رواية كامله..1

رواية بصائر تغشاها الثرى. ب

قلم دفنا عمر.

الفصل الأول والثاني

لو أزحنا ستَائِرُ الغيب وبَصرنا من نافذته أقدارنا..لأدركنا أن ما تمنيناه ربما كان قيدًا حول أعناقنا ونقمة تسلب منّا كل ما أنعمت علينا به الحياة..لكن كيف السبيل ولقلوبنا بَصائِر تَغشَاها الثّرَى.

مقدمة
***
رغبة جامحة تجتاحها لتفعل ما جال بخاطرها تلك اللحظة .. وكم تُغريها وحدتها الآن ..تهكّمت بضميرها لما آل إليه حالُها ..وهل بقيَّ لها غيرّ الوحدة بكل عتمتها وكآبتها؟ بيدٍ مُرتعشة أمّسكت الهاتف لتُلبي رغبتها ..ضغّطة ذرْ فقط هي ما تفصلها عن سماع صوت أحبائِها، بعد لحظات أخرى هزمت “غزل” داخلها التردد وضغطت رقم تحفظه عن ظهرِ قلب وانتظرت الرد بلهفة جعلت قلبها يخفق بشدة.
_السلام عليكم.
تآوهت بخفوت شديد وسماع صوته أشعل شوقها إليه، كم مر من الوقت لم تسمع صوته؟
_ السلام عليكم؟!
كرر تحيته من جديد كأنه يتسائل عن هوية ذاك المتصل الصامت، فحاولت أن تتحلى بشجاعة كافية وتكشف عن ذاتها وتخبره أنها…

_ بابا أنا جعانة خلصت الغدا؟

هنا توقفت خواطرها وارتفع قليلاً صوت تآوه مزق قلبها وهي تهمهم بلوعة رغمًا عنها حين وصلها صوت أحد صغارها، ليدرك هو هويتها، زوى “أصيل”  حاجبيه بضيق ونفور حين تأكد أنها هي وهمْ بغلق الهاتف رافضًا محاولتها.. لتستوقفه ثَمة رحمة لا تنقصه، رغم كل شيء تزال تلك المرأة أمًا لصغاره حتى لو تلاشت مكانتها من قلبه وحياته.

_روحي نادي اختك وتعالي يا فاطمة.

اتسعت عيناها المُلبّدة بغيوم البكاء وهي تراقب استدعاءه لكليّهما، وجدته يُحدثهم فتجيب كلًا منهما تساؤل أبيها، أبتسمت بمرارة وقد أدركت أن أصيل عرفها، ليس هذا فقط، بل رأف لحالها وهو يتعمد التحدث معهما كي يروي ظمأها لصوتهما وتتأكد أنهما بخير، لم يتغير.. دائما طيب القلب وأصيل كأسمه، بغتة أنتهى كل شيء بضغّطةِ ذرْ كما بدأ.. اخّتفت أصواتهم ولم يبقى إلا صوت أنفاسِها المعبأة بعبقِ الحزن والندم..من يُصدق أنّها أضّحت هذا الكيان الهش المثير للشّفقة، لقد ضّحت بصرّحًا كانت يومًا ملكته المتوّجة لتُصبح الأن لا تمّتلك حتى سلّطةُ خادمة لتعبر بوابته وتخّتلس فقط نظرات لأحباؤها..ما أوجع الفقد حين يقترن معه ثُقل إثمٍ عظيم يصعب عليها حمّله، لم يعد لديها الحقْ لتسمع صوت الصغار و .. وصوته ..صوته الذي حُرمت منه ومن حنانه، فقدتْ حق التمتُع به وبعشق صاحبه، صاحبه الّذي لم تُدرك قيمته إلا بعد فوات الآوان، كعهد كل نعمة نمّتلكها ونألف وجودها كأنّها لن تزول أبدًا، لتفاجئنا الحياة بنزعِها من بين أصابعنا وهي تسّخر منا وتلوّح بلسانِها كيف هُزمنا..وانّتصرت هي.

جفّ حلقها وتحطّب فامتدت يدها تلّتقط كوبًا من الماء جوارها، لتخونها قواها الخاوية فيسقط من بين يديها، نظرت لقطع زجاجه المنثورة وبعض حوافها الحادة موجهة نحوها كأنها توحي لها بفكرةِ ما، أقتربت أناملها من إحدى القطع واستحوذت عليها بما تبقّى لها من قوةٍ وعزيمة، وجهت النصل لمعصمها، دنت أكثر لوريدها النابض بالحياة، شاعرة بالموت يُحلق فوق رأسها ينّتظر شجاعتها لتفعل ويُتم مهمته مشيعًا روحها لبارئها، لم يعد يفصلها عنه شيء، فلتُسبل عيناها وتغرز ذاك النصل وتشق معصمها سريعًا وينتهي كل شيء، ينتهي عذابها ومرارة أيامها، لم يبقى لحياتها قيمة لتحيا، لا تدري لما لا تصل أصابعها المرّتجفة لمعصمها، وكأن بينهما طريق لا ينتهي.. لكنها لاتزال تقترب وبخيالها تمر كل لحظة عاشتها بجنته، الجنة التي لم تراها حينها إلا قيدًا يُكبلها، وطوق غليظ يخنقها..خدعتها بصيرَتها وظنت أن سعادتها الحقيقية لنْ تجدها إلا خارج حدود أسواره، شردت بعيدًا غير أسفة على شيء، حتى أيقنت وقوعها بفخ شيطانها الرّجيم الّذي حاكه لها..وقعت بجوف فخه المُخيف تصارع للصعود من باطنه المظلم، لتبؤ كل محاولاتها بالفشل، يزحف ثرى خطاياها ويتكدّس فوقها كأنه يُقبرُها.. شهقة ألم همستها وهي تشعر بالنّصل ينغرز أخيرًا في معصمها ويرسم خط النهاية الدامي، أغمضت عيناها أكثر لتحجب عن نظرها مشهد الدماء، أنفاسها تضيق..يحتد صراعها وهي على أبواب برزخها، ذاك العالم الذي لم تستعد له جيداً ولا تدري كيف سوف تواجهه..ورغم يدِ الموت التي تجذبها لمثواها الأخير، استدعت بعقلها طيف زوجها وبناتها ليكون آخر ما ينطبع بالذّاكرة قبل أن تتلاشى، ابتسامة واهنة تتسرب لشفتيها الشاحبة، تهمس لهم بكلمات وداع واعتذار لتعود بذات اللحظة للوراء قليلًا بما ظل من إدراكها.. تتذكر كيف بدأت قصتها، وكيف انتهت.

الفصل الأول
_______

_جالك عريس يا غزل.

هكذا كانت البداية، بداية مألوفة و عادية لأي فتاة تمتلك قدر وافر من الجمال والطلة والكثير من التمرد، يزحف الكثير طالبًا القرب مني بينما أنا أتعزز وأتدلل بغرور، تمردي كان أكثر ما يقلق أبي العجوز الذي أنجبني گ منحة أبوية أخيرة بخريف عمره، فقد تزوج أبي أمي بعد أن تخطى الأربعين عام، تكبُرني شقيقتي “غنى” بأربع سنوات بينما الفارق بيني وبين أخي الأكبر “سالم” ثماني سنوات، تزوج اخي وكذلك شقيقتي وأصبح لديهما عائلة وبقيتُ أنا مدللة والديّ لتصير أمنية والدي الأهم أن يمدّه العمر فرصة كي يزوجني لمن يستحقني قبل مفارقته الحياة، أجبرني لأتزوج من “أصيل” أبن عمتى الّذي يُماثل نفس عمر أخي الأكبر، وكان هذا أول اعتراضاتي أن الفارق بيننا كبير، لكنه كان من وجهة نظر أبي شاب خلوق يعرف ربه وسوف يصوننى لأننى من دمه وفارق السن ليس كبيرًا لدرجة تحول بين زواجنا، لم أنجذب نحوه طيلة حياتى رغم إدراكى أنه يحبنى، أصررتُ بعناد على رفضه فلم يعطينى والدي مجالا، رغم حنانه وحبه لي كان صارمًا لا يرّجعُ بكلِمة قالها مهما صار، أعترف انى حينها نقمتُ سرا على أبي وهو يسوقني لتلك الزيجة التي فشلت بالفرار منها..وقد كان، تزوجت فور تخرجي من الجامعة وصرت زوجة أصيل.
_____________

وقفت استعرض جمالي في المرآة بغرور وأنا أتخلل شعري الناعم قبل أن ينطفىء وهج غروري بالحسرة على حياة شديدة الملل مع رجل حياته رتيبة بشكل يملأني بالنفور، ليس بقاموسه شيء اسمه خروجات هنا او هناك، يقدس المكوث بالبيت بعد عودته من عمله، لا يفقه شيء حتى عن مزحات الافلام الحديثة التي يعتبر هو مشاهدتها تفاهة وضياع للوقت، بينما يبجل الأفلام القديمة التي يشاهدها عشرات المرات دون ملل ويصفها أنها كانت تحوي قيم لم تعد موجودة، كما هو مغرم بمشاهدة المباريات وما يتبعها من برامج تحليلية مفصلة لتنقضي ساعات وهو منفصل عن العالم وكم يصيبني هذا بالاكتئاب والوحدة، فأنا ابغض تلك اللعبة بالذات، لا أفهم سبب جنون الرجال بها، تنفلت مني زفرة ضجر وأتسائل في نفسي لما تمسك بي “أصيل” ولم يختار فتاة من خارج العائلة تناسب أفكاره وطباعه؟ ليته فعل، ربما كنت الأن أعيش تجربة أخرى أكثر إرضاءً لي.

صوت سعاله القصير خارج غرفتي أخبرني بعودته.
_السلام عليكم، غزل انا جيت انتي فين؟.
أقبلت عليه مرتدية قميص قصير يعلوه مئزر شفاف لا يستر من كتفي وصَدري شيء، أدركت من وهج عيناه أن هيئتي راقته وربما أثارته، فلم يتردد بفض عاطفته وإعجابه بقبلة دافئة، لا أنكر أنه رغم كل شيء رجل عاطفي وحنون معي للغاية، يسكب بأذني كلمات الحب حتى اعتدتُها ولم تعد يؤثر فيّ كما لا أحاول ردها عليه بالمثل، معتبرة تبجيله الدائم لجمالي وروعتي أمرًا مسلم به.

_جبت معاك عشا؟ انا مطبختش انهاردة.
هكذا قلت وأنا أتملص منه فغمغم مبتسما وإن ازعجه بتري للحظة عاطفته: طبعا يا حبيبتي، جبت مشويات من المحل اللي بتحبيه، ثم تحسس بطني بحنان ولهفة: المهم البيبي عامل ايه؟
نظرت لموضع يداه متذكرة حملي حديث العهد والسبب بنفوري من كل روائح الطعام.
_مفيش جديد، مش طايقة أي اكل.
_لا بس انتى بتحبى المشويات، وهتاكلي إن شاء الله.

سريعا ما انفض الغداء وجلسنا وهو يرتشف جواري قدح الشاي الساخن ويتابع أمامه إحدى القنوات الرياضية باهتمام، ليشتعل خاطري من جديد بتساؤلي الذي راودني قبل مجيئه فطرحته عليه دون تأجيل: تعرف يا أصيل، في سؤال محيرنى اوي.
لم تبرح عيناه الشاشة وهو يجيب:
سؤال ايه يا حبيبتي؟
انتظرت لحظات أراقب اهتمامه بالمباراة المُعادة ثم قلت: ليه اتجوزتني وانت عارف ان طباعي وحياتى مختلفة عنك؟
هنا صمت دون أن تحيد عيناه عن شاشة التلفاز وأظن أنه فقد تركيزه بما يتابعه لأكمل حديثي.
_أصيل احنا تقريبا عكس بعض في كل حاجة، وانت بتبذل مجهود كبير من يوم جوازنا عشان تغير فيا حاجات كتير، مثلا صممت تحجبني رغم اني كنت رافضة الخطوة دي بدري كده، وبتحاول تعودني على أمور كتير أنت عارف اني مش مقتنعة بيها، يبقى ليه اختارت تتجوزني؟

صمت لحظات أخرى يتأكد أني حررت كل تساؤلاتي ليلّتفتْ لي ويخبرني مع ابتسامة هادئة:
لو فكرتى شوية كنتي عرفتي الإجابة بنفسك.
ثم غمرني بنظرة تسيل منها عاطفة صادقة مع همسه: لأنى حبيتك ياغزل.

لم أستطع صد مشاعره أن تنفذ إليّا بصدقها المعهود وأنا أتشرب نظرته وصوته الدافيء رغماً عني، ليسترسل بحديثه: من صُغرنا وقعت في غرامك وانا لسه مش فاهم يعنى أيه حب، كبرت واتمنيت تكونى ليا لوحدي ومحدش يلمسك غيري، حتى في الأخرة عايزك تبقى مراتى زي ما كنتي في الدنيا، وعشان ده يحصل لازم تتغيرى وتلتزمي شوية وده اللي أنا بحاول اعمله معاكي ونفسي تساعديني يا غزل.

قابلت دفء مشاعره هذه المرة بفظاظة ثائرة: بس أنا زهقت يا أصيل، انا مش مبسوطة بالحياة اللي انت بترسمهالي، حاسة انك حابسنى في قمقم وقافل عليا، سبني انا أقرر كل حاجة من غير ما تفرضها عليا، فيها ايه لو عشت حياتي زي ما بحب لحد ما ربنا يهديني من عنده.
_وانتى ضامنة تعيشي لحد ما ربنا يهديكي؟

ألجمني رده بضع ثوانى قبل أن أصيح عليه بحدة: هو ده بالظبط اللي بيعصني منك، انت دايما بترهبني وتزرع فيا الخوف اني مش هلحق اي حاجة كأن القيامة هتقوم بكرة.
_بالعكس انا بنقذك من استهتارك بالأيام والعمر.
_انت بتخنقنى يا أصيل
_انا بحبك يا غزل.
_حتى في دي مش حرة، لازم أحبك لمجرد إنك بتحبني؟
بعض الندم أصابني بتسرعي لما قلته وشعوري أني كسرت خاطره دون قصد وقد غبر وجهه الحزن لبرهة، ثم حارب ما اعتراه بوميض أمل تشبث به:
أنا عارف إنك مش بتحبيني زي ما بحبك، بس متأكد إن في يوم ده هيحصل، احنا لسه في بداية حياتنا وقريب هنكون أب وأم.. يعني في رابط قوي هيدعم علاقتنا أكتر.
ثم التقط يدي ولثم أصابعي وهمس بحب برق بعيناه:
غزل..بكرة تعرفي إن محدش في العالم ده بيحبك زي ما بحبك، أنا واثق إن اليوم ده هايجي.

مكثت أنظر له أتأمل ضي عاطفته التي تُكحل عيناه لأجدني أمنحه ابتسامة قصيرة نوعًا من جبر الخواطر لما قلته منذ لحظات، ولا أعرف لماذا لا أبادله هذا العشق، ربما لو امرأة غيري لذابت من مشاعره الجارفة هذه، لكني لستُ كذلك، دائما أشعر أننا لا نتشابه وكأننا من عالمان، هو معجون بلوني الأبيض والأسود دون خيارات متاحة، وأنا مفعمة بألوان حياة أخرى لا أجدها مع أصيل، هكذا دائما يظل الصراع داخل عقلي أن الحياة معه شديدة الرتابة ولا تناسبني..لا تناسبني على الإطلاق.
________

عافرت السيدة العجوز وهي تعبر من بين ضلفتي باب قديم حاملة فوق رأسها سلّة من الخوصْ على الطراز القديم تبدو عامرة بالكثير من الأشياء، لتساعدها “غنى” بود قائلة.

_عنك يا طنط.
ثم رحبت بها وهي تقول.
_ليه بس كل مرة تتعبي نفسك كده، ده كفاية زيارتك الغالية لينا كل شهر بالدنيا كلها.
قالت أم زوجها وهي تجلس فوق أقرب مقعد.
وأنا هجيب لأعز منكم يا بنتي؟ مطرح ما يسري يمري.
ثم أشارت للسلة بحذر.
بسرعة شيلي الطيور في الفريزر، أنا غسلتها بالدقيق والليمون ومخلياها زي الفل، وحطي الكرنبتين دول في المطبخ هقوم اسلقهم بعد شوية واخزنهم ينفعوكي بعدين، عمك صالح جارنا بيوصلك سلامه وباعتهم ليكي من أرضه مع شوية طماطم و خضرة طازة.
لمعت عين غنى بسعادة وهي تتمتم بعبارت شكر وامتنان واضعة الطعام في الفريزر والمطبخ ثم تفقدت ما تبقى في السلّة  لتشهق بغتة وهي تصيح.
_ رز معمّر؟
ضحكت السيدة بصوت يتخلله بعض الحشرجة.
_ أهو أنا كل مرة بستنى شهقة الرز المعمر دي، ولا كأنها شهقة ملوخية.
ثم عادت تضحك حتى سعلت لتلحقها “غنى” بكوب ماء وهي تدعوا لها بالسلامة.
_ربنا ما يحرمنا منك أبدا..العيال بيحبوه ومهما أعمله الواد عمرو ابني يقولي لأ مش زي اللي بتعمله تيتة.
ضحكت وعيناها تبرق بحنان:  قلب تيتة هو واخته، هما فين امال؟
_لسه في المدرسة وهاشم خرج من بدري..هعملك فطار ونفطر سوا على ما يجوا
_ أنا فطرت يا بنتي، أعملي شاي كفاية.
غابت دقائق وعادت بكوبان من الشاي وضعتهم فوق طاولة جانبية صغيرة ثم قالت بحماس.
_طنط غمضي عيونك.
تهكمت السيدة.
_وأنا محتاجة أغمض يا بنتي؟! الله الوكيل أنا شايفاكي أصلا بالعافية.
ألحت عليها غنى بمسحة دلال.
_يلا بقى يا طنط عاملالك مفاجأة ولازم تغمضي الأول.
_ليه هو الدلعدي اللي اسمه الفلانطاين جه؟
لما تتمالك غنى نفسها من الضحك مرددة.
_فلانطاين ايه بس يا طنط أسمه فالنتاين وبعدين مالنا أحنا بالحاجات دي.
_على رأيك يا بنتي ده شغل عيال فرافير.
_ طب يلا غمضي عيونك.
ضمت جفنيها بقوة: أديني غمضت يا مرات ابني.
أسرعت غنى لإحدى الغرف تختفي بها لحظات قبل أن تعود وتجلس قُبالتها تقول.
_يلا فتحي عيونك.
رمشت السيدة قليلا قبل أن تتسع عيناها تتفحص أمامها سلّة من الخوص لكن تبدو حديثة الطراز، مبطنة من الداخل بقماش ابيض جوانبها مُزينة برسومات نخل أخضر يتوسطه مجسم لبيت ريفي صغير منثور فوقه بعض العصافير.. ظلت غنى تترقبها قبل أن تقول بلهفة.
_ايه رأيك يا طنط؟ مش أحسن من السبت القديم بتاعك اللي محدش بقا يستخدمه دلوقت؟ عشان كده قلت اشتري ليكي واحد شغله حديث ومميز.
ومازحتها بحماس:  لعلمك الناس هتوقفك في الشارع تسألك شارية السبت الحلو ده منين يا حجة.
تهكمت گعادتها: هو بعد الأخضر والأحمر المنقرشين عليه ده هيبقى فيها حجة؟
غنى بإحباط.
_هو معجبش حضرتك؟
أشفقت عليها السيدة من إحباطها وربتت على كتفها بحنان: بالعكس عجبني، كفاية إنك افتكرتيني بهدية.
لثمت غنى كفها المجعد قائلة بصدق.
_ أنتي تستاهلي كتير اوي يا طنط، أنتي مش مجرد أم هاشم جوزي، أنا بعتبرك زي أمي..ونفسي أرد حاجة من جمايلك علينا.
نظرت لها السيدة بغبرة حزن ظللت عيناها المّستدارة بالتجاعيد تقول.
_ ده حقك أنتي وعيالك يا غنى اللي هما نيني عيني من جوة ولو اطول كنت أجيب الدنيا كلها تحت رجليكم.
ثم غامت عيناها بحزن أعمق تخلله بعض الخجل:
وبحاول أعوضكم حاجة بسيطة من اللي ابني مقصر فيها معاكم، وياريتني أقدر اسدّد كل ديونه.

ثم عادت تنظر لسلّتها الخوص عتيقة الطراز وهي تقول ببعض الحنين والفخر.
السبتْ القديم ده قيمته كبيرة أوي عندي يا غنى، ده ورثته من أمي الله يرحمها، عمري ما بنسى دخلتها عليّ وهي شايلاه على دماغها وفيه الخير كله لحد بابي.
ثم نظرت نحو غنى وغمغمت.
_ يوم ما السبت ده يبقى فاضي يا غنى هيكون ربنا خلاص أخد أمانته يا بنتي ومبقيتش موجودة على وش الدنيا، لكن طول منا عايشة هاجي شايلاه على راسي وجايبة فيه اللي ربنا قاسم به ليكم.
ترقرقت عين غنى لحديثها وعانقتها بود.
_ ربنا يبارك في عمرك وما يحرمنا من دخلتك علينا أبدًا يا طنط..أنا لو في حاجة مصبراني أكمل مع هاشم هو أنتي.. مجرد انك حاسة بيا وحنينة عليا وبتنصفيني بحس بالراحة.. كل أما اتعب أقول انك موجودة، في ضهري وسندي بعد ربنا.
ملّست على رأسها بحنان:
كلنا سندنا ومُعينّا ربنا يا بنتي.

“أمّا؟!”
قالها هاشم وهو يدلف من باب الشقة قائلا بترحيب وهو يوصده خلفه.
_وأنا أقول الشارع كله منور ليه، أتاري ست الحبايب عندنا.
لمعت عيناها فور رؤيته واستقبلت عناقه بربتة حانية وهي تعاتبه.
_ يعني بتفكر تزور أمك وأبوك تطمن عليهم؟
_ مشاغل يامّا والله، بس على البال ورب المعبود.
ثم راح يشمّشم بأنفه وهو ينظر حوله:
أنا شامم ريحة حاجة حلوة يامّا.
أشارت له غنى لسلّة الخوص.
_دي طنط جايبة رز معمّر معاها.
_لأ ..في حاجة تاني مع المعمّر.
ضحكت والدته معلقة.
طول عمرك شمام يا واد..مراتك مالاحظتش غير المعمر.
_ ليه يا طنط هو انتي جايبة ايه تاني؟

_ دكر بط!
قالها هاشم وهو يلتقط صينية فضية يرقد بها دكر البط المطبوخ، ليبتلع ريقه بشهوة وهمّ بمد يده يقطعه لتصيح غنى.
_ أستنى يا هاشم اما العيال تيجي وناكل كلنا سوا.
_ عيال مين لسه هستنى أنا جعان.
وكاد أن يشق لحم الطائر لتصيح والدته تلك المرة بهيمنة.
_ واد يا هاشم هات الصينية وتعالى.
فعل على مضض وجلس أمام الطاولة الصغيرة أمامها لتأمر والدته غنى بإحضار صحن فارغ ومغرفة كبيرة.
_ ما تخلصي يامّا بقولك جعان، أنتي هتذلينا!
ضربت رأسه.
_ أصبر يا مفجوع، هحطلك تصبيرة تاكلها لحد ما العيال تيجي وتاكل معانا تاني، عشان اللقمة يبقى فيها بركة.
_ طب هاتي الزلموكة.
ضحكت تقول.

_ زي ابوك تعشقوها زي عينيكم.. بس خلاص مبقاش حملها دلوقت.
قال باشتهاء وهي تملأ له صحنه.
_ أنا كفيل أكل الدكر ده كله لوحدي.
_ بألف هنا على قلبك يا ابني، إلهي مطرح ما يسري يمري.
قالتها بحنان وهي تراقب التهامه لطعامها لتمتعض ملامحها من قوله.
_ أهو ده البط ولا بلاش، مراتي متعرفش تعمل زيه.
تهكمت منه وهي تحرك أصابع كفها وشفتيها بحركة ساخرة.
_ آل على رأي المثل، أطبخي يا جارية كلف يا سيدي.. وأنت أصلا بتديها تجيبلك بط عشان تعمله يا موكوس يا ابن الموكوسة؟.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *