رواية كامله.. 2

رواية بصائر تغشاها الثرى.
بقلم دفنا عمر.
الفصل الخامس.
________

عاونته على ارتداء قميصه بحرص متذمّرة.
_ معرفش ليه مصمم تروح الشغل.. يا حبيبي انت لسه تعبان ومحتاج راحة.
اخبرها بهدوء وعيناه تُطمئتها.
_ يا ضحى انا مبحبش قعدة البيت وزهقت.. فعلا بقيت أفضل كتير من الأول متقلقيش.
انتهت من غلق أزرار قميصه ثم أحاطت وجهه براحتيها تغمغم بعين دامعة.
_ ازاي مش عايزني اقلق عليك؟ ده أنا كنت هموت وأنت في المستشفى.. كل اما ابصلك و الاقيك غايب عن الوعي بتتألم أبكي عشانك.. ريان انت مش مجرد زوج.. انت حياتي كلها.

اشفق عليها مما عاشته الأيام الماضية ليعانقها برفق.
_ حبيبتي كلنا معرضين لأي حاجة تحصل معانا.. والحمد لله إن ربنا سترها.
ثم شاكسها.
وبعدين منا كنت حاسس بيكي وكل شوية اطبطب عليكي واطمنك.. حصل ولا لأ؟.
ابتسمت وهي تجفف دموعها.
_ فعلا.. كنت بستغرب ازاي سامعني وانت تقريبا غايب عن وعيك.
منحها نظرة تفيض حبًا.
_ لو غبت عن الدنيا كلها قلبي يحس بيكي ويسمعك.
ليستطرد وهو يغمز لها.
_ حتى لما حاولتي تبو،،سيني حسيت بيكي، ولما لقيتك بعدتي مسكت إيدك بوستها..مش فاكر حصل أيه بعدها.
ضحكت تنفي يا قاله بثقة.
_ أبوسك في المستشفى ازاي؟! محصلش.. ده الباب كان مش بيلحق يتقفل من كتر الزوار..
ثم تدلّلت عليه.
_ أكيد اتهيئلك عشان كنت مشتاقلي.
قرب خصرها إليه هامسًا أمام شفتيها.
_مستحيل أكون غلطان..أنا حسيت بأنفاسك.
ليميل قُرب شفتاها بذات الهمس.
_ يلا كملي اللي بدأتيه هناك.
لمعت عيناها برغبة حانية تقترب تمنحه ما يريده بشغف قبل ان تبتعد وتعانقته مع تنهيدة هاتفة براحة.
_ ربنا ما يحرمني منك ابدًا يا ريان.
_ ولا منك يا حبيبتي.
ارتدى بحذر سُترة بدلته وهي تتسائل.
_ تحب تتغدا ايه أنهاردة يا حبيبي.
_ أي حاجة من إيدك..المهم كارما تكون بتحبها.
تهكمت.
_ لو على بنتك مش هناكل ولا نشرب..عموما هتصرف واختار صنف بتحبوه انتم الاتنين.
ثم راحت تملي عليه وصاياها.
_ريان أنت قلت هتشتغل نص يوم بس.. لو حسيت بتعب لازم ترجع البيت فورًا.. بلاش تتعب نفسك عشان خاطري.
ابتسم يعدها لتطمئن.
_ حاضر أوعدك..
_ طب هتعرف تسوق؟
_ لأ..هتعامل مؤقتًا بأوبر لحد ما دراعي يخف.
وقبل رأسها.
_ هو خلاص جه تحت العمارة.. عايزة حاجة قبل ما امشي؟
_ عايزة سلامتك يا حبيبي.
___________
بعد أن فرغ من تلقي سيل الترحيب له فور ولوجه الشركة.. جلس خلف مكتبه يلتقط أنفاسه محدثًا أصيل.
_ وحشني الشغل أوي.. قعدة البيت دي ملل.
ابتسم له.
_ طبيعي مفيش راجل بيحب يفضل في البيت بدون شغل.. بس كان لازم تاخد راحة بعد الحادث.. وبجد حمد الله على سلامتك يا صاحبي.. والله كنت بقيّم الليل كل ليلة وادعيلك تقوم بسلامة.
_ عارف يا أصيل ومتأكد إنك دعيتلي كتير.. ربنا يديم المودة والمعروف.
ثم هتف بحماس.
_ ندخل بقى على الشغل.
ضحك أصيل.
_ مستعجل على الشقى ليه يا عم.
_ هو في أحلى من الشقى والتعب.
وقبل أن يبدأ أصيل بعرض ما لديه، قاطعهم طرقة سكرتيرة مكتبه.
_ في ضيف بيستأذن يدخل لحضرتك يا فندم.
زوى ريان ما بين حاجبيه.
_ ضيف مين اللي جاي بدري كده.
_ بيقول أسمه طَلال يا فندم.
تسائل بصوت مسموع.
_ طَلال؟

” معقول نسيت صاحبك يا ريّال؟”
وقف ريان بدهشة.
_ مش ممكن! طَلال؟
ثم تصافحا وتعانقت ليئن ريان بألم حين ضغط على كتفه المصاب بجهل لإصابته.
طَلال: إيش فيك؟
أصيل موضحًا.
_ ريان كان عامل حادث من فترة يا أستاذ طَلال ولسه كسر دراعة وكتفه مش مُتعافي مية في مية.
قال بأسف.
_ ألف لا بأس عليك يا خوي.
ريان بتفهم بعد أن التقط أنفاسه.
_ ولا يهمك.. بس قولي إيه الغيبة دي كلها؟ ست شهور قاعد في الكويت منزلتش مصر ولا حس ولا خبر..لعل المانع خير.
بدا على ملامحه الحزن وقال.
_ الوالد عطاكم عمره من تلات شهور.
اغتمّ وجهي أصيل وريان مُلقيان عليه كلمات تعزية مناسبة.. ليلومه الأخير.
_ طب مش كنت تعرفني حتى اتصل بالوالد اسمع صوته؟.
تنهد طَلال مع قوله.
_ لا تواخذني يا خوي..الواحد ما كان داري وين الله حاطه.
أصيل بتفهم.
_ أكيد الظرف كان صعب والتركيز بيكون ضايع.. عموما ربنا يجعلها أخر الاحزان يا أستاذ طَلال.
واستأذن لمواصلة عمله تاركًا الرجل بضيافة ريان.

أرتشف من القهوة التي طلبها له ريان قبل ان يسأله الأخير.
_ بتقول عايزني في موضوع مهم يا طَلال.. خير؟
رفع نظره إليه يقول.
_ خير إن شاء الله.. باختصار كده عندي ليك عرض ميتفوتش يا ريان اتمنى تقبله.
اولاه كامل اهتمامه غير متعجب من المزيج الذي يُتقنه طَلال للّهجة الكويتية والمصرية معًا، فرغم كونه كويتي الجنسية لكن والدته مصرية.. لذا هو بارع في اللّهجتان ويتنقل بينهما بسلاسة.
_ عرض إيه ده يا صاحبي شوقتني.
غمغم بعد ان ترك فنجانه جانبًا.
_ طبعا بعد وفاة أبوي كله أخد حصته من الميراث..وانا طلع من نصيبي أنا وأخوي جمال مول تجاري ضخم.
_ ما شاء الله.. ربنا يبارك ليكم ويكبر حلالكم ان شاء الله.
_ تسلم يا خوي.. بس طبعا انت عارف المنافسة هناك قوية لانه مش المول الوحيد في المنطقة.. وللأسف مؤخرًا أرباحه ضعفت جدًا و وضعه تدهور..الإدارة والتسويق هناك مش أحسن حاجة..وأنا وأخوي مش هنقدر نحل مشاكله بدون مساعدة حد ثقة..خصوصًا اني استعانت فعلا بإدارة جديدة لكن شكله مش كفء زي ما توقعت.. ولأني عارف قدراتك كويس متأكد إنك لو مسكت المول ده كام سنة هتغير ترتيبة في السوق وأرباحه هتزيد.

بدا على الريان التفكير ليواصل طَلال دعم عرضه.
_ صدقني دي فرصة كبيرة يا اخوي.. أولا انا هوفرلك إقامة ليك ولعيلتك.. وسكن يليق بيكم في السالمية عشان تكون قريب من شغلك..وأي حاجة تحتاجها هناك انا حاضر.

حك ريان ذقنه مفكرًا ليقول.
_ مش عارف أقولك ايه يا طَلال.. العرض مغري فعلا لكن في نفس الوقت فكرة الغربة نفسها مش مريحاني.. حاسس لو خرجت من بلدي مش هكون مبسوط.
_ ويمكن العكس.
_ ومراتي أشك أنها توافق كمان.
_بلاش تسبق الأحداث كلمها وشوف..ريان أنا ممكن أشوف حد تاني يساعدني بس العرض ده فرصة كبيرة ليك وعايزك تستفيد منه.
ليقف بعد أن أنهى عرض ما لديه.
_عموما العقد هيكون بتلات سنين مبدئيًا..اعتقد ده وقت كافي لتغير وضع المول وإصلاح إدارته.. ولو حبيت تنهي العقد او تجدده انا تحت أمرك.. والراتب هيكون مجزى مليون مرة من اللي بتاخده هنا.. يعني كام سنة ممكن تأمّن فيهم مستقبل عيلتك وتوفر تعب سنين.
أطرق رأسه تتقاذفه الحيرة والعرض لا يُرفض ومع هذا شيء في صدره لا يروقه الأمر.

_ اسمع يا اخوي ريان.. خد وقتك في التفكير قبل ما تاخد قرار نهائي.. وبس تاخد قرار انا حاضر وهبدأ في إجراءات إقامتك فوارًا.

أوقفه ريان.
_ طب أستني يا طَلال نتغدا سوا أكلة مصرية من اللي بتحبها.. معقول تمشي من غير ما أعمل معاك واجب بعد الغيبة دي.

لوح له وهو يقترب من الباب في عُجالة.
_ يا ريّال خالتي تذبحني لو أكلت برة.. مسويالي محاشي وطواجن مصرية وكل الأكل اللي بحبه..سلام يا اخوي وألف لا بأس عليك.
ودعه ريان بابتسامة ثم عاد يجلس خلف مكتبه يتملكه الشرود بعرض طَلال المغري وكيف سوف تسير الأمور.
__________

“شوفتوا التريند الجديد يا بنات؟.”

ألتفتت إحداهنّ وتُدعى صفاء.
_ أي تريند فيهم يا سماح؟ ام ساجدة بتاعة الفواتشح ولا انهي؟ التريندات كتير وبقيت مهنة الأيام دي.
قالت الأخيرة بامتعاض نمّ عن استيائها.
_بتاع البنت اللي سرقت جوز صاحبتها.
ردت ولاء زميلهم الثالثة.
_ أيوة ده التيك توك مقلوب عليها بقاله يومين.
سماح بانفعال امتزج بنفورها.
_ البجاحة مبقاش ليها حدود الأيام دي.. ازاي واحدة تطمع في جوز صاحبتها بالبساطة دي؟ خلاص مفيش في الكون راجل غيره؟ الاخلاق راحت فين يا ناس؟!
صفاء.
_الأخلاق الله يرحمها يا سماح.
واستطردت تطرح تساؤلها.
_ تفتكروا العيب هنا على مين يا بنات؟ الزوج الخاين لا الصديقة الطماعة؟
سماح دون تردد.
_ طبعا الزوج.. أكيد هو اللي شجع صاحبتها تطمع فيه.. ماهو لو مشافتش منه ريق حلو كانت شالته من دماغها أصلا وشافت طير غيرو تصطادوا.
ولاء: وليه مش الصديقة اللي خانت العيش والملح وعرفت توقع الزوج في شباكها؟
سماح بسخط.
_ والله يا ولاء الاتنين ولاد تيت يستاهلوا الحرق.
واسترسلت.
_ تعرفوا يا بنات انا في رأيي مفيش راجل في الدنيا دي مش خاين..والخيانة مش بس في السرير.. ده ممكن يخون وهو قاعد جنب مراته بيتفرج على التليفزيون ويشوف بنت حلوة تعجبه ويتمناها.. وبينسى كرّشه وقرعته اللي بتلمع أكتر من صواني الشاي.. الوفاء عمّلة مالهاش سوق في الزمن ده.. وأي راجل هتتوفر له ظروف الخيانة مش هيتردد صدقوني ده طبع فيهم.
اعترضت ولاء.
_ لا بردو متسوديش الدنيا كده يا سماح.. في لسه ناس وفيّة لزوجاتها.. نادرة صحيح بس موجودة.
امتعضت سماح بحركة ساخرة من شفتيها.
_ نادرة ماتت من زمان يا طيبة.. آل نادرة آل.
_ طب يا بنات هو ازاي الواحدة تعرف ان كان جوزها بيخونها ولا لأ؟.
هكذا تسائلت صفاء لتوليها سماح اهتمام كبير مفضية برأيها الّذي تكون من خبراتها في الحياة.
_  هقولك يا ستي.. الرجالة بتكون خبيثة ولئيمة جدا لما بتخون..بعضهم اللي لسه عنده شوية إحساس  لما يخون بيحس بتأنيب ضمير..فتلاقيه يزود جرعة الحنية والاهتمام على مراته ويفضل يجيب هدايا وفسح ودلع يبقى منتهى الرقة معاها..كأنه اعتذار مبطن عن خيانته عشان يسكت ضميره.

ولاء.
_ معقول يا سماح؟ يعني كل واحدة جوزها يعاملها حلو وحنين عليها تشك فيه؟ مش منطقي طبعا الكلام ده يا بتتي.
_ وحياتك هو ده اللي بيحصل.. لأ ده ساعات كمان لو اللي بيخون مراته معاها واحدة قريبة ليهم.. بيتظاهر انه آل ايه مش طايقها عشان يبعد أي شبهه عنه.
صفاء ساخرة.
_ لا ذكي لو عمل كده..وقتها فعلا مراته مش هتشك فيهم.
سماح: لو ست ناصحة هتفهم.
ثم التفتت لضحى المنشغلة بتدوين شيء بدفترها ولم تشاركهم النقاش.
_ ايه رأيك في الكلام ده يا ضحى؟
تركت ما تفعله ونظرت لها بهدوء.
_ والله يا سماح انا شايفة إن وجهة نظرك مش صح مية في المية..في ازواج فعلا أوفياء وكويسين مع زوجاتهم.. لو كل واحدة هتشك في جوزها عشان بيهتم بيها لأي سبب البيوت هتخرب.
واسترسلت.
_ انا شايفة ان الموضوع كله بيتلخص في الثقة.. لو موجودة بين الزوجين مفيش داعي للقلق والشك.
ثم تابعت بفخر.
يعني أنا مثلا بثق في ريان جوزي ثقة عامية ومستحيل أشك فيه مهما حصل.. الحمد لله احنا واخدين بعض عن حب..ومستحيل يبص لغيري ولا انا يملى عيني راجل زيه.. ربنا يخليه ليا.
أمّن جميعهنّ على دعائها لتعلق سماح بتهكم.
_ انا بقى معنديش ثقة في جوزي، ولولا عيوني مفتحة معاه كان زمانه لعب بديله.. بس انا مظبطاه.
ضحكت صفاء.
_ أنتي هتقوليلي.. ده أخره على القهوة الساعة عشرة، لو اتأخر بتعمليله محاضر مش محضر واحد.
سماح: أومال اسيبه كده يرمح براحته؟ لازم امسك لجامه في إيدي عشان ميفكرش يفلت مني.

ابتسمت ضحى دون تعليق أخر مكتفية بما قالته.. لم يصيبها ذرّة قلق مما قالوه..راسخ في يقينها أنها أبعد ما يكون عن خطر خيانة مماثلة مما يقصوها.. وفاء زوجها وحبه لها يُضرب به المثل.. ليس مثلها من تقلق.. وعادت تنخرط بعملها دون أن يخطر في بالها مصدر الخطر الحقيقي الّذي يحوم حولها ولا تراه.. خطر ينتظر فقط فرصة لينفذ إلى جُحرها ويحتله ويلقيها خارجه.
________

“أنا مش موافقة يا ريان إنك تتغرب”

كان هذا رأي ضحى الّذي أعلنته بحسم وهما يتناولان الشاي بعد الغداء..طيلة عمرها لا تحب الغربة وتخافها..لذا لم تحتاج للتفكير حين سرد عليها عرض صديقه طَلال.

_ ضحى انا كمان مش متحمس لفكرة الغربة عن بلدي..بس بجد العرض مغري وهيختصر علينا تعب سنين زي ما قال طَلال..أنتي عارفة إني طموح وبحلم نوصل لمستوى أفضل.
_ وهو مستوانا دلوقت وحش يا ريان؟ احنا الحمد لله عايشين كويس اوي ومش محرومين من حاجة.
اوضح لها وجهة نظره.
_ ألف حمد وشكر انا مش معترض.. بس متنسيش احنا كل اللي حيلتنا بنت واحدة أكيد بأمر ربنا هيكون لها أخوات.. وانا عايز أأمن مستقبل ولادي حتى قبل ما يجوا يا ضحى.. نفسي اعمل شركة خاصة بيا لوحدي وولادي يديروها بعدي.
انزعجت تقول سريعًا.
_ بعد الشر عنك يا حبيبي ربنا يديك طولة العمر والصحة.
تنهد مع قوله.
_ ونعم بالله.. دي سنة الحياة وانا مش عايز ولادي يعيشوا اللي انا عشته يا ضحى.. انتي عارفة حياتي ازاي كانت صعبة.. عايز حياتهم تكون مرتاحة.. وانا شايف السفر كام سنة نبني نفسنا مش غلط.
_ ما هي بتبتدي كده يا ريان.. سنة تجر سنة لحد ما العمر يروح هناك.
ثم التقطت كفه تغمغم.
_ حبيبي هنا اهلنا وحبايبنا.. شوارعنا اللي بنحبها.. طعم أعيادنا اللي مختلف عن أي مكان تاني.. حاجات كتير أوي يا ريان هنفقدها مع الغربة..أرجوك بلاش تفكر في العرض ده وأنساه عشان خاطري.

ربت على كفها ثم ارتخى على ظهر مقعده وهو ينظر لها بشرود قبل ان يقول.
_مش غلط لو أخدنا فرصة نفكر كويس قبل ما ارد على طَلال.. واللي ربنا كاتبه لينا هيكون.

وافقته بإيماءة وداخلها الأمر محسوم.. لن ترضى باغترابهما هي وابنتها..سوف تعترض رغبته بكل قوتها إذا ما قرر الذهاب.
________

احتفال صغير أقاموه الزميلات حين تجمعوا وقت استراحة الغداء توديعًا لزميلة أخرى قررت ترك العمل معهم لأنها سوف تتزوج وتمكث في البيت.. تعجبت غزل أن تلك رغبة الزميلة وليست مجبرة عليها.. كيف تضحي تلك الحمقاء بعملها لأجل الزواج؟ تغاضت عن الأمر لتخبرها إحداهن همسًا بمعلومتها السرية عن قدوم زميل اخر بديلا عن زميلاتهنّ، معلومة لم تمثل لغزل أي أهمية، كما لم تحاول إخبار زوجها كي لا تلوح بينهما أزمة أخرى، هي تعلم أنه يغار وقد زارها بعملها عدة مرات واطمئن أن من يشاركها المكتب هم نساء ورجل عجوز لا قلق منه.
مر الوقت وهي مستمتعة بما تفعل، تحاول جاهدة في كل يوم أن تثبت نفسها في العمل كما لا تهمل بيتها حتى لا يغضب أصيل ويحرمها ما وصلت إليه..مر يومان وأتت لحظة استقبال الزميل الجديد.

_ رامي كمال.

هكذا عرف عن نفسه للجميع بتهذيب، ليرد الكل تحيته ومن بينهم غزل الّتي قيمته بنظرة خاطفة.. لا تدري لما شعرت أنها رأته من قبل لكن لا تتذكر أين.. نفضت عنها الأمر لتلتفت لأناقته الملحوظة واهتمامه الواضح بمظهره..كما بدا لها ودود مع الجميع منذ يومه الأول حتى أنه أحضر لهم شطائر تقبلها الكل بصدر رحب ومزاح معتدل.. هي الوحيدة التي رفضت أن تأخذ منه شيء معللة ذلك أن لديها طعامها ..وسريعا ما تغاضت عن كل هذا وصبت تركيزها بالعمل حتى حان وقت عودتها فاستقلت الحافلة لمنزلها..ورغم أن أصيل عرض أن يوصلها ويحضرها من عملها خوفًا عليها من الزحام.. لكنها رفضت بشدة مساعدته راغبة أن تخوض يومها بكامل مشاقه دون دعم منه وكي لا تتميز عن البقية.. خاصتًا الجارة التي كانت تصحبها ذهابًا وعودة قبل أن تأخذ أجازة وضع لقرب ولادتها..أعتادت غزل روتين عملها دون ملل تتلمس منه سعادة داخلية لا تشعرها مع أصيل رغم كل ما يفعله لأجلها.. هناك نقص داخلها يؤرق مضجعها دائمًا..نقص تتسع دائرته بروحها ولا تدري كيف توقف اتساعه.. حياتها تفتقد شيء ما تبحث عنه بين الطرقات دون هدى..وازداد هذا الشعور داخلها منذ لقائها بضحى زوجة رفيقه.. وحكايا رفيقاتها المشابهة عن قصص حب خاضوها واستمتعوا بها.. كأن الجميع يتآمر عليها لتتحسر على حياتها الباردة أكثر وأكثر..رغم حب أصيل لا تشعر بالدفء..حتى صغارها لا يشعروها بهذا الدفء ولا يكفوها لترضى بحياتها وتقنع.

توالت الأيام بها وحالها مستقر نوعًا ما..لكن متى دام شيء على حاله وذاك الزميل الذي لم تكترث له من وقت حضوره يختلس نحوها النظرات دون غيرها كأنه يعلن إعجابه بها.. هذا ما فضحته عيناه، ولا تسألون كيف تيقنت من ظنها، تلك أمور تُدركها المرأة ولا يُخطئها حدسها، هذا الرجل مجذوب لها، شيء من الغرور والرضا الخفي توهج بروح غزل لأن سهم فتنتها لازال نافذ يخترق القلوب، ليس بجديد أن ينجذب أحدًا لسيدة بفتنتها، لكن الجديد والخطير دون مبالغة أن تنساق هى لجاذبية هذا الرجل، وسامته لا تستطع تجاوزها، قوامه الرياضي، أناقته تثير الإعجاب حتى تتعجب داخلها كيف يكون مجرد زميل معهم وهو يليق أن يكون رئيس لهم،  كل شيء بهذا الرجل يسوقها لأحاسيس تخشى عواقبها لو رضخت لها بلحظة ضعف..وما أكثر لحظاتها الهشة.

“اعمليلي شاي يا غزل”.

اطاعته شاردة منذ عادت من عملها تفكر بأمر الزميل رغمًا عنها.. وسريعا ما وضعت قدح الشاي أمام أصيل على طاولته الصغيرة، جلست تتأمله ودون شعور راحت تُقارن زميلها الوسيم بزوجها فقير الوسامة، ذوق ملابسه العادية دون أناقة ملفتة، خيالها يشرد عنها مثل جواد جامح فقد صاحبه اللجام، ذهنها مشوش وذاك الزميل يفرض سيطرته على أفكارها الخفية طيلة الوقت، تشعر بالخوف لانحراف خواطرها، تحاول مبارزة مشاعرها الخطيرة هذه بسيف التجاهل، لكنها من جديد تفشل وتظل أسيرة أفكارها اللّعينة.
…….

ترجلت غزل خارج بناية الشركة بعد انتهاء عملها، لتقف تهمهم بسباب ساخط وهي تنظر لكعب حذائها المكسور: أوف على النحس ده وقته ياربي، هرجع البيت ازاي.

حاولت السير بصعوبة وفردة الحذاء المكسور تجعل خطوتها غير متوازنة، فكرت أن تهشم كعب الفردة الأخرى كي تستطع السير، همت بتنفيذ خاطرها لتسمع أحدهم ينادي عليها.

_غزل.

التفتت لتجده هو “رامي” يقترب نحوها حتى وقف قُبالتِها وهو يرمق حذائها بأسف.
_شكل في مشكلة معاكي.
تنحنحت لتخفى أثر ارتباكها منه.
_ عادي أنا هتصرف.
_هتتصرفي ازاي يعنى؟
ثم أشار لسيارته: اتفضلي اوصلك.
_لا شكرا يا استاذ رامي انا هعرف اشوف حل و..
قاطعها: غزل من فضلك بلاش الرسميات دي واتفضلي معايا، انا هوصلك مش هخطفك يعني.

شعرت بالضيق لتباسطه معها لتصيح بحدة نبعت من تأثرها به.
_ على فكرة أسمي مدام غزل.
ابتسم يرمقها بنظرة غامضة قبل أن يقول بهدوء.
أنا أسف.. حبيت نتعامل مع بعض بطريقة بسيطة لأننا زملاء عمل في الأخر.
_ ولوّ.. بردو يبقى فيه حدود يا أستاذ رامي.
أومأ معتذرًا.
_ تمام وأسف يا مدام غزل مش قصدي أتعدى حدودي.. ثم أشار لسيارته.
_ ممكن تتفضلي اوصلك؟
رفضت بحسم.
_ شكرًا..هاخد تاكس.
_ وليه منا ممكن أوصلك لأقرب محطة تركبي منها.
صاحت بضجر.
_ قلت لحضرتك شكرًا..عن أذنك.
وابتعدت دون إعطائه مجالًا لمجادلته.. تهرب من تأثير نظراته الغريب نحوها..هذا الرجل يرمقها كأنه يعرفها.. والعجيب شعورها أنها قابلته في مكان ما يلح عليها.. لكن لا تتذكر أين ومتى..وأثناء شرودها هذا ألتوت قدمها لتسقط أرضًا تصرخ من الألم.. أسرع نحوها يُغيثها.
_ مدام غزل أنتي بخير.
أغمضت عيناها وملامح الوجع جليّة عليها ليمد لها يده بتلقائية قائلا.
_ أمسكي إيدي وقومي معايا.
نظرت لكفه الممدودة لها دون استجابة..حاولت النهوض لتفشل وهي تسقط من جديد.
_مدام غزل خليني أساعدك و أوديكي المستشفى بسرعة.. احتمال رجلك تكون اتكسرت.
هكذا كانت تشعر والألم الرهيب ينم حتما عن تهشم عظام قدمها.. اضطرت الاستعانة بكفه لتنهض.. شعرت بتوتر شديد ما أن تلامست أيديهم ونغزة من تأنيب ضميرها لفعلتها حتى لو كانت مجبرة.. فلا يجوز بأي حال من الأحوال لمس رجل أخر.

_ثواني أقرب العربية منك عشان مش هتقدري تمشى.
نظرت حولها بارتباك وهو يقف أمامها ويفتح باب السيارة يدعوها لتستقل جواره.. بعد تردد عاجزة عن الوقوف على قدميها رضخت اخيرا لدعوته واستقلت سيارته تدعوا ألا يراها أحدا من زملائهما، فلن تسلم من الأقاويل حينها.
_شوفتي بقا طلعت مش وحش هياكّلك ويفترسك لو ركبتي العربية معايا.
ابتسمت ابتسامة باهتة دون تعقيب ليستطرد:
_ في مستشفى هنا قريبة ربع ساعة ونوصل عندها.
غمغمت.
_ لو سمحت وصلني عند باب المستشفى وامشي وأنا هتصرف.
اعترض بقوله.
_ أزاي اسيبك في الحالة دي وانتي مش قادرة تمشي.
_ معلش أنا هتصرف.. هتصل بجوزي يجيني.
أومأ متفهًا قلقها ليتمتم بإحباط.
_ عندك حق.. الأفضل جوزك هو اللي يبقى معاكي.. عموما اللي يريحك.

توقف أمام المشفى لتغادر سيارته بصعوبة من فرط الألم ثم جلست جانبًا فوق الدرج عاجزة عن صعوده.
_ طب خليني أساعدك لحد ما تدخلي الأستقبال.
وجدت نفسها تحدثه بحدة مما تشعر به من ضغط.
_ من فضلك يا أستاذ رامي أمشي وكتر خيرك لحد كده.. هتصل بجوزي وهو اللي هيساعدني.
استقبل حدتها بحزن وغمغم بحرج.
_ أنا أسف كان قصدي أساعد.. مش هاين عليا أسيبك في الحالة دي لوحدك.
_ شكرا لحضرتك.. اتفضل وأنا هتصرف.

لم يبقى له سبيلًا إلا الرحيل لتهاتف زوجها وتخبره بما صار معها..استشعرت خوفه الشديد وهو يقول في عجالة.
_ خليكي مكانك يا حبيبتي دقايق واكون عندك.

لم يمضى القليل إلا و وجدت سيارة أصيل تقف أمامها يغادرها بلهفة مهرولًا نحوها يتحسس قدمها المصابة بحزن.
_ ايه اللي حصل يا حبيبتي.
_ كعب جزمتي اتكسر..حاولت امشي رجلي اتلوت من غير ما اقصد.
حملها بين ذراعيه يمنحها نظرة دافئة وهو يصعد بها الدرج المفضي لردهة أستقبال المشفى.
_ سلامتك يا حبيبتي.. إن شاء الله بسيطة.
أخفت وجهها بكتفه تشعر بالخزي لمواجهته..هل لو علم أصيل أن رجل غيره لمس كفها وساعدها لتصل إلى هنا سوف يمرر الأمر؟
_ جيتي ازاي هنا لوحدك؟
توقعت سؤاله وأعدت الإجابة مسبقًا.
_ طلبت أوبر وصلني لحد هنا بس مقدرتش اطلع السلم لوحدي.
لثم رأسها لتشعر بحرج مما ينظرون لهما وهو يعبر بها ردهة الأستقبال وسريعا ما تعامل المختصين معها.

_ شرخ في الكاحل.. هتحتاج أسبوعين أو تلاتة متمشيش على رجلها لحد ما تخف تمامًا.
هكذا قال الطبيب الذي استكشف حالة قدمها وشرع في لف جبيرة حولها تحت نظرات أصيل الحزينة لأجلها..حملها بين ذراعيه متوجها لسيارته وأسكنها بحرص في المقعد الأمامي متخذًا موضعه جوارها.. التقط يدها وقبلها بحنان.
_ ألف سلامة عليكي حبيبتي.. معلش في ميزان حساناتك.
أومأت له شاعرة بالإجهاد والضيق معًا لتعبر عنه.
_ هعمل ايه في شغلي يا أصيل.
_ متقلقيش هروح بكرة اطلبلك إجازة ومعايا الإشاعة بتاعة رجلك.. مفيش حاجة أهم من صحتك دلوقت.
وعدل لها وضع ظهر مقعدها لترتاح في جلستها استرخت مغمضة عيناها تهرب من نظراته.. تشعر أنه لو دقق النظر إليها لكشف كذبها بشأن مجيئها إلى المشفى.. كما وخز ضميرها يؤنبها لكن ماذا كانت تفعل وهي عاجزة عن النهوض وحدها..ما كان أمامها إلا الاستعانة برامي.. الأمر بسيط لا يحتاج منها كل هذا الجلد من ضميرها..ليكف هذا الأخير عن لومها.. لا ينقصها لومه.
_________

في نفس لحظة مغادرة ريان البناية كانت هي مّقدمة عليه مفترشة ابتسامة تُخبِر عن سعادتها لتلك المصادفة.

_ استاذ ريان ازيك دلوقت بقيت احسن؟
وبجراءة كانت عيناها تمر على جسده الّذي استعاد كامل عافيته لتهتف بينما هو يرمقها بجمود.
_ الحمد لله على سلامتك.. متتصورش حضرتك أزاي كنت هتجنن عشانك.
تنحنحت حين شعرت بتجاوزها بوصف مشاعرها.
_ قصدي زعلت عشان اللي حصلك بس الحمد لله شكلك بقيت احسن عن ما كنت في المستشفى.
ضيق عيناه وهو يرمقها بغموض ليُحدثها للمرة الاولى.
_ هي ضحى عارفة إنك طالعة عندها؟
_ الحقيقة لأ.. انا كنت قريبة من هنا قلت اطلع اطمن عليك..
لتتلعثم ثانيًا متراجعة عن قولها سريعا.
_ قصدي عليكم كلم.. أصلها من وقت الحادث بتاعك مش بتكلمني خالص.. قلت اجي اسأل.. ضحى صحبتي وغالية عندي.
رمقها بتظرة فاحصة لا تخلوا من استهزاء مبطن ثم قال.
_ممكن نروح مكان نتكلم شوية ولا لازم تطلعي لضحى دلوقت؟
صاحت بلهفة لا تصدق انه يدعوها لتصحبه في مكان ما.
_ لا مش مهم اطلع لضحى.. قصدي عادي ممكن اعدي عليها وقت تاني.
غمغم بمزيد من غموضه.
_ هنشوف.
وتقدم ناحية سيارته وهي خلفه تركض مثل جروّ.. جاورته في المقعد الأمامي.. نفس المكان الّذي تحتله ضحى بالعادة.. شعرت بتلذذ ونشوة طاغية داخلها وهي تتخيل ولو للحظات أنها بالفعل مكانها.. هي من تجلس جواره..وتتحدث معه ويمنحها تلك الابتسامة الحانية التي يمنحها لضحى.

التزم الصمت يقود سيارته شاردًا يرتب أفكاره والقرار الذي اتخذه بينما هي تتأمل جانب وجهه بوله واضح.. منجذبة له حد الجنون.. لتتسائل بخضم نشوتها عن سبب اصطحابه لها؟ وأين يأخذها وفيما يريدها؟ لكن هل يهم؟ ألا يكفي انها اخذت فرصة لتكون معه دون زوجته؟.. مهما كان ما سوف يحدثها به لا يهم.. ما يصير الآن هو خطوة ولو صغيرة في طريق حلمها بهذا الرجل.

_ كنت خايفة عليك أوي.

قالتها وهي ترمقه بنظرة جريئة تحاول استقطابه دون ان تتراجع عما قالته تلك المرة… وقد قررت ان تُجاهر بلمحة من مشاعرها نحوه علّه ينتبه لها.. لكن للعجب لم يبدي ريان رد فعل لما قالته وظلت عيناه ثابتة گ الصقر فوق الطريق بتركيز.. أغراها صمته بأن ما قالته قد راقه.. فواصلت بوقاحة.
_تعرف.. عمري في حياتي ما خوفت على حد كده.. رغم اني كنت زعلانة منك عشان اخر مرة عاملتني بطريقة مهينة ونزلتني وسط الطريق.. لكن لما…..

_ شكلك هتزعلي مني المرة دي كمان يا أنسة جيلان.

ضيقت عيناها بغموض لما قاله متوجسة من نبرة صوته الباردة خاصتًا حين التفت لها ريان يرمقها بازدراء.
_ الحقيقة أنا ميفرقش معايا خالص زعلك.. أنتي كُلك على بعضك متسويش حاجة في نظري.

اتسعت عيناها عن اخرها بذهول لكلماته التي لم تتوقعها قط..ما الّذي يقوله؟ كيف يُحدثها بتلك الطريقة؟

_ طول عمري مبحبش الحاجة الرخيصة لأنها بتبقى مزيفة شكلًا وموضوعًا..وانتي كده بالظبط.. بتمثلي إنك بتحبي ضحى لكن انتي في الحقيقة مبتحبيهاش..علاقتك بيها مجرد علاقة بتحققلك مكاسب مش أكتر..رغم أنها للأسف بتعاملك بكل صدق وإخلاص ومعتبراكي فعلا صديقة مهمة.

تجرعت ريقها الّذي كاد يتجمد من دهشتها لهجومه.. وكأن رياح باردة صفعت جسدها بأكمله بعد أن كشف ريان عن ستائر خبثها بكل بساطة كاشفًا نواياها المتوارية خلف الستار.. ليسترسل متجاهلا تعابير وجهها.

_ أنتي متستاهليش تكوني صديقة مراتي.. أنتي مش شبهها ولا هتقدري تكوني زيها.. عشان كده أنا بحذرك تحاولي تكلميها أو تزوريها مرة تانية..أختفي من حياتها و أنسي إنك تعرفيها وإلا قسمًا عظمًا أفضحك قصادها ومش بس هي.. أمك المسكينة اللي فاكرة أنها ربت واحدة محترمة.. هخليها تحس بالعار لما تعرف إن بنتها بتبص لجوز صاحبتها اللي أحسنت إليها.

هجومه المباغت وتهديده وكشفه لبواطنها عقد لسانها لحظات لكنها تماسكت وحاولت الدفاع عن نفسها وصون ما تبقى من كرامتها وهي تنفي اتهامه.

_ ايه اللي حضرتك بتقوله ده.. أنا مسمحلكش تكلمني بالطريقة دي وتظلمني بالشكل ده.. أنت اكيد فاهم غلط يا استاذ ريان.. أنا مستحيل أعمل اللي اتهمتني بيه ده.. وضحي دي صحبتي وربنا يعلم أني.

_ إنك كدابة ومنافقة.. ولولا خايف على ضحى من صدمتها فيكي لو عرفتها حقيقتك كنت عرفتها..بس خسارة مراتي تزعل لحظة بسبب واحدة رخيصة زيك..أنتي أتفه من إنك تزعليها..وانا كفيل ابعدك عنها.

ضيقت جيلان عيناها ترمقه بكل ما تولد بها من حقد وغضب لإهاناته المتوالية لها وهو يواصل سحق كرامتها تحت مقصلة كلماته الجارحة..وكانت تظن بغباء أنها ربما تؤثر بها وتجذبه إليها وهو سوف يستجيب مثل سائر الرجال لغرائزه وغروره أنه مرغوب من أخرى.. لم تكن تعلم أنه وفيّ لزوجته بهذا القدر.. ويستحقرها لهذا الحد.

_ الراجل اللي قدامك ده لف ودار وياما شاف في حياته ويعرف يحكم على الناس كويس أوي.. وأنتي بت مش سالكة وقلبك أسود حقود..  وبجد غبية أوي.. فاكرة إنك كنتي هتقدري تأثري عليا أو مش هفهم مكرك.. لو تعرفي أصلا شايفك ازاي تدفني نفسك مكانك من كتر ما بحتقرك.

_ أخرس أنا مسمحلكش.
_ أنتي اللي تخرسي.. ويلا انزلي غوري في داهية.. وطيفك مش عايز ألمحه جنب مراتي وإلا هخليكي تندمي ندم عمرك.. فاهمة ولا لأ؟

غادرت السيارة تشيعه بنظرات حارقة تفيض حقدًا وغل وكره.. تُقسم داخلها أنها لن تتركه هانئًا بعد ما فعل معها.. لم يُهينها ويجرحها أحدًا مثله.. ولن تكون جيلان إن لم ترد له الصاع عشر أضعاف.. مهما خسرت في المقابل سوف تثأر لكرامتها التي مزقها بسيف كلماته..مهما كانت العواقب سوف تذيقه الندم قبل أن يفعل هو معها.. والأيام بينهما.
_________

يحاصرها بنظرات غامضة منذ عودته، لا يدري ماذا يقول لها ويبررر طلبه.. لكن هل يلزمه التبرير؟ هو لا يرتاح لتلك السمجة وكفى.. وعلى زوجته الطاعة.

_ ضحى أنا عايز اطلب منك طلب أوعديني تنفذيه لأن بالنسبالي مفيش فيه أي نقاش.. قرار أخدته وشايف أنه الأصلح.
تسرب إليها القلق لتتسائل بعجب.
_ قرار ايه يا ريان اللي مفيهوش نقاش قلقتني؟ معقول تقصد موضوع سفرك؟ يعني أخدت قرار بالسرعة دي؟
ثم تحفزت تراجعه في قراره.
_بس انا لسه مش موافقة و…
قاطعها.
_ أنا مش بتكلم عن سفري يا ضحي لأني فعلا لسه بفكر فيه ومأخدتش قرار.
_ أمال قصدك ايه؟
انتفخ صدره بتنهيدة يستعد لرفضها المحتمل.
_ جيجي.
_ مالها.
_ أقطعي علاقتك بيها.. وفورًا.

صمتت قليلا تستوعب ما قاله لتتمتم بدهشة.
_ ايه اللي بتقوله ده ريان.. يعني ايه اقطع علاقتي بجيجي مش فهماك؟!.
_ وايه مش مفهوم في كلامي يا ضحى؟ بقولك اقطعي علاقتك بجيجي.. ولا تكلميها ولا تردي عليها.. وطبعا ما تدخلش البيت ده تاني.
_ وايه سبب القرار ده ممكن اعرف؟
لتبدأ ثورتها بالاشتعال.
_ وبعدين هو أنت المفروض تاخد عني قرار زي ده؟ انا عمري اتدخلت في علاقتك بأصحابك؟ هو أنا طفلة قدامك يا ريان؟
_ ياريتك طفلة يا ضحى.. كان يبقى ليكي عذر إنك مش فاهمة.
_ مش فاهمة ايه يا ريان؟ ما توضح كلامك.. ليه غامض كده.
_ضحى أنا بفهم الناس أكتر منك..صدقيني البت دي مش سالكة ناحيتك.. مش بتحبك وبتغير منك وتحقد عليكي.
استنكرت قوله وناطحته.
_ ايه اللي بتقوله ده حرام عليك دي غلبانة وعمرها ما تحقد عليا ابدا.
_انتي اللي غلبانة وحرام عليا بجد لو سبت البت دي تقرب منك تاني.. وقراري أخدته وخلاص.. اقطعي علاقتك بيها نهائي يا ضحى ومتحاوليش تكلميها او تردي عليها.. وإلا صدقيني مش هيحصل طيب.
_ ريان!
_ ضحى خلاص خلصنا.. مفيش نقاش في الموضوع ده..قلت علاقتك تتقطع بيها نهائي.
وتركها شاعرة بالقهر من قراره.. للمرة الأولى يفرض أوامره عليها دون نقاش وهذا ما لم تعتاده منه. ويحزنها.
________
رواية بصائر تغشاها الثرى.
بقلم دفنا عمر.

يجلسون حول الجدّة أم هاشم في ردهة البيت يراقبونها وهي تصنع مشروب القهوة فوق تلك السبرتاية النحاسية التي تعلوها دلّة من نفس نوعها، ما أن اقترب سائل القهوة من فورانه حتى رفعتها الجدّة وصبتها داخل الفناجين..تلذذت غنى برائحتها ثم طعمها الذي ارتشفت بعضه لتغمض عيناها تغمغم بحنين.
_ الله يا طنط على ريحتها، أول مرة في حياتي أدوق قهوة بالجمال ده..لتنظر أمامها تواصل بانبهار.
_ خصوصا اللي بتتعمل على السبرتاية بمزاج..حقيقي ممتعة.
ابتسمت العجوز تتمتم بغموض.
_ خلاص يا غنى اعتبري السبرتاية النحاس دي ملكك.
اعترضت تقول.
_ لا طبعا يا طنط انا عارفة حضرتك ماتستغنيش عنها ومش بتشربي قهوة غير فيها وازاي بتعتزي بها.. كفاية جبتيها معاكي وشربت منها مرة.
شردت العجوز بشخوص.
_ كان أبويا الله يرحمه بيحب السبرتاية دي أوي  .. ولما كان يجي عندي يجيبها معاه وميشربش القهوة إلا منها.. كان كييّف قهوة وقعدته حلوة ودافية وكلامه كأنه حكم وأمثال الناس تاخد منها العبر.

انجذبت غنى لحديثها الشيق المفعم بماضيٍ جميل تخوض الجدّة بس بسراديبه.. صمتت دون ان تقاطعها تاركة لها المجال لتسترسل في حكاويها الشيقة، الفرحة تغمر قلبها لمكوث الجدة لديها ثلاثة أيام كاملة.. لم تصدق انها ستفعل إلا حين مضى يوم زيارتها الأول كعادة كل شهر، لتجدها تأخذ الصغار غرفتها وتنام.. دثرتهم غنى ترمي العجوز بنظرة حنان لا تقل عن نظرتها لأطفالها وعادت لغرفة هاشم الذي غاب حتى منتصف الليل.

_ كنت افضل قاعدة مع أبويا نشرب القهوة أسمع حكاويه الحلوة وامي في المطبخ بترتبلي كل حاجة جابتها في التلاجة عشان تريحني بعد كده.. كانت عفيّة لأخر عمرها.. المرض مسكها بس وقت الموت.
غنى بامتنان.
_ وانتي بتعملي معايا زي ما كانت والدتك بتعمل..لما جيتي امبارح وقفتي تظبطي في الحاجة اللي جبتيها وترصي في الفريزر.
لتلتقط غنى يدها تُلثمها بمحبة طاغية.
_ ربنا ما يحرمني من حنانك عليا.
ربتت العجوز فوق رأسها برفق.
_ أنتي بنتي يا غنى، عمري ما شوفتك مرات أبن.
لتغيم عيناها بذنب.
_ كفاية إني اختارتك لابني وبليتك بيه رغم اني عارفة عيوبة.. قلت يمكن بالجواز ينصلح حاله.
قالت محاولة طمس الذنب لديها رغم حزنها الدفين.
_ بس أمي وابويا وافقوا.. وانا وافقت على هاشم لاني كنت بحبك وعايزة اعيش معاكي.. وكله نصيب في الأخر متحمّليش نفسك الذنب.
_ وافقتوا إكرامًا ليّا وثقة في كلمتي انك هتكوني متصانة في بيت ابني..بس.
_ أنا اخدت نصيبي وربنا عوضني بولادي وبيكي.
رمقتها بنظرة غامضة لم تفهمها غنى لكن قبضة قلب تنغز قلبها لا تدري سببها.. المفترض أن الأجواء سعيدة مُريّحة بوجود الجدة، لكن داخلها تشعر بسوء قادم.

_ تيتة ممكن نشرب قهوة معاكم.
هكذا قال الصغير عمرو الّذي يجلس بينهم هو وشقيقته شهد.. لتمنحه الجدّة ابتسامة حانية.
_ عيون وقلب تيتة..هاتي يا غنى فناجين صغيرة للولاد.
اعترضت الصغيرة معربة عن رغبتها.
_ تيتة نفسي اشرب في الفنجان النحاس زيكم.
اتسعت ابتسامتها تحوطها بدفء ملبيّة طلبها.
_ بس كده؟ طلباتِك أوامر يا حتة من القلب.
_ يلاش يا طنط يشربوا قهوة هتسهرهم..انا مش معوداهم عليها.
اجابتها برفق وهي تضم الصغيران بذراعيها.
_ مرة واحدة من نفسهم. يا غنى.
لتغمغم بذات النظرة الغامضة.
_ مش عايزة اخلي في نفس أحفادي حاجة.
شعر الصغار بسعادة بالغة وهما يشاركان الكِبار قهوتهما للمرة الأولى.. تلك التي كانت بمثابة فاكهة مُحرّمة عليهما.. قبل ان تُلبي الجدّة رغبتهما الصغيرة.

فرغوا جميعًا من احتساء القهوة والحكاوي الدافئة، لتلملم العجوز جسدها تنهض وهي تقول.
_ كان نفسي هاشم يجي يقعد معانا القعدة الحلوة دي..من وقت ما جيت مقعدش معايا.
_ للاسف هاشم بيسهر على القهوة كل يوم مع اصحابه مش بيطلع دلوقت.
تنهدت بحزن.
_ الله يهديه ويصلح حاله.
صرفت غنى صغارها قائلة.
_ يلا يا حبايبي روحوا أوضتكم ناموا عشان الصبح بدري تصحوا تقعدوا مع تيتة.
تشبث الصغار بثوب الجدّة معلنين تمردهم بعناد وعدم تركها.. لتتثبث هي الأخرى بهما تقول برفق.
_ خليهم يناموا الليلة معايا يا غنى.. انا مشبعش منهم.
_ نومهم وحش يا طنط بالذات عمرو.. هيصحيكي ويقلقك.
_ والله ما هتحرك كتير وهنام هادي جنب تيتة.
شهد: وانا كمان يا ماما هنام في حضن تيتة ومش هضايقها.
تنهدت غنى بقلة حيلة.
_ والله يا طنط انتي بتدلعيهم جامد لما بتيجي  مبقدرش عليهم بعد كده.
ابتسمت وهي تمنحها نظزة راضية وقبل ان تبلغ غرفتها استدارت بغتة تقول لها.
_ غنى.. لسه فاكرة وصيتي؟
رمقتها بدهشة لذكر أمر كهذا الأن لكنها اجابت.
_ طبعا يا طنط فاكرة بس…
قاطعتها قبل ولوج الغرفة.
_ قلت أفكرك بيها واطمن.
واختفت خلف الباب الموصد لتقف غنى تنظر لبابها بخوف تملكها بشدة، لدرجة انها ارادت ان تنضم إليهم وتنام هي الأخرى جوار الجدّة لكنها تراجعت تنهر نفسها بخفوت.
_ استعيذي بالله يا غنى.. ده شطان عايز يقل راحتك كل اما تكوني مبسوطة.. مفيش حاجة وحشة هتحصل.. قلبك المرة دي كداب.
واختفت هي الأخرى خلف باب غرفتها تحاول النوم الّذي يزهد عيناها.

_ حافظ قرآن يا عمرو؟
الصغير بحماس.
_ أيوة يا تيتة حافظ جزء عمَّ.
شهد مشاركة هي الأخرى بإنجازها.
_ وأنا كمان يا تيتة حافظة قرآن زي عمرو.
ابتسمت وهي تمد جسدها بينهما.
خلاص كل حد فيكم يقرأ سورة.. أفضلوا كده لحد ما اروح في النوم.. بس لما انام محدش يصحيني..اتفقنا؟

وعدها الصغار ثم بدأ عمرو بقراءته لتتبعه شهد بسورة أخرى وظلوا هكذا يتناوبان على تلاوة القرآن وهما يراقبان ابتسامة الجدّة الصافية وهي تتنقل ببصرها بينهما كأنها تدخر ملامحهما الحبيبة بقلبها.. ثم أسبلت عيناها ولاتزال ابتسامتها كما هي مفروشة فوق شفتيها الرفيعة الشاحبة..بدأ النوم يداعب عيون الصغيرة لتنام على صدرها بهدوء.. ولم يمضْ الكثير حتى غفى عمرو على جانب صدرها هو الأخر يؤكد لنفسه في ضميره انه لن يُزعح الجدّة الحبيبة بنومه كثير الحركة.. سوف يكون هادئًا لتنعم بنوم هادئ بينهما وترضى ان يغفيان جوارها في الغد قبل رحيلها لبيتها..ولم يدرك الصغير أن الرحيل قد أتى ولم يبقى للغالية غدًا آخر تعيشه معهما.

صوت الآذان جعلها تفيق من نومتها القصيرة بعد طول أرق لم تدري سببه.. نهضت غنى تتمتم الأذكار وتستعد لصلاة الفجر.. توضأت ثم وقفت تُصلي وبينما هي ساجدة كانت تبكي مع دعائها الخافت لربها.. كانت ترجوه أن يشرح صدرها المقبوض ولا يأتي لها إلا بالخير.. فرغت من الصلاة ومكثت تُسبح وتحمد الله مرارًا قبل أن تجد زوجها يعبر داخل البيت متوجهًا لفراشه دون حتى تغير ملابسه.. بالكاد خلع نعليّه قبل أن يرتمي فوق فراشه.. هزت رأسها بعدم رضا واقتربت منه قائلة.
_ هاشم.. يا هاشم.
همهم بصوت خافت لتقول.
_ أصحى بدري شوية افطر مع أمك لأنها زعلانة منك عشان مقعدتش معاها خالص اليومين اللي فضلتهم معانا.. افطر معاها وابقى نام تاني.. دي خلاص ماشية انهاردة بالليل.

لوح لها دون اكتراث لترمقه بعتب وضيق ثم توجهت نحو غرفتها لتنقل الصغار من فراشها.

ابتسمت حين ولجت الغرفة وهي ترى كلًا من صغارها يحتضن ذراع من ذراعها بينما هي غافية بينهما تبتسم بسلام.. غمغمت غنى بخفوت.
_ شُطار يا ولاد شكلكم نمتوا بأدب وتيتة عرفت تنام
بهدوء وسطيكم لدرجة انها مبتسمة.

دنت تأخذ عمرو بحذر وهي ترفع ذراع الجدّة عنه لتجدها باردة مثل الثلج.. توقفت تنظر لها ونبضات. خافقها تتسارع مع هواجسها..چست يدها الأخرى لتجدها على نفس الحال..كشفت غن قدميها تلمسها لتجدها باردة گ سائر جسدها.. بدأت سُحب الدموع تتكون بمقلتي غزل والحقيقة المؤلمة تتأكد لديها مع كل شيء تفعله.. قربت كفها تضعه قُرب أنفها علها تشعر بأنفاسها.. لكن كانت ساكنة سكون الموتى.. لا شيء بها يتحرك فاقدة للروح.. كتمت غنى فمها بقوة تمنع صرختها كي لا تُفزع صغارها.. واستجمعت كل قوتها لتحمل الصغار تباعًا لغرفتهما ثم عادت لها تغلق الباب خلفها.. دنت إليها ودموعها مثل المطر تحاول التماسك تستنجد برب العالمين يمنحها قوته وحوله.. مكثت تنظر لها بعين لا تصدق ما تراه..مستحيل أن تكون فارقتها بهذه السرعة..مستحيل..نظرت للعتمة حولها ثم همست بصوت باكي يفطر القلب.

_متخافيش يا حبيبتي مش هشغل النور عليكي وانتي نايمة.. عارفاكي مبتحبيش حد يزعجك ويقل راحتك.. ثم مررت اناملها المرتجفة فوق وجهها المضيء كأنها تودعه.
_ انتي مش محتاجة نور.. وشك منور الأوضة كلها.. انتي جميلة أوي انهاردة كأنك.
وصمتت تمنع بقوة هائلة شقهاتها ودموع تتسرب من عيناها مثل النهر تغمغم بخفوت وصوت مختنق باكي.
_ طول عمرك مبتحبيش حد يبكي قصادك عشان كده مش هبكي.. ولو انك تستاهلي ابكي عليكي العمر كله..العمر اللي عشناه سوا مشوفتش منك فيه غير كل خير وحب ورحمة وعطف.. حبتيني أكتر من أمي وحبيتك أد ما حبيتها.
توقفت تخنق بكائها بحلقها تكتم بركان صراخًا يود ان ينفجر داخلها.. لن تبكي وتُحزن روحها الحبيبة..واسترسلت تُحدثها بأحاديث لا تدري لماذا تتذكرها الأن

_ عارفة ليه وافقت على هاشم لما جيتي طلبتيني؟ وافقت عشانك انتي.. كنت بحبك اوي من صغري.. كنتي بتيجي عند امي وتشتري ليا حاجات حلوة وتاخديني على رجلك وتقولي (غنى دي بنتي حبيبتي اللي مخلفتهاش..و يوم ما اموت هتغسلني بإيدها) ..مكنتش فاهمة ساعتها معنى كلامك وأمي بتدعيلك بطولة العمر.. بس كنت بوعدك إني هعمل اللي هطلبيه مني.. وانا دلوقت بوعدك إني.

ولم تستطع كبح نحيبها أكثر.. انكفئت بوجهها تبكي وهي تمسك كف العجوز بقوة تحاول ان تستمدها منها كنا اعتادت.. لكن كيف وجسدها فقد قوته و دفاه المعهود وأضحى قطعة من الثلج؟..حاولت السيطرة على شقهاتها لتستعيد صوتها من جديد تقص عليها ما في نفسها وكأنها تسمع.

_فاكرة لما كنتي بتاخديني معاكي الجامع وتحفظيني قرآن بنفس الطريقة اللي بحفظ بيها احفادك دلوقت؟.. كنت بحسك امي التانية.. بتحبيني وتعوضيني إحساس الغيرة اللي كنت بحسه عشان امي بتحب غزل اختي اكتر مني.. كنتي حاسة بيا وفاهمة كل حاجة لدرجة سمعتك مرة بتعاتبيها وهي ردت عليكي ان اختي صغيرة محتاجة دلالها واني بقيت كبيرة وفاهمة الصح والغلط.. ولما كبرت وبقيت شابة سمعت امي بتقول لابويا إنك عايزة تاخديني لهاشم.. وقتها اضايقت لاني مبحبوش.. هاشم من صغرنا كان بيضربني وياخد مني اي حاجة حلوة تشتريها ليا.. لكن انتي كنتي بتدافعي عني وتاخديها منه وتراضيني وتزعليه.. مكنتش هوافق اتجوزه ابدًا رغم حبي ليكي لان قلبي كان متعلق بحد تاني.. لكن لما قلبي انكسر وعرفت ان الشخص اللي حبيته طول عمري وحلمت اكون له وانتظرته يجي ياخدني بحصانه الابيض زي كل البنات.. طلع بيحب غيري ومش شايفني أصلا.. حسيت بيأس شديد وحزن ..هانت الدنيا في عيني وزهدت فيها..قلت خلاص مش فارقة.. هاشم زي غيره مادام مفيش حب.. اي راجل والسلام ويمكن بالعشرة يتغير وكفاية إنك أمه.
لتكفكف دموعها الغزيرة تواصل تخدع عقلها أن الغالية لاتزال حيّة تسمعها.
_ولما اتجوزت وحصل مواقف كتير تخليني اهرب من بيت هاشم.. انتي اللي كنتي بتصبريني وتحميني أد ما تقدري..لدرجة إني قررت اكمل عشانك.. استكفيت بيكي وبولادي..انتي كنتي مصدر قوتي.
لتعاتبها باكية مثل طفلة فاقدة كل تماسكها الواهي.

_ينفع تسيبيتي كده في الدنيا لوحدي من غير ضهر؟ أهون عليكي؟ مين هيدافع عني لو هاشم ظلمني؟ ليه مشيتي بدري كده؟ كان لسه بدري وداعك يا غالية.. مشيتي ومش هيفضل ليّا غير وجع القلب على فراقك اللي ربنا يقويني عليه.

أهتزت رأسها تبكي بصوت مكتوم وكل جسدها يهتز معها من قوة بكائها لتمسح دموعها وتواصل سكبها الكلمات على أذن الحبيبة الراحلة.
_ انا اللي هغسّلك بإيدي زي ما كنتي بتتمني واعطر جسمك الحلو بالمسك .. ولو إنك مش محتاجة.. ريحتك الحلوة ماليا الأوضة كلها كأنها بتشيعك للجنّة..مانتي أكيد هتدخلي الجنة بإذن ربنا ورحمته.
ليجري الدعاء الصادق على لسانها.
_بحق كل مرة جبرتي فيها خاطري ومسحتي دمعتي.. بدعيلك تدخلي الجنة من أوسع أبوابها يا غالية.. كل حاجة وصتيني بيها هعملها.. هصبر على هاشم أد ما اتحمل واربي احفادك زي ما حلمتي تشوفيهم شيء يشرف ويرفع الراس.. هحفّظهم كتاب ربنا عشان يحميهم من كل شر..ارتاحي يا غالية.. بنتك مش هتنساكي ولا تنسى كلمة قولتيها ليها في يوم.

وبيدٍ مرتجفة وبكاء خافت يعتصر قلبها جذبت فوق جسدها الغطاء وغادرت الغرفة بعيون منتفخة لتجد هاشم مستيقظ وعلى وجهه بقايا النوم يخبرها بغلاظة.
_ اعملي فطار عشان جعان.

وقفت غنى ترمقه بحزن امتزج بنفورها منه لجفاه لامه لكن للعجب شعرت بشيء اخر ..شعرت بالشفقة عليه.. ذاك البائس لم يأخذ فرصة لوداع يليق بوالدته..لم يناله نصيبًا لتخبره بكلمات ربما علقت بقلبه وغيّرت من نفسه..لم يحظى بذكرى يتذكر بها لحظاتها الأخيرة.. ضنّت عليه الدنيا بتلك المنحة لأنه حتمًا لا يستحقها.. ماتت والدته دون أن تنظر له نظرتها الأخيرة.

_ مالك واقفة بتبصيلي كده ليه؟ مسمعتنيش؟
بقولك روحي…..

_ أمك ماتت يا هاشم..روح حضّر لدفنتها.

قاطعته بما تبقى في صوتها من قوة ثم تنحت عن الغرفة لتترك له مساحة خاصة يودع والدته الراقدة بفراشها رقدتها الأبدية.
__________

الفصل السادس.
———–
خوف أصيل عليها جعله يحضر والدته تقيم معها طيلة النهار كي تهتم بها أثناء غيابه في عمله.. بينما يتولى هو أمرها حين يعود بحنان شديد كأنها ابنته..العجيب ان فرط اهتمامه هذا لم يجعلها تسعد بل شعرت بالضجر والملل وتمنت أن تتعافى سريعًا وتعود لعملها الذي أحبته واشتاقته.. لكن هل هذا فقط ما تريد العودة بشأنه؟ أم داخلها تريد رؤية ذاك الزميل الّذي لم يبرح عقلها؟حديثه المتباسط معها قبل الحادث أربكها..نظراته القَلِقه عليها حين تركها أمام المشفى لم تبرح عقلها.. يحتل أفكارها بشكل غريب خاصتًا مع شعورها أنها قابلته يومًا ولاتزال عاجزة عن التذّكر.. تُرى هل حقًا تعرف هذا الشخص وهو يعرفها؟  إن كان كذلك لما لا يُذكّرها به؟   الغموض الذي يحوطه يجذبه لأفكارها بإلحاح تعجز عن التخلص منه.

انتبهت لصوت أصيل بالخارج يلقي التحية على والدته وسريعا ما ولج الغرفة يتفقدها.. جلس جوارها ومال ولثم جبينها قائلا بحنان.
_ أزيك انهاردة يا حبيبتي.. رجلك لسه بتوجعك.
هزت رأسها قائلة.
_ يعني بتوجعني شوية.
_ معلش مع الوقت هتخف.. وبعد ما تتغدي هتاخدي المُسكّن وترتاحي.
اومأت له دون قول المزيد ليخبرها.
_ هاخد حمام على ما أمي تحضر السفرة عشان تتغدا معانا قبل ما تمشي.
وقبل ان يتركها طبعا قبلة أخرى فوق جبينها تلقتها دون تفاعل كأن عطاياه امرًا عاديًا لا يحتاج منها رد او تقدير.

انحنى يحملها من فراشها لطاولة الطعام لتصيح بضيق.
_ يا أصيل مش للدرجة دي سبني امشي لوحدي.
_ يا حبيبتي عشان رجلك متتعبش.
_ لو تعبت هقولك.
وتقدمت أمامه بخطاوي تقيلة تجرّ قدمها المصابة وتتكيء على الجدار ليهز رأسه معترضًا.
_ وليه الحنجلة دي تخليني اشيلك أحسن.
_ عايزة ادرب نفسي على المشي، زهقت من قعدة السرير.
اومأ متفهمًا وهو يربت على ظهرها يتبعها بحرص متأهبًا لمساعدتها إن سقطت.. وصار ما توقعه وكادت تقع لولا ذراعاه تلقفتها ليحملها وهو يعاتبها.
_ قولتلك رجلك لسه وجعاكي مش هتقدري تمشي.

استسلمت له بعد فشلها بالسير وحدها.. اجلسها فوق المقعد المقابل للطاولة بينما عمتها كانت تُطعم صغارها طعام مهروس بحنان وصبر.
_ يلا يا امي عشان تاكلي.
أجابته وهي تدس بعض الطعام بفم الصغار.
_ لما أأكل البنات  الأول.. كُلْ انت وأكل مراتك يا ابني.

اقتطع قطعة لحم ومد يده ليدسها بفم والدته قائلا.
_ أول لقمة لازم تكون من نصيبك يا ست الحبايب.
ابتسمت بحرج وسعادة لفعلته الحانية لينطلق لسانها تدعوا له من صميم قلبها.
_ إلهي تاكل من الجنة ويطعمك ما يحرمك يا أصيل يا ابن بطني.
ابتسم برضا وهو يسمع دعوتها بينما تتابع غزل تعامله مع والدته.. لا تنكر برّه الشديد بها.. هو يعشق أمه ولا يقصر في حقها قط..وجدته يوجه لها هي الأخرى قطعة لحم لتزيح يده قائلة.
_ أنا هاكل لوحدي يا أصيل متشغلش بالك بيا.
أعاد يده ثانيا وأجبرها لتتلقى قطعة اللحم من يده قائلا.
_ الرسول عليه الصلاة والسلام كان بيعمل كده.
بخشوع رددت والدته الصلاة على الرسول وهي تحوطه بنظرات الفخر والإعجاب قائلة.
_ تعرفي يا غزل.. أصيل أكتر واحد في عيالي حنين.. حتة من أبوه ربنا يباركلنا في صحته.. لما كنت اتعب كان يعمل معايا زي أصيل كده.
لتمرر لها نصيحتها المخلصة.
_ الزوج الحنين رزق ونعمة يا بنتي.
اومأت غزل تمنحها نصف ابتسامة وراحت تأكل طعامها كي لا يستمر هو بإطعامها..لقد ضجرت من هذا الاهتمام ولا تريده.

انفض الغداء وغادرت العمة لبيتها بصحبة أصيل ثم عاد لها بعد قليل يعطيها شيئا وهو يقول.
_ اشتريتلك أيس كريم  بالفانيلا والشيكولاتة اللي بتحبيهم.. هو ده اللي هيروق مزاجك.
التقطته منها وشرعت بالتهام بشهية مثل الطفلة.. هي بالفعل تعشق المثلجات بتلك النكهات.. تأملها بحنان وهو يرفع خصلات من رأسها للخلف مغمغما.
_ أنا عارف إنك مضايقة من القعدة دي..عشان كده قلت اشتريلك حاجة تنعشك شوية.
منحته ابتسامة تلك المرة وهي تشكره.
_ شكرا يا أصيل.
اكتفى بمنحها نظرة راضية ثم قال.
_غزل، أنا قررت اوصلك واجيبك من شغلك بعد كده.
انزعجت بشدة لقراره لتجد نفسها تصيح رافضة.
_ لأ طبعا.. احنا اتفقنا اتعامل لوحدي.
أشار لقدمها المصابة يلومها.
_ وادي النتيجة يا غزل.
عاندته.
_ ده نصيب يا أصيل.. وارد يحصل معايا أي موقف متكبرش الموضوع.. وبعدين منا اتصلت بيك وجيت ساعدتني.
_ وافرضي مكنتيش عرفتي تتصلي أو أنا مردتش عليكي لأي سبب؟. أنا مسؤول عن سلامتك ولازم…
قاطعته بحدة.
_ لازم ايه يا أصيل؟ أرجوك بطل تعاملني إني طفلة.. فيها ايه لما رجلي اتكسرت ولا وقعت؟ ايه المشكلة يعني؟وبعدين انا عايزة اتعامل براحتي بلاش تخنقني كده.
نظر لها بحزن.
_ هو لما اخاف عليكي ابقى بخنقك يا غزل؟

تنهدت وهي تطرق رأسها تفكر بصبر قبل ان تستعيد هدوءها وتحدثه برفق دون حدة.
_ أصيل.. عارفة كويس إنك بتخاف عليا زيادة بس صدقني ده على العكس بيضايقني.. خلي ليا مساحة في يومي اعتمد فيها على نفسي.. مش معقول هتعملي كل حاجة.. يمكن واحدة غيري تناسبها المعاملة دي لكن انا لأ.. ارجوك يا أصيل افهمني.

رغم عدم اقتناعه او رضاه أومأ لها محتفظًا بضيقه داخل قلبه كعادته دائما.
_ حاضر يا غزل.. اللي يريحك اعمليه.
شعرت بالراحة ومنحته ابتسامة وعادت تلتهم المثلجات ليراقبها بحزن لم يستطع صرفه.. كلما اغدق عليها بحنانه كلما شعر انها تبتعد ولا تقترب.. ومع هذا سوف يصبر.. يومًا ما سوف تعطي غزل قلبه ما يستحقه..هو ينتظر مكافأة من المرأة الوحيدة الذي عزف لها خافقه بدقاته.. لاتزال حبيبته صغيرة والأيام القادمة قادرة على تغيرها ناحيته.
_____________
شق رنين هاتفها سكون غرفتها المظلمة، تجعد وجهها بإنزعاج، حاولت تجاهله والعودة للنوم لكن إصرار المتصل جعلها تعتدل رغمًا عنها وتجيب بصوت ناعس حتى دون التيقن من هوية المتصل.
_ ألو.
_ صح النوم يا ضحى.
_ مين معايا؟
زوت جيلان حاجبيها بقلق.
_ انا جيجي يابنتي، مسحتي رقمي ولا أيه؟

هنا انتبهت ضحى ورفعت جسدها لتجلس نصف جلسة قائلة بوعي أكثر.
_ مسحت ايه يابنتي أنا نايمة بس ومكنتش فايقة.. عاملة يا جيجي وحشاني والله.
صمتت برهة تحلل نبرة صوتها.. لاتزال ضحى ودودة معها غير نافرة.. تعجبت داخلها.. نعم راهنت أن ريان لن يخبرها بشيء لخوفه الزائد عليها من صدمتها كما قال لها..لكن لم تكن متيقنة من ذلك وظل هناك مساحة من الشك..ابتسمت هنا براحة وعادت تحدثها بود زائف.
_ وانتي وحشاني أكتر يا ضحى.. بس زعلانة منك مبتسأليش عن صحبتك.
تعللت الأخيرة.
_ مشاغل والله يا جيجي، كارما كانت واخدة دور البرد اليومين اللي فاتوا وتعبانة اوي.
شهقت مصطنعة الخوف.
_ يا خبر؟ يا حبيبتي يا كارما..سلامتها ألف سلامة.. خلاص انا هعدي عليكي بعد ما اخرج من المدرسة واطمن على حبيبة قلبي.
_ لأ يارجيلان مينفعش تيجي.
اندفعت ضحى بدافع خوفها من مخالفة أوامر ريان رغم أنها ليست على قناعة من قراره لكنها مجبرة ان تطيعه.
اما جيلان لم تغفل عن خوفها المريب من زيارتها لتحلل الأمر سريعًا دون حاجة لذكاء.. ريان منع زوجته من استقبالها في البيت.. لكن ألم يخبرها بسبب منعه لها؟ تُرى إلى أي مدى صارحها بما يخفى عليها؟ ولمي تعرف يحب ان تقابلها وجهًا لوجه.
_ مش عايزاني ازورك يا ضحى؟
حاولت الأخيرة تلطيف اندفاعها.
_ لأ طبعا البيت بيتك أي وقت بس انا بصراحة هقلب الشقة وهتكون مش مناسبة لاستقبال ضيوف.
_ هو انا غريبة؟ أنا اجي اساعدك دي مش اول مرة ارتب معاكي البيت.
_ وده معقول بردو تيجي وتتعبي معايا مش هكون مبسوطة..بصي ايه رأيك نتقابل عند بابا؟
عقدت حاجبيها مستفسرة.
_ بيت والدك؟ اشمعنى؟!
_ انا رايحة بكرة عنده وهبات لتاني يوم.
لتتبدل نبرتها للحزن.
_ بابا كمان تعبان يا جيجي وخايفة عليه أوي.. ولولا خوفت كارما تعدية كنت روحتله الاسبوع اللي فات بس الحمد لله بنتي خفت ورايحة بكرة.. عشان سالم أخويا يرجع بيته يرتاح شوية.. بصراحة هو اللي كان مراعي بابا وشايله الفترة اللي فاتت وجه دوري أخد مكانه.
تفهمت قائلة.
_ ألف سلامة على والدك إن شاء الله خير.. خلاص هزورك عنده بكرة بعد العصر.
تنهدت ضحى براحة.
_ أيوة هناك نكون براحتنا اكتر.
_ ماشي يا حبيبتي أسيبك تكملي نومك وبكرة نتقابل.

اغلقت جيلان ترتسم على شفتيها ابتسامة ماكرة..يبدو حقًا انه لم يخبر ضحى بكل شيء.. فقط امرها ألا تستقبلها في منزلهما.. سخرت داخلها من حماقته.. لو اراد منعها حقا لقطع زيلها..لكنه ترك لها مساحة ولو محدود تستكشف بها كل شيء لتختار لحظة بخ سُمها وتنتقم وتثأر لكرامتها.. فلن تنسى إهاناته لها واحتقاره وإذلالها وهو يرميها عرض الطريق ويذهب غير عابيء بها.

أما ضحى كانت تشعر بتأنيب ضمير لإخلاف وعدها لريان الذي اخذه منها عنوة.. لكن ماذا كانت تفعل في موقف گهذا؟ كيف تصدها وتصدق انها تغار منها؟ لم ترى قط منها ما يؤكد قوله..جيلان رفيقتها وعزيزة قلبها.. تنهدت وهي تخبر نفسها أنها لن تستقبلها في بيتها كما أمر.. اما في بيت أبيها هي حرة باستقبالها.. ارتاحت لهذا الخاطر ثم تغاضت عن الأمر وهي تتفقد البرّاد لتقرر ما سوف تطهوه من غداء قبل وصول ريان.
_______

باهتمام راحت ضحى تُنقب في أشيائها للمرة الثانية علها تجد ضالتها وحين يأست تخصرت وهي تزفر بضجر.
_ راحت فين بس ياربي.
انتبه لها وترك تصفح هاتفه متسائل.
_ مالك يا حبيبتي؟
_ميدالية المفاتيح بتاعتي يا ريان مش لاقياها بقالي فترة وفيها مفتاح شقة بابا وبوابة العمارة..صحيح البواب دايما موجود بس ساعات مش بلاقيه.
عقد حاجبيه.
_ غريبة ودي ضاعت أمتى اول مرة اعرف.
تحسست جبينها تحاول التذكر.
_ مش فاكرة بالظبط امتى.. بس لما اختفت قلت يمكن نسيتها عند بابا.. قلبت الدنيا المرة اللي فاتت ملقيتهاش.
_ امال كنتي بتدخلي بيتنا ازاي؟
_ ما كان في نسخة في الدرج اخدتها.. بس مفاتيح بيت بابا هي اللي مش معايا دلوقت.. دايما سالم بيكون هناك وبيفتحلي الباب..وللأسف نسيت اخد منه نسخة.
واسترسلت بضيق.
_ انا زعلانة على الميدالية الفضة نفسها.. كانت هدية منك وفيها صورة كارما بنتنا وهي بيبي.
نهض يحتضنها برفق.
_ ولا تزعلي نفسك يا ضيحا.. هوصلك لبيت باباكي واتصل بسالم دلوقت يحضرلك نسخة من المفاتيح هناك عشان متنسيش.. ولما ارجع البيت هدور مرة تانية على الميدالية يمكن ألاقيها .
واصل بتأكيد.
_هي كارما مفيش غيرها أكيد لعبت بيها ورميتها في حتة.. مش اول مرة حاجات تختفي بسبب شقاوتها.
ابتسمت بحنان.
_ اه والله بنتك دي عفريتة.. عدوها تسيب حاجة مكانها.
شاكسها.
_ شقية زي ابوها.
ضحكت تؤكد قوله بإيماءة ليعانقها بحنان هامسا.
_ يعني هتباتي عند بابا وتسيبيني لوحدي؟
_ معلش يا حبيبي لحد ما بابا صحته تتحسن.. هو يوم بس في الأسبوع.
غمغم بتفهم رغم ضيفه لبياته دونها.
_ ولا يهمك عشان خاطر عمي بس.
_ طب ما تطلع من الشغل عليا وتبات معايا.
_ مش هعرف انام هناك.. هنا على الاقل هنام واتعامل في بيتي براحتي.
ربتت على صدره.
_ اللي يريحك ياحبيبي.. هي ليلة واحدة بس وهرجع.. وانت اسهر مع فيلم أجنبي من بتوعك.
غمزها بمكر.
_ماشي بس تعوضيني الليلة دي.
ضحكت ثانيًا.
_ ده انا هدلعك.
مال يلثمها ليقاطعه دخول كارما.
_ ماما انا لبست فستاني.. يلا سرحيلي شعري عشان نروح لجدو.
التفت لها ريان وحملها وهو يغازلها.
_ تعالوا يا ناس شوفوا جمال وطعامة بنتي.
ضحكت الصغيرة لغزل أبيها ليخبرها.
_ متنسيش شنطة الحاجات الحلوة بتاعتك.
كارما.
_ لا يا بابا خليها هنا.. خالو قالي في التليفون انه اشترالي هناك حاجات حلوة وسابها مع جدو.
لثم جبين الصغيرة.
_ ماشي يا حبيبتي.
_ يلا يا كارما تعالي اسرحلك شعرك عشان أجهز انا.
_ حاضر ياماما.
———
تعانقا بود فور وصولها لترحب بها ضحى.
_ أهلا حبيبتي نورتي.
_ بنورك انتي وكارما.. عمو عامل ايه دلوقت؟
_ الحمد لله كويس.. لسه واخد علاجه ونام.. شوية ويصحي وادخلك تسلمي عليه.. تشربي أيه؟.
_ ولا حاجة.. ارتاحي انتي وحشاني وعايزة اتكلم معاكي.
ضحى بكرم.
_ لازم تشربي حاجة.. هعمل قهوة نشربها سوا.
وغابت دقائق لتعود حاملة صينية القهوة.
_ اتفضلي يا جيجي..القهوة. مع البسكوت ده تحفة.. ثم همست لها بحذر.
_ اخدتهم من شنطة كارما من غير ما تعرف.
ضحكت جيلان معلقة.
_ بنتك لو قفشتك هتعملك محكمة.
هزت كتفيها ببساطة.
_ ربنا ساترها لحد دلوقت.

اخذت رشفة وسألتها.
_ طمنيني عليكي يا ضحى انتي كويسة؟ حاسة فيكي حاجة متغيرة.
_ ابدا والله كويسة بس زعلانة عشان بابا.. صحته مش حلوة خالص وخايفة عليه.
_ اطمني ان شاء الله صحته هترجع أحسن من الأول.
_ يا رب يا جيجي.. أنا وسالم مش بنسيبه.. بس بصراحة اخويا بيتعب أكتر.. بيفضل معاه كل الأسبوع وانا باجي بس أخر يومين اريحه شوية.
انتبه عقل جيلان باهتمام لتلك المعلومة مستفسرة.
_ يعني انتي كل أسبوع بتباتي عند باباكي؟
_ أيوة.. مع إن ريان مضايق من كده بس طبعا مش مبين..انتي عارفة مبيحبش يكون في البيت لوحده.
قالت بنبرة خادعة وهي تخفي حقدها عليه داخلها.
_ اه مسكين متعلق بيكي اوي.
لتتسائل لشيء في نفسها.
_ طب ليه ميجيش هو يبات معاكي؟
_ رفض والله هو مش بيحب يغير مكانه بسهولة.. دي مشكلة ريان.
لتسترسل ضحى بعفويتها دون حذر.
_ أصل جوزي له طقوس كده من أول ما بيدخل البيت.
جيجي بفضول.
_ طقوس أيه؟
فاضت عليها بالمزيد كعادتها.
_ ريان عنده الضغط عالي أوي..وده بيخليه يا حبيبي يدخل الحمام كتير.. أول ما بيوصل البيت ساعات مش بيلحق يروح حمام أوضة النوم بتاعتنا و فورا بيدخل حمام الضيوف اللي قريب من باب الشقة.. وممكن بالمرة ياخد حمامه هناك وأنا عشان عارفة بحضرله غياره فورا.. لكن هنا طبعا مش هيتعامل بنفس الأرياحية.. وتفاصيل كتير بقا زي دي.. فهو فعلا بيفضّل يكون في بيتنا.

هزت رأسها راضية عن غنيمتها..زيارتها اليوم لم تضع هباءً..معلومة گهذه بالنسبة لها ثمينة وتعرف كيف سوف تستغلها.
_ طيب أسيبك أنا يا ضحى عشان لسه هشتري طلبات لماما في طريقي.. واما عمو يصحى عرفيه إني سألت عليه.
_ ماشي حبيبتي ونورتي الشوية دول.
وقبل أن تعبر خارج البيت التفتت تتسائل.
_ على كده لما أحب اشوفك اجيلك فين يا ضحى؟
_ نتقابل هنا أضمن لأن ممكن مكونش في البيت دايما الفترة الجاية عشان تعب بابا.
_ يعني الأسبوع الجاي بردو هتباتي مع باباكي؟
ضحى.
_ أيوة لحد ما اطمن عليه.
أومأت لها و ودّعتها وهي تشعر بقرب ثأرها.. زياراتها لضحى اليوم كانت عظيمة الفائدة.. وصلت للبيت ومكثت في غرفتها شاردة تتأمل بين يديها تلك الميدالية الفضية بخبث.. حين أخذتها لم تكن تعلم بماذا سوف تفيدها ومن الأساس لا تدري لماذا سرقتها.. لكنها الأن تعلم جيدا أن القدر ادخر لها فرصة لتثأر.. ابتسمت بخبث وعقلها يحيك بروّية مكيدته المنتظرة.
_______

“أصيل.. عايزة ازور غنى واعزيها”
قال رفقًا بها.
_ يا حبيبتي منا والكل عملنا الواجب بدالك وهي عارفة حالة رجلك..والدتك عندها اصلًا وانتي كلمتيها كذا مرة في التليفون.. استني اما رجلك تخف وروحي عزيها.
رفضت بعناد.
_ لأ، لازم اروحلها..اختي تعبانة وانا حاسة بيها.. انت متعرفش كانت بتحب حماتها ازاي واكيد مقطعة نفسها من الحزن.. لازام أكون معاها.. ارجوك يا اصيل وديني عندها انهاردة.

لم يسعه مع تصميمها إلا أن يحقق رغبتها.. هو ذاته يقلق على ابنة خاله ويحزن لأجلها.. حين رأها أذهله فرط شحوبها وحول عيناها التي تضخم انتفاخه لدرجة ابتلعت جفنيها و لم يعرفها للوهلة الأولى.. هاشم ذاته لم يرى على وجهه كل هذا الحزن الّذي سكن عين زوجته.. غنى كانت تعشق ام زوجها ويعلم أن خسارتها عظيمة في قلبها.
_ حاضر..هخلي ماما تفضل مع البنات لحد ما نزور غنى ونرجع.

استقبلتها والدتها بخوف.
_ غزل؟ إيه جابك يا بنتي ورجلك مكسورة؟.. قولتلك متتحركيش واختك عارفة ظروفك.
ثم عاتبت زوجها.
_ طاوعتها ليه يا أصيل وخليتها تيجي ورجلها لسه تعبانة يا ابني؟
_ مانتي عارفة عناد غزل يا مرات خالي.. صممت تيجي تشوف اختها.
تقدمت غزل مستندة على كف أصيل تخبرها بحزن.
_ مينفعش مجيش اعزي اختي يا ماما واواسيها بنفسي.. طمنيني ازيها دلوقت؟
تنهدت بشفقة.
_ مسكينة، من وقت اللي حصل لا بتاكل ولا بتشرب ولا حتى بتقابل الناس.. قاعدة في أوضة حماتها ليل نهار.
اهتز قلب غزل لأجل شقيقتها.. تعلم كيف تشعر الأن وقساوة فقدها لأم هاشم.. غنى لم تفقد ام زوجها بل فقدت أم لها..متيقنة جيدًا علاقتها الغير قوية بوالدتهما التي تهتم بها هي اكثر من شقيقتها..شيء لا يد لها به، صدق من قال الاهتمام لا يُطلب.
_ هدّخلها.
_  استني يا بنتي بصيت عليها من شوية لقيتها نايمة..هحطلك لقمة انتي وجوزك تتغدوا وبعدها تكون صحيت تدخلي لها.
اصيل بهدوء.
_ شكرًا يا مرات خالي..انا وغزل اتغدينا مع ماما.
غمغمت بحزن وهي تربت على وجه غزل بحنان.
_ على عيني يا ضنايا اسيبك لوحدك وانتي تعبانة.. بس اختك محدش معاها.
_ غنى محتاجالك أكتر مني يا ماما.. عمتو وأصيل معايا مش سايبني خالص.

رمقته بنظرة شاكرة.
_ هو في زي حنية أصيل وعمتك.
غمغم بتهذيب.
_ تسلمي يا مرات خالي.
جلست تُريح قدمها وتعطي شقيقتها فرصة لتغفو قليلا ثم تلج إليها.

_ مساء الخير.
رد أصيل وزوجة الخال تحية هاشم حين اقتحم الردهة بينما تجعد وجه غزل بضيق و ودّت لو تجاهلت تحيته لكنها مجبرة على تعزيته.
_ اهلا يا هاشم.. البقاء لله في موت الحاجة.. ربنا يرحمها ويصبرك على فراقها.
غمغم بأسف لم تصدقه.
_ ونعم بالله..أهي ارتاحت من الدنيا وبلاويها وسابت لينا الهم.
تهكمت غزل.
فعلا يا جوز اختي ارتاحت وسابت همّ تقيل.
_ بس كتر خيرك انك افتكرتي تيجي تعملي الواجب وتعزي اختك وجوزها.
قالها هاشم بخبث يشير لتقصيرها بالمجيء ليرد أصيل دفاعًا عن زوجته متحفزًا تجاهه.
_ ومين قال انها معملتش الواجب يا هاشم؟ أكيد انت ملاحظ حالة رجل مراتي المكسورة.. مكانش ينفع تيجي وعزّتك هي واختها في التليفون ولا ده مش كفاية؟.
رد بسماجة لا تخلو من سخريته.
_ لا كفاية يا ابو نسب كتر خيركم والله.

_ يلا يا هاشم روح برة عشان الرجالة اللي لسه بتيجي تعزي.
هكذا حاولت والدة غزل صرفه لتتجنب اي صدام بينه وبين أصيل الّذي لا تجمعه بعديّله علاقة ودّ.
انصرف ليزفر أصيل بضيق ولا يعلم كيف تحتمل ابنة خاله زوجها هذا.. وكم يشفق عليها من القادم مع شخص مثله.

بغرفتها المظلمة إلا من ضوء خافت كانت تحتضن سلّتها الخوص العتيقة تتحسسها ودموعها تجري بصمت.. تهمس لها بنبرة مشبعة بالوجع والفقد.
_ قولتيهالي وقلبي وجعني ساعتها.. كانت إشارة لقرب الفراق يا حبيبة وانا مفهمتش.. قولتيلي يا غنى يوم ما السّبت ده يكون فاضي هكون فارقت الدنيا كلها..واهو خلاص بقى فاضي زي روحي من بعدك.. مفيش خير في الدنيا بعد غيابك عنها ولا حاجة تفرح.
جرفت دموعها الغزيرة لتواصل همس وجعها الباكي.   مين هيدخل عليا انا وعيالي وعيونه مليان حب وحنان ولهفة.. مين هيطبطب على قلبي بعدك ويحس بوجعي؟ محدش حواليا يقدر يمحي وحدة روحي من بعدك يا غالية..قوليلي اعيش ازاي وانتي كنتي مصبراني على عيشتي؟ وحشتيني مع إنك لسه ماشية..يا مرارة الأيام بعدك ومن غيرك.

صمتت تبكي لتجد من يقتحم غرفتها لتراها غزل تتعرج بقدمها كي تصل إليها، وضعت صحن طعام جوارها ثم تلقفتها بين احضانها..لم تقل شيء.. وجدت نفسها تبكي بكاء مختنق كروحها..يهتز جسدها وغزل تحتويها بقوة وتربت عليها بحنان باكية هي الأخرى.
_ عارفة مقدار حزنك على ام هاشم يا غنى.. بس لازم تتماسكي يا حبيبتي وتواجهي الحقيقة.
همست بنبرة باكية ووجهها مختبيء بصدر شقيقتها.
_ مش قادرة استوعب انها سابتني يا غزل.
_ سُنّة الحياة يا حبيبتي.. عمرها انتهى.
_ وعمري انتهى معاها.. فراقها كسرني يا غزل.
شددت في عناقها تهمس لها بحنان.
_ بالعكس يا غنى انتي لازم تكوني اقوى عشان تكملي مشوارك مع ولادك اللي محدش هيسندهم غيرك بعد ربنا.
راحت تردد بين بكائها.
_ونعم بالله.. اللهم لا اعتراض على قضائك.
ربتت عليها برفق لتهمس لها.
_ ربنا يربط على يا حبيبتي.
ثم ابتعدت عنها تقول برجاء.
_غنى.. عشان خاطري كلي لقمة.. ماما قالتلي انك مش راضية تاكلي.
هزت رأسها برهن.
_ ماليش نفس يا غزل.
ترجتها بحنان.
_ مينفعش يا غنى لازم تاكلي اي حاجة، وغلاوة ام هاشم الله يرحمها تاكلي ولو لقمة صغيرة..وانا هأكلك بإيدي.
ولم. تعطيها فرصة لترفض ملتقطة قطعة لحم صغيرة دستها بين شفتيها..لم ترد شقيقتها خائبة وابتلعتها ببطء ورفضت المزيد.. فقط تجرعت بعض الماء وطلبت أن تغفوا قليلًا..دثرتها غزل بشفقة واظلمت الغرفة عليها قبل ان توصدها خلفها، رحلت تدعوا الله أن يمنّ على شقيقتها بالصبر وتتجاوز تلك المحنة.
____________

شيطانها مسلط عليها كأنه أحتل كل أراضيها.. كل ذرة بها تصرخ بالثأر منه.. لم يعد لها سيطرة على عقلها الّذي انفلت عُقاله من بين يديها بفعل غضبها وحقدها المشتعل داخلها.. سوف تثأر لنفسها مهما كانت الخسائر.. سوف تذيقه المّر والذّل كما فعل معها..لن تظل حياته مع زوجته وردية دافئة.. عاصفة حقدها سوف تطيح بهما معًا..حينها فقط سوف ترتاح ويهدأ بركانها.
نظرت للرسالة التي أرسلتها ضحى ردًا لسؤالها.
( أيوة يا جيجي هكون عند بابا بكرة وهرجع تاني يوم.. لو عايزة تزوريني تعالي هناك)

ابتسمت جيلان بتهكم..لم تعد بحاجة لزيارتها.. لتلمع عيناها بوميض غامض مخيف..أحدهم هو من عليه الدور لتزوره وتفعل معه ما يستحقه..حادت عيناها للميدالية الفضية وتحسست صورة الصغيرة هامسة بتشفي دون ذرة رحمة أو وازع من ضمير.
_ معلش يا كارما مضطرة انتقم من ابوكي وادفعه تمن إهانتي وإذلالي غالي.. وأنتي هتكوني التمن اللي هيدفعه.

أغمضت عيناها ترتب أفكارها دون أن تُهمل أي تفصيلة استعدادًا لغدٍ لن يكون عاديًا على الجميع.
وفي اليوم التالي وقبل ساعة من وصول ريان لبيته عبرت جيلان باب الشقة مستخدمة المفتاح الّذي سرقته، أوصدت خلفها بحذر تتفقد الداخل رغم تأكيد ضحى عن موعد عودة زوجها الّذي لا يُخلفه.. كانت تشعر جيلان بالتوتر.. ماذا لو عاد مبكرًا وكان هنا؟ لكنها باللحظات التالية تنفست الصعداء لخلاء المنزل من قاطنيه..راحت ترمق الزوايا حولها قبل أن تدلف غرفة النوم وتشعل الضوء..لمحت ملابسه البيتية ملقاه بإهمال فوق الفراش..التقطها وعلقتها فوق المشجب تتقمص شخصية زوجته التي ترتب له أشياؤه.. أشرعت ضلفتي الخزانة وراحت تبحث عن “غِلالة”بعيّنها أخبرتها ضحى ذات مرة أن زوجها يحب أن ترتديها له دائما..شهقت والغِلالة كانت فاضحة كثيرًا..لم ترتدي مثلها من قبل.. ترددت في ارتدائها ليصفعها سوط حقدها وغلّها يذكّرها بضرورة تنفيذ ما جاءت من أجله دون حساب لشيء.. قطعت خيط ترددها وشرعت في ارتداء الغِلالة تتأمل جسدها الفاتن في المرآة بإعجاب.. كانت شديدة الجمال.. لا فرق بينها وبين ضحى.. هما نفس حجم الجسد طولًا وعرض كأنهما تؤمان..رفعت أناملها تتخلل شعرها الّذي غيرت لونه وقصته ليماثل شعر ضحى تمامًا، أستدارت حول نفسها بإعجاب تتلذذ بشعورها الذي تتصنعه..هي الأن تستعد له كأنها زوجته..لمحت العطر أمامها فأخذته ونثرت منه عليها بسخاء.. هذا أيضًا عطر ريان المفضل، يحب دائمًا أن تضعه له زوجته بلحظاتهما الخاصة..هكذا أيضًا أخبرتها ضحى ذات مرة.. تذكرت شيء لتفتح الدرج بفضول حتى وجدته..حلوى صغيرة مغلفة تفوح منها رائحة الفراولة لتشرد جيلان مع ذكرى أخرى.

(انتي دايما في شنطتك البونبوني اللي بالفراولة ده؟)..حينها منحتها ضحى ابتسامة غامضة ( ريان بيحب ريحة الفراولة).

عادت من الذكرى وهي تفضْ مغلف قطعة حلوى و وضعتها بفمها تتشرب حلاوتها بمتعة مدركة مقصد ضحى..شعرت أنها تتوحد مع خيالها بشكل تهابه..هناك رغبة تتوخش داخلها لان تجرب كل شيء ذاقته ضحى مع هذا الرجل حتى ولو بالحيلة والخداع..كيف يكون قربه؟ كيف يكون عشقه مع زوجته؟ حتى همساته لها تريد سماع مثلها.. نظرت للساعة لترى اقتراب موعد ريان الّذي أوشك..أمسكت هاتفها وكتبت رسالة لرفيقتها تتأهب لإرسالها.. عادت قراءتها لتتبسم بمكر.. تُرى ماذا ستفعل الحمقاء مع تلك الرسالة التي ارسلها من رقم جديد ابتاعته فقط لتلك المهمة..صوت عقارب الساعة يخبرها أن الوقت أقترب.. بيت والد ضحى لا يبتعد كثيرًا..لن تحتاج أكثر من ثلث ساعة بالسيارة وتصل إلى هنا..أخذت نفسًا قويًا تحارب به ترددها.. ثم أرسلتها لتسمع بعدها صوت دخول ريان.. أطفئت ضوء الغرفة سريعًا و وقفت تعطي ظهرها للباب المشرع ودقات قلبها تتسارع..لا تدري هل سوف تمضي خطتها كما أعدتها أم لا.. هي تجازف..لكن وما الضير؟ في كل الأحوال سوف تخسر رفيقتها اليوم.. لكن لا يهم مادام سوف تصل لبغيتها.

نزع بعض ملابسه سريعًا وألقاها أرضًا بعشوائية ودلف لمرحاض الضيوف القريب..أقتربت جيلان بحذر حين أغلق باب المرحاض وسمعت صوت المياة تغمره.. ابتسمت والخطة تسير كما رسمتها.. عادت للغرفة تقف بزاوية لن يرى بها وجهها متجنبة مرآة الغرفة..تسمع صوته يغني لتتذكر أيضًا جملة ضحى ذات مرة وهي تمازحها ( جوزي بقى مصمم انه موهوب في الغنى مع إن صوته مش حلو.. بس تعرفي يا جيجي لما بيغني ببقى مبسوطة من جوايا لأني بعرف انه رايق)..

لا تدري ماذا كانت تفعل لولا ثرثرة تلك الحمقاء عن تفاصيل حياتها وكشف عادات زوجها.. ربما ما سوف يصير عقابًا لها هي الأخرى عن ثرثرتها لكل ما يخصها.. لو كانت مكانها تعيش زواج سعيد مثلها لأحاطت حياتها بالحذر ولم تقص شيئًا لأحد.

_ يلا يا بابا يا حبيبي نام شوية.

قالتها ضحى وهي تدثره متوجهة للردهة ثم أمرت صغيرتها.
_ كارما بلاش تعملي صوت عشان جدو ينام شوية.
اومأت الصغيرة بطاعة بينما جلست ضحى تتفقد هاتفها لتجد رسالة من رقم لا تعرفه.. ما أن قرأتها حتى وقفت بغتة وشحب وجهها واتسعت عيناها بذهول تعيد قرأة الرسالة بصوت عقلها المصدوم.
( لو فاكرة إن جوزك وفيّ تبقي غلطانة.. جوزك بيخونك مع أقرب واحدة ليكي..لو مش مصدقة تعالي بيتك دلوقت وأنتي هتشوفي بعينك)

تسارعت أنفاس ضحى بقوة..قلبها يُكذّب الرسالة وعقلها يحسها لتتأكد ولن تخسر شيء..تجلس على جمرًا لا تعرف هل تذهب لبيتها أم تتجاهل الرسالة؟ لينتصر عقلها وهي تجذب حقيبتها وحجابها فوق رأسها سريعا محذرة الصغيرة بعُجالة ( كارما أنا نازلة شوية وجاية.. خدي بالك من جدو على ما اجي)
أطاعتها الصغيرة ملتهية بألعابها المرصوصة حولها..أستقلت سيارة أجرة وأمرته أن يسرع للعنوان المطلوب قدر استطاعته..خفقات قلبها تزداد بشدة وكأنه سوف يتوقف..تدعوا الله أن تكون رسالة كاذبة.. زوجها لا يخون.. ريان ليس كسائر الرجال..لا يفعلها.. أبدًا لا يفعل.. راحت بضميرها تنفي بقوة وتتسلح بهدوء زائف لكن هيهات أن تهدأ مخاوفها.

خرج من المرحاض يلف منشفة كبيرة حول خصره مطمأنًا لوجوده وحده في البيت.. وصل لأنفه رائحة عطر زوجته وضوء شديد الخفوت يشع من الغرفة اقترب ليلمحها تقف أمامه قُرب الفراش ترتدي الغلالة التي يفضلها وتعطيه ظهرها.. فغمرت السعادة قلبه واقترب يعانقها من الخلف بلهفة هامسًا (ايه المفاجأة الحلوة دي يا ضيحا.. متوقعتش تيجي الليلة) حاول أن يديرها نحوه لكنها تمنعت بدلال ومدت يدها تطفيء الضوء الخافت ليبتسم هامسًا( كنت عارف انك هتطفي النور عشان بتتكسفي) بدأ في تقبيل عنقها مغيبًا مع مشاعره بينما هي تجذبه دون أن يشعر نحو الباب لتغلقه بشكل موارب وكافي لتغرق الغرفة بظلام لا يسمح له برؤيتها.. تاركة عطرها يخدعه وجسدها الذي يقارب حجم جسد زوجته..فأجساد النساء تتشابه في الظلام الّذي يبتلع  خرائطها وتفاصيلها دون أختلاف.. بدأ يسكب مشاعره الملهوفة دون أن ينتبه أنها لم تتحدث منذ دخوله..لكن وهل ترك لها فرصة وقد اكتسحها بعاطفته..لترتجف جيلان وشفتيها تتعانق مع خاصته.. شعور غريب وفريد اكتسح أنوثتها العذراء..  هي تدلف لتوها عالم لم تطأ أرضه من قبل.. ريان ينهل من جسدها بشغف لتجد نفسها تبادله شغفه بجراءة كمن يسرق شيئًا يعرف أنه لا يملكه.. غاب عقلها ورمت بخططها عرض الحائط وكل ما سيطر عليها تلك اللحظة أن تبلغ معه التجربة لأخرها حتى لو فقدت أعز ما تملكه الفتاة.. ربما حين يتذوق ثمرة غير زوجته تروقه ويتمسك بها.. فطرة الرجال دائمًا تحب التنقل بين النساء باختلافهنّ.. نشوتها وصلت لذروتها ولأول مرة تتمنى ألا تستجيب ضحى وتأتي.. ليتها تتجاهل الرسالة ولا تصدقها.. ليتها تترك تلك اللحظات لها لتنال نصيبها من السعادة ولو زائفًا وبالخداع..راحت تعبر عن مشاعرها بصخب وتبادله جنون اللهفة دون خجل كأنه حق لها.. لوهلة تعجب ريان في نفسه.. ليس من عادة زوجته التجاوب معه بتلك الجراءة لكنه ترجم الأمر لفرط شوقها إليه.. ليمنحها عاطفته هو الأخر بسخاء أكبر، يصب عليها شوقه وعيناه مغمضة غارقًا بما يفعلان.

وصلت لباب شقتها وتوقفت تلهث، من فرط لهفتها صعدت الدرج دون استخدام المصعد.. لحظات ترددت في الدخول لتحسم أمرها وتضع المفتاح في مزلاج الباب.. سوف تدخل ولن ترى شيء.. سوف تجد ريان يشاهد التلفاز يتابع الأخبار أو فيلمًا، وربما يُحدث أحدهم بالهاتف أو يفعل قدح من القهوة..ليس أكثر من هذا.

ما أن عبرت لتجد بعض ملابسه ملقاه أرضًا..لملمتها ووضعتها جانبًا تفتش عنه بالزوايا..تفقدت المطبخ والردهة وجدتهما فارغان منه.. وبينما هي تقترب لغرفتها سمعت صوت تعرفه جيدا.. همسات غير واضحة.. اقتربت أكثر بحذر وقدميها تتثاقل رغمًا عنها..وقفت تلهث ويدها ترتعش ولا تطاوعها لتدفع الباب..لكن تتسع عيناها وهي تسمع صوته بوضوح يقول.

( كنت زعلان إني هقضي الليلة لوحدي.. الحمد لله إنك جيتي يا حبيبتي والجو رايق لينا)

شعرت بغصة تخنقها ويدها تزداد رعشة وقدميها تضعف وتكاد تسقط لكنها تشبثت بما تبقى لها من قوتها، أشرعت الباب مشعلة الضوء لتشهق وهي تراهما بوضع حميمي فاضح عيناها تكذبه رغم وضوحه..إشعال الضوء مع الشهقة انتشلت ريان مما كان يفعله وفتح عيناه التي تحسست الضوء لحظات قبل أن تتسع عيناه بذعر وذهول وهو يرى تلك الأفعى أمامه ترتدي غلالة زوجته.. التفت گ المصعوق ليرى ضحى تقف مصدومة هي الأخرى عيناها تتسع بشكل مخيف لا تصدق ما تراه..ليحين دور الحية التي استغلت الموقف لتبخ سُمها القاتل وهي تركع أمام ضحى تبكي بزيف صارخة.

_ سامحيني يا ضحى ضعفت غصب عني.. قاومته كتير بس مقدرتش.. وهو قالي انك مش هتعرفي حاجة وهتفضل علاقتنا في السر وعمرك ما هتشكي فينا.. بس أنا دلوقت ندمانة أبوس إيدك سامحيني.

كان مكبل بقيود صدمته العنيفة وهو ينظر بذهول ليداه التي أحتضنت تلك الأفعى دون أن يعلم.. شفتيه التي دنستها ببصمة شفتيها اللعينة.. كيف استغلت الظلام وخدعته بعبق زوجته وغلالتها؟ ليفيق على صراخها الكاذب تُلصق به تهمة الخيانة لزوجته المنهارة.. تؤگد لها علاقة مشينة بينهما.. هنا فاق من صدمته وتجمرت عيناه بلون الجحيم ثم وثب عليها وقبض شعرها بغل وهو يضربها صارخًا.
_ أنتي بتقولي إيه يا حيوانة أنا عمري ما بصيت لقذرة زيك ولا كان في بينا حاجة.. أنتي كدابة وخدعتيني ولازم اموتك واخلص الناس من شرك.

ولم يشعر بنفسه إلا وهو يحوط عنقها بكفيه يريد حصد روحها مغيبًا عن عواقب فعلته وكل همه الانتقام من خداعها له، لتصرخ ضحى صراخ هستيري جعل يداه ترتخيان حول عنق جيلان التي راحت تسعل بقوة تلتقط أنفاسها الهاربة ولا تصدق أنه تركها.. استغلت انشغاله بزوجته وتهدئتها وارتدت ملابسها سريعا وهرولت تغادر الشقة قبل أن يحاول قتلها من جديد.

بينما هو يعافر ليثبت لها براءته باكيا.
_ والله يا ضحى أنا مظلوم.. اللي شوفتيه ده مش حقيقي أنا مش خاين وعمري ما فكرت أخونك.. ضحى صدقيني وأنا هفهمك اللي حصل بس أهدي وبطلي صريخ لازم تسمعيني أنا معملتش حاجة.

لكنها ظلت تصرخ تهز رأسها بعنف تدفعه عنها وهو يحتويها عنوة ليتوقف صراخها بغتة وتنظر له نظرة خاوية فقدت بريق الحياة ودموعها تتساقط بصمت ويدها ترتخيان وتقع جوارها مغمضة عيناها.. نظر لسكونها برعب وهو يهزها جسدها بخوف.
_ ضحى ردي عليا.. فتحي عيونك عشان خاطري.
لكنها لم تجيبه..ودماء لذجة تسيل أسفلها بغزارة.. حين بصر ريان دمائها صرخ بأسمها ملتاعًا مسرعًا يستر جسده بملابسه ثم حملها متوجهًا لاقرب مشفى تنقذ زوجته.

______________

يتبع.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *