زة تفهمي؟ حاضر هفهمك.
ثم اقترب و,,عيناه يتطاير منها شرارت كره وغل وقسـ,ـوة يكفوا لحـ,ـرق من أمامه حـ,ـرقًا.

_ أنتي أم فاشـ,ـلة معرفتيش تربي..كبرتي أفـ,ـعى وخلتيها أول ما بخت سمها بخته في أعز صاحبة ليها.. ضحى المسكينة اللي كانت بتحبها ومعتبراها أخت ليها.. بنتك ضيعتها مني وخربـ,ـت بيتي.

ه,,زت رأس,,ها بذهول مسـ,ـتنكرة ما يقوله ليزيدها ريان.
_ ايه مش مص,,دقة كلامي؟ طب اسألي بنتك كانت فين امبارح بالليل.. قوليها عملتي ايه في صاحبتك.. روحي اسأليها مع أنها أكيد مش هتج,,اوبك.

صياح,,ه وص,,راخه ج,,ذب الجيران لتفتح بيبانها تسترق السمع دون مجهود وصوت ريان كان گ صوت آذان فجر يوقظ النائمين.. صراخه كان صراخ رجل جريح مقهور يتـ,ـألم.

_ أنا هقولك اللي مستحيل هي تعترف به.
ثم نظر للجيران الّذين قادهم فضـ,ـولهم ليقتحموا البيت ويتحلّ,,قوا حوله في ردهة البيت كأنهم يشاهدون عرضًا نادرًا بعيون مت,,سعة ن,,همة لمزيد من التفاصيل والخـ,ـبايا.

ليبدأ ريان بتمزـ,ـيق ستائر سترها وهو يقص ما صار بلوعة و وجع.

_ المحترمة اللي ما شافتش ريحة تربية طمعت في جوز صاحبتها..حاولت تخليني اخـ,ـون ضحى مـ,ـراتي معاها.. ولما صدتها و وقفتها عند حدّها وهددتها تبعد عننا ومتحاولش تتصل بمـ,ـراتي وتكلمها تاني.. قررت ترد إهانتي ليها اللي كانت أقل رد تستاهله على وقـ,ـاحتها.

ثم استدار لينظر بقوة لأحدـ,ـاق الجيران المتسعة مردفًا بذات الص,,خب الغـ,ـاضب.
_ س,,رقت مفتاح شقـ,ـتنا وعرفت إن مراتي مش في البيت امبارح ودخلت بيتنا وأوضة نومنا.. مش بس كده.. لبست ق,,,ميص مراتي اللي عرفت منها اني بحبه وحطت من برفانها وعملت حتى نفس تسريحة ولون شعرها.. عملت كل ده عشان تخد,,عني فيها.. وفعلا بعترف اني اتخدعت..أنا راجل دخلت بيتي لقيت واحدة واقفة في أوضة نومي طبيعي افتكرها  مراتي.. كان النور مطفي مش شايفها و عمري مكنت هتصور ان اللي في أوضـ,ـة نومي دي مش مراتي..فرحت وجريت عليها احضنها، سابتني اقرب منها واستغلت ان النور كان مطفي.. كنت في اللحظة دي زي اي زوج ملهوف على مـ,ـراته في لحظة خ,,اصة بينهم لدرجة مقدرتش اخد بالي انها منـ,ـطقتش كلمة واحدة من وقت ما دخلت عليها.. لأنها عارفة مع أول كلمة هكشفها.

ليصر,,خ بنفور وهو يتذكر لحظه قربه منها.
سابتني اعاملها انها مراتي حتى لو كان التمن ان الحقيرة تفقد شرفها.. كان عندها استعداد تضرحـ,ـي بشـ,ـرفها عشان تحقق انتقـ,ـام رخـ,ـيص زيها.

لترتخي يده جواره وكأنه فقد قوته دفعة واحدة مسترسلا بوهن ـ,ـالقلب.
_ جت مراتي وشافتنا بالوضع ده.. قولولي ازاي اخليها تصدق اني مظلوم ومش خاين وإن اللي شافته ده مش هو الحقيقة؟ طب ازاي ارجع ابني ولا بنتي اللي راحوا مني قبل ما يجوا ع الدنيا لأنها اتسببت في اج,,هاضها؟. ازاي ارجع حياتي زي ما كانت سعيدة وهادية؟.

تبدل حال أحداق الجميع من الذهول للشفقة والبعض تسربت دموعه من حال ذاك الرجل الّذي يترنح أمامهم گ المذبـ,ـوح.. بينما جارتهن العجوز غارقة بذهولها لا تصدق أن ابنتها فعلت كل هذا.. لا تصدق أنها ردّت لصديقتها الإحسان بالغـ,ـدر.. الحب بالبغض.. عاقبت الرجل على وفاءه وإخلاصه.. كيف ربت ابنة مثلها؟ كيف صارت هكذا؟

في حين اقترب ريان لباب غرفة موصد ظنّه جحّر الأفـ,ـعى تختبيء خلفه وتمتم بصوت يقطر نقمة وغضب رغم خفوته.
_ مستخبية مني دلوقت؟ مش كنتي مستعدة تسلمي نفسك ليا من غير ذرة خجل أو ضمير او أخلاق؟ خـ,ـايفة مني؟ طب مش كان الأوّلى تخـ,ـافي من ربنا؟
ليصمت قبل أن يلعنها بصوتٍ اختزل به كل مقته وبغضه لها.
_ روحي ربنا ين,,تقم منك.. ربنا يكسر قلبك زي ما كسرتي قلبي وقلب مراتي.. ربنا يحرمك من السعادة زي ما حرمتينا منها.. ربنا يكويكي بنا,,ر الهجر من أعز حد بتحبيه في حياتك عشان تجربي اللي أنا فيه..عمري ما هسامحك ولا ابطل ادعي عليكي في يوم.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.

ليطلق وعيده بصوت أكثر قسـ,ـوة.
أسمعي يا حي,,وانة..أول ما مراتي تفوق من الغيب,,وبة هتيجي غص,,ب عنك زي الكـ,ـلبة تعترفي بحقارتك وخيـ,ـانتك ليها وتقولي كل حاجة.. وإلا قسمًا عظمًا ما هس,,يبك في حالك.

بتلك اللحظة سمع صوت ارتطـ,ـام جـ,ـسد والدتها تسقط أرضًا فاقدة الوعي.. لم تتحمل هذا الطوفان الّذي قلب حياتهما وزلزلها.. لم يتقبل عقلها حقيقة ابنتها.. ليصـ,ـرخ أحد الجيران بفزع.
_ ألحقونا حد يطلب الإسعاف..الست قطعت النفس.

رمقها ريان دون شـ,ـفقة ومضى في طريقه يغادر ولازال يترنح بين جدران ك,,بوسه المفـ,ـزع..كابوس ليته يستيقظ منه ويجد حياته كما كانت.. لكنه يعلم أن عقـ,ـارب الساعة لا تعود أبدًا للوراء.
________

ع,,صفت عيناها بضيق حين أملى عليها قراره لتجادله برف,,ض واستـ,ـنكار.
_ أنت بتقول ايه يا هاشم؟
أخبرها ببرود.
_ اللي سمعتيه يا غنى..أبويا هايجي يعيش معانا.
_ وده بمناسبة إيه إن شاء الله؟!
أجاب بذات الهدوء الثلجي.
_ بمناسبة أنه راجل كبير وبقى لوحده بعد أمي ما راحت، عايزاني اسيبه قاعد لوحده وافضل قلقان عليه؟! خليه يعيش معانا عشان تخ,,دميه وتاخدي بالك منه.!
_ بس أنا مش موافقة يجي ولا عندي استعداد اخدم حد غير عيالي.
رمقها بتهكم.
_ على أساس أني باخد رأيك؟!
زفرت زفرة قوية تحاول استدعاء الهدوء وقالت.
_ هاشم..مينفعش أبوك يجي هنا..ممكن تجيب واحدة تشوف طلباته وتاخد مرتب..معاش أبوك كويس.
_ واجيب واحدة ليه ما انتي موجودة..هو حماكي مالوش حق عليكي تراعيه في مرضه؟.
_ لأ مالوش أي حق عليا..مفيش حد له حق عليا غير عيالي.
ثم نظرت له بحسرة ممزوجة بس,,خرية مريرة.
_ وأنت للأسف لأنك جـ,ـوزي.
_ خلاص بما إني جـ,ـوزك بأمرك تراعي أبويا.
ثم تحدث باستـ,ـنكار.
_ أنا مش فاهم اشمعنى ابويا مش بتحبيه؟ ده أنتي كنتي تتمنى امي تعيش معانا وتخدمـ,ـيها.. أيه الفرق؟
ضاقت عيناها بلوعة.
_ ياااه يا هاشم! ..ده الفرق بينهم زي اللي بين السما والأرض.. أم هاشم كانت أمي التاني.. كانت بتحبـ,ـني.. لكن أبوك؟
_ ماله؟ الراجل بقا لا حول له ولا قوة وغلبان، فيها ايه لما يعيش معانا وتخدميه؟
رمقته مليًا بنظرة ثاقبة تستكشف نواياه قبل أن تقول بثقة.
_ طب بلاش نغمة غلبان ولوحده دي..أنت عمرك ما كنت بار بأبوك ولا حتى بأمك الله يرحمها..انت ليك غرض تاني أنا عارفاه كويس يا هاشم.
_ غرض إيه يا ذكية؟
حدجته ثانيا بنظرة مطولة ثم قالت.
_ أنت طم,,عان في الشقة ورث أمك..عايز تخرجه منها عشان تتصرف فيها.. صح يا هاشم؟
ضحك ضحكة سمجة وهو يُقرّ لها دون مراوغة.
_ صح يا غنى..
واستطرد ببساطة.
_ اصله هيقعد لوحده في شـ,ـقة طويلة عريضة يعمل ايه؟ نأجرها احسن إيجار جديد ونستنفع منها وتفرج علينا، او حتى نبيعها دي تجيب مبلغ محترم دلوقت.
_ وهو كفاية عليه معاشه.. مش كده يا هاشم؟
قالتها ساخ,,رة ليجيب.
_ عليكي نور..هو عايز ايه من الدنيا غير علبتين العلاج كل شهر واللقمة؟ أهو الجودة بالموجودة.. ياكل زي ما هناكل..وانتي تراعيه وخلصنا على كده.

هكذا اتض,,حت الصورة امامها، هذا الجاحد يريد استغلال الشقة التي يعيش بها والده والأنتفاع من وراءه، حتمًا سيسعي لبيعها والتربح منها.

_ غنى..اعتبري رعايتك لابويا ثواب لله..وأوضة أمي موجودة يعيش فيها..أحنا شقتنا واسعة الحمد لله ومش هيضـ,ـايقك في حاجة.. وأنا عارف إنك بنت أصول وهتراعي ربنا فيه.

نظرت إليه بتهكم، يظن أنه يخـ,ـدعها برجاءه الزائف هذا؟ هو أبعد ما يكون عن البرّ ولولا طمعه بشقة أبيه ما خطر في باله أن يجلبه للعيش معهم.. تنهدت بقلة حيلة وقررت أن تستقبله وتفعل ما يُرضي ضميرها.. في كل الأحوال هاشم لن يتراجع عن قراره رضيت أم أبت.. وربما تغير أبيه..فهو لم يعد إلا عجوز بلغ من عمره الكثير..لكن داخلها كانت تتوجس خيفة من القادم وتمنى أن يخلف الله ظنها ولا تصدق هواجسها!
____________________

اتفضل يا بابا بيتك ومطرحك.. دي مراتـ,ـي طارت من الفرح اما عرفت انك هتعيش معانا..!

تقوص فم غنى تهـ,ـكمًا وهـ,ـتفت دون حمـ,ـاس.
_اه طبعا..!
عمرو بتهذيب.
_ اهلا بيك ياجدو انا مبسوط ان حضرتك هتفضل معانا عشان ماتكونش لوحدك تاني!
شهد وهي تجلس تتعلق بأنامل الجد بطفولة محببة:
وأنا ياجدو ه,,لعب معاك كل يوم ومش هخليك تزهق خالص.. وهنت,,فرج على التليفزيون سوا..!
تعانق الجد مع الصغار لينظر لزوجة أبنه التي بدت تـ,ـرمقه ببرود ليغمغم.
_ والله زمان يا غنى.. بقالي كتير ماشوفتكيش.
_ مسير الحي يتلاقى يا أبو هاشم.
قالتها ببرود قبل أن تشير لزوجها.
_ خد ابوك يرتاح في أوـ,ـضته لحد ما احضر الغدا.
جذب أبيه لغر,,فته وهو يخبره.
_ تعالى يا بابا غير هدومك وارتاح.. دي غنى عاملالك غدا ملوكي أنهاردة.
شيعتهما معًا بنظرة ممتعضة وراحت تحضر المائدة لترص صحون الغداء تدعوا الله داخلها أن يُخلف ظنها ويجعل مكـ,ـوث ذاك العجوز لديهم هاديء دون عناء أو مفاجأت لا تتوقعها.

________
اطمئنت أن صغارها نائ,,مين ثم هاتفت غنى تتفقد أحوالها، هي لاتزال تتقبل الوضع وتت,,أقلم مع حز,,نها..فما يسعها إلا تقبل هذا الو,جع والتعايش معه حتى يمنّ الله عليها بالسُلوان والسكينة.

_ أزيك دلوقت يا غنى طمنيني عليكي.
جاء صوت شقيقتها أكثر هدوءًا وإن كان لا يخلوا من الحزن والكآبة.
_ نحمد ربنا يا عزل، أديني عايشة وربنا يقويني.
أشفقت عليها قائلة.
_ إن شاء الله كل حاجة هتبقى افضل، أنتي فكري في ولادك واه,,تمي بيهم هتنسي ه,,مك.
وصلتها تنهيدة غنى.
_ أدعيلي يا غز,,ل.. أدعي يقويني على اللي جاي.
توج,,ست من نبرة صوتها فتسائ,,لت.
_ ايه يا غنى مالك، هو في حاجة حصلت؟
غمغمت بعد صمت قصير.
_ أبو هاشم جه يعيش معانا.
شهقت غزل باس,,تنكار.
_ بتقولي ايه؟ يعيش معاكم ليه انتي ناقصة بلاوي؟ مش كفاية ابنه وهمه؟ وازاي توافقي يا بنتي على كده ليه مارفض,,تيش؟
ابتسمت بمرارة.
_ على أساس إن هاشم هيسمع لرأيي؟
أحتدت عليها رغما عنها.
_ بجد يا غنى سلبـ,ـتك دي معصباني، كان لازم ترفضي، وبعدين الكركوبة ده جاي يهبب ايه عندك ما عنده شقـ,ـته يعيش فيها.
ابتسمت بتهـ,ـكم.
_ ما هو شـ,ـقته دي هي أصل الحكاية كلها.
_ قصدك ايه يا غنى؟
_ هاشم طم,,ع,,ان في الشـ,ـقة ورث أمه.. واستخـ,ـسر يسيب ابوه يعيش فيها..فقرر يجيبه عشان أنا اراعـ,ـيه واخدمه.. فاكرني مش فاهماه.
ازداد حنق غزل.
_ أنا مش عارفة أنتي متحملة الحي وان جوزك ده ازاي؟ كان فين عقلك يا غنى لما وافقتي تتجـ,ـوزيه؟ ده من صغركم كنتي بتكرهيه ازاي وافقتي بيه؟
تنهدت بألم وغمغمت بحـ,ـسرة.
_ نصيبي وقسمتي يا غزل.
_ هو كل حاجة ترميها على النصيب؟ بجد ح,,رام عليكي نفسك هاشم ده بيحطمك وعمرك بيضيع معاه..ولا في حب ولا اهتمام ولا حتى قايم بدوره وبيصرف عليكي انتي وعيالك زي الرجالة مابتعمل، ايه مصبرك؟
شردت عيناها هامسة.
_ أم هاشم اللي مصبراني.
_ أم هاشم م,,اتت يا غنى فوقي.
_ عمرها ما هتمـ,ـوت جوايا يا غزل.. ولو لسه فيّا شوية صبر ده عشانها..أنا وعدتها أتحمل.
_ لحد أمتى هتتحملي؟
تنهدت من جديد تقول.
_ لحد ما يخل,,ص صبري عليه.
ثم نفضت كل هذا عنها وهي تسألها بحنان.
_ سيبك مني أنا وطمنيني على رجلك..أفضل دلوقت؟
_ الحمد لله أحسن بكتير وخلاص قادرة أمشي عليها، وبإذن الله هرجع الشغل أخيرا.
_ للدرجة دي مبسـ,ـوطة في شغلك؟
_ أوي يا غنى، متتصوريش فارق معايا ازاي..مفيش روتين يخنرقني زي الأول.. كل يوم مختلف عن اللي قبله..بتعرفي ناس وتمري بمواقف واليوم بيعدي.
ابتسمت على الطرف الأخر تقول.
_ ربنا يريح قلبك يا حبيبتي.
بغته تمتمت غ,,زل بحماس بخاطر ما.
_ غنى، ليه متشتغليش؟ صدقيني الشغل هيـ,ـفرق جدا معاكي.
أجابتها باهتمام.
_ قبل كده عمري ما فكرت أبدا اشتغل، كنت حاسة إن ام هاشم في ضهري بعد ربنا وقلت اتفـ,ـرغ لولادي.
لتغيم عيناها قائلة.
_ بس شكلي هبتدي افكر يا غزل.
تهللت أسارير الأخيرة.
_ ياريت يا غنى، أنتي خريحة كلية خدمة اجتماعية وممكن تلاقي شغل بسهولة.. واهو تجيبي مصاريف تساعدك انتي وولادك.
أومأت قائلة.
_ عندك حق يا غزل.. أنا فعلا محتاجة دخل يساعدني اربي ولادي.
تحمست قائلة.
_ خلاص سيبي الموضوع ده على الله ثم أصيل.. هقوله يشوفلك شغل في مكان كويس.
_ يبقى كتر خيره والله.
_ إن شاء الله خير يا حبيبتي.

أنتهت مكالمتها مع شقيقتها ثم جلست تتصفح هاتفها ببعض الملل منتظرة حضور أصيل من عمله.. تنهدت وهي تس,,ترخي على ظهر فرا,,شها مغ,,مغمة.

_ أمتى أنزل الشغل.. زهقت من قعدة البيت.
نهضت تتم,,شى بغر,,فتها وقد تحسنت قدمها كثيرًا..ربما عليها ق,,طع إجازتها والذهاب للعمل.. سوف تخبر زوجـ,ـها بذلك حين يعود.. وقفت أمام المرآه تمرر أناملها بشعرها الطويل الغزير بإع,,جاب.. هي تعلم أنها جميلة تخطف عيون من يراها..هنا توقفت يدها وشردت قليلا بزميلها ونظرات إعجابه التي لا تخفى عليها.. بطريقة ما يروقها هذا الشعور ويجذبها كلما تذكرته.. ربما كل أنثى تحب أن تكون محط إعجاب من حولها.. ليس عيبًا أن تتباهى بينها وبين نفسها بهذا..بتلك الأثناء نمى لسمعها صوت رسالة.. التقطت الهاتف تتبينها لتجد رقم غريـ,ـب غير مسجل لديها.
( أزيك يا مدام غزل)
قرأت الرسالة متعجبة، يبدو أن صاحب الرقم يعرفها جيدًا.
( طمنيني، رجلك عاملة ايه دلوقت)
رفعت حاجبيها بدهشة لمعرفة صاحب الرقم بحالة قدمها..جلست على الفـ,ـراش وراحت تكتب بفضول.
( أنت مين؟)
كان الطرف الأخر يجري الكتابة، راقبت منتظرة الرد.
( أنا رامي زميلك في الشغل)
أتسع,,ت عيناها بدهشة حقيقية، أنه هو من كانت تفكر به قبل دقيقة واحدة.. من أين أتى برقمها؟! لتأتيها الإجابة منه.
( أسف أني سمحت لنفسي أخد رقمك و أراسلك بس غـ,ـصب عني كنت هتجنن واطمن عليكي)
صمتت تنظر لكلماته المملوءة باللهفة والتـ,ـوتر يعتريها لتجده يكتب سريعا.
( قصدي يعني كنت قلقان عليكي جدا وقلـ,ـقت أكتر لما عرفت من زميلة لينا إن عندك حالة وفاة في العيلة)
صمتت ولا تدري ماذا تفعل؟ هل تبادله الحديث ببساطة كوّنه مجرد زميل أم تصده باقتـ,ـضاب وتنهي المحادثة؟ حقًا لا تعرف ماذا تفعل.. وكأنه أدرك حيرتها لتجده يرسل لها.

( واضح إني ضاي,,قتك وتطفلت عليكي.. أنا أسف جدا وأوعدك أني…)
( أهلا أستاذ رامي)
هكذا وجدت نفسها تكتب إليه غير لائمة لروحها.. هو زميلها ما الضرر بالرد عليه ببضع كلمات؟
( أهلا بيكي، طمنيني عاملة أيه دلوقت؟)
كتبت له.
( بقيت أفضل كتير الحمد لله)
( طب أمتى راجعة شغلك.. المكتب مضـ,ـلم من غيرك يا مدام غزل.. كل زمايلك منتظرينـ,ـك)
تبسمت لاهتمامه وراحت تكتب.
( أول الأسبوع إن شاء الله)
( هتن,,وري الدنيا من تاني يا مدام غزل)
( شكرا يا استاذ رامي)
صمتا سويًا وظنت أنه انتهى لتجده يرسل لها.
(أسف نسيت اعزيكي.. البقاء لله)
( ونعم بالله.. شكرا ليك)
( هو مين مات عندك؟) عاد يتسائل كأنه لا يريد إنهاء حديثه معها باحثًا عن أي شيء يطيل حديثهما.
( حماة أختي الكبيرة) وجدته يرسل لها.
( الله يرحمها ويغفرلها لها.. هي اختك كانت بتحب ح,,ماتها؟)
( جدا جدا.. لو شوفت حزنها تقول بعد الشر ماما اللي مأ,,تت.. بصراحة حماة أختي كانت طيبة فعلا وبتحبها)
( وانتي؟ بتحبي حماتك؟) تفاجـ,ـأت بتطرقه لهذا وشعرت أنه يطيل الحديث معها أكثر من اللازم وشيء في نفسها أشعرها بالذنب لتجيب باقتضـ,ـاب تلك المرة.
(أيوة.. أستأذنك يا أستاذ رامي.. وشكرا لسؤالك)
رآى رسالتها ولم يجيب على الفور، ظنت أنه أكتفى بهذا لتجده يعود ويرسل لها.
( أنا اللي بشكرك إنك رديتي عليا.. واتمنى مكونش ضايقتك.. بس حقيقي كنت قلقان عليكي ومش عارف اوصلك.. عموما حمد لله على سلامتك ومنتظرينك بفارغ الصبر تنوري الشركة من تاني)

نظرت لرسالته ولم تجيب تلك المرة مغادرة الصفحة بينهما ترتكن بظهرها شاردة باهتمامه.. لماذا يهتم بها لهذا الحد؟ لماذا تشعر بلهفته عليها؟ ما الفائدة من اهتمامه بسيدة متزوجة مثلها؟ وكيف لها أن تعطيه تلك الفرصة ليحدثها؟ ما الّذي يحدث لها؟ وكأن شيء داخلها يقودها لتقترب وشيء آخر يحذرها أن تدنوا أكثر من هذا.. تنهدت وأغمضت عيناها لتسمع صوت زو,,جها ينادي عليها فور دخوله گ عـ,ـادته.
_ غزل.. أنا جيت يا حبيبتي.
منحته ابتسامة مهزوزة حين ولج الغرفة.
_ وحشتيتي.
_ وأنت كمان، أتأخرت ليه؟
_ كان في عروض حلوة في “… ” اشتريت شوية حاجات للتلاجة وجبتلك حاجات بتحبيها.
عادت تمنح,,ه ابتسامة وهي تش,,كره ليسألها.
_ كنتي قاعدة لوحدك بتعملي أيه؟

تفاقم شعور الخ,,زي داخلها.. هل تخبره ببساطة أنها كانت تتحدث هي و زميلها؟ هل تستطع فعلها؟ ولأنها لن تقدر قالت.
_ عادي كنت بكلم غنى اطمن عليها وبعدها فضلت اتص,,فح تليفوني لحد ما تيجي.. هقوم أحط الغدا زمانك جعان.
أوقفها بقوله.
_ لا مت,,تعبيش نفسك اشتريت بيتزا وأنا جاي وسـ,ـبتها على السفرة..هاتي أطباق وحطي عصير على ما أخد شاور واجي.
هزت رأسها تتصنع ابتسامة أخرى ممزوجة بضـ,ـيق يتسع داخلها ويحتل روحها..هناك شيء خاطيء تمر به ويجرّها خلفه والأعجب أنها لا تحاول إيقافه.. عجـ,ـز أم رغبة في تجربته؟! لا تعرف.. حقًا لا تعرف.
____________

سمحت له بإيصالها هذا اليوم بعد أن وعدها أنه لن يفعل بعد ذلك.. هي تريد الاعتماد علي نفسها خاصتًا بعد أن صارت حقًا بخير وهو يحترم رغـ,ـبتها ولا يريد إرغامها على شيء.

_ خدي بالك على نفسك وأي حاجة اتصلي عليا فورًا.
_ حاضر يا أصيل متخافش أنا بقيت كويسة جدا.. يلا سلام.
وقبل أن تغا,,در وجد,,ته يجـ,ـذبها ويقبل وجنتها بحنان.
_ لا إله إلا الله.
_ محمدًا رسول الله.. سلام يا أصيل.

ما أن عبرت مكتبها حتى تلقت ترحيبًا حارًا من زملائها.. رغم قصر عملها معهم لكن صارت بينهم ع,,لاقة جيدة جعلتهم حقًا يفتقدونها..لكن نظراته هو إليها كانت تفوق الافتقاد.. اللهفة والفرحة سالت من عيناه بشكل لم تخطئه مما أشعرها بالتوتر الّذي يلازم,,ها فور رؤيته.. فاجأها حين أحضر للجميع عبوات عصير على شرف عودتها سالمة..قابلت لفتته برضا دون نفور وشكرته..أتى موعد استراحة الغداء فغادر زملائها المكتب ليتناولان غدائهم في كافيتريا الشركة.. بينما فضلت هي الصعود للسطح تستنشق الهواء وهي تتناول شطيرتها.. وجدته يقدم لها عبوة قهوة مثلجة واقفا جوارها..خبأت ارتباكها وقالت بهدوء.
_ مفيش داعي يا أستاذ رامي كفاية العصير اللي اشتريته.
_ انتي تستاهلي الدنيا كلها.
قالها وهو ينظر لعيناها نظرة فاقمت توتـ,ـرها لتقرر الانسحاب.
_ طيب استأذن أرجع مكتبي.
_ خليكي لحد ما تكملي أكل ونشرب الأيس كوفي وبعدين ننزل سوا.

مكثت توزع نظراتها أمامها تمضغ طعامها بهدوء عكس الصخب الذي يحدث داخلها من قربه منها الأن..أرتباك كبير يصيبها منه كلما حدثها أو نظر لها..لماذا لا تصده بشكل قاطع؟ هي تقدر على فعلها لكنها لا تفعل.. مكبلة برغبة في المزيد من حصد إعجابه واهتمامه.

_ تعرفي إنك لسه زي ما انتي؟
هنا توقفت عن مضغ الطعام والتفتت نحوه بنظرة متسائلة، ليتأملها لحظات قبل أن يقول.
_ أنتي مش فاكراني يا غـ,ـزل؟
تعاظمت د,,هشتها وهي تجيبه.
_ هو أنا المفروض أكون فاكراك؟! يعني كان في بنا معرفة قبل كده؟
صمت ينظر لها بخيبة دون رد لتغمغم وهي بدورها تنظر له تحاول تذكر ملامحه.
_ أنا حاسة إني شوفتك قبل كده بس مش فاكرة فين وامتى.
منحها ابتسامة هادئة عاتبة وهو يقول.
_ بس أنا فاكرك كويس وعارفك.. ومش بس عارفك أنتي.
صمت ليشتـ,ـعل فضولها أكثر قبل أن يلقي قنبـ,ـلته.

_ أنا كمان أعرف جوزك أصيل يا غزل.

 

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *