ايه ده يا نبين

معداش على سفر جدي غير ست شهور، وساعتها بدأت ريح تانية تهب على البيت. في ليلة خميس، لقيت بابا “محمود” وماما “سوسن” جايين بشنطهم على غير موعد. بابا كان بيحاول يبان طبيعي وهو بيقول:«إيه يا نادين؟ إحنا قررنا ننقل نقعد معاكي فترة هنا.

الشقة واسعة وحرام تفضل فاضية وجدك مسافر، وبعدين وجودنا هيأمن البيت، ولا إيه؟»وقتها مكنش عندي مانع. كنت مفكرهم خايفين عليا من الوحدة، أو يمكن حبوا يرجعوا للذكريات القديمة في المنطقة. لكن الحقيقة المرة مأخدتش وقت طويل عشان تبان على أصولها.

بعد تلات أسابيع بس، دخلت عليا ماما بابتسامة مصطنعة وورقة في إيدها… ومن هنا بدأت حكاية “الإيجار الإجباري”، والمسرحية اللي عشت فيها تلات سنين كاملة وأنا فاكرة إني بدفع تمن استقلالي، بينما الحقيقة كانت بتترسم في الخفاء ورا ضهري، لحد ما وصلت لحظة عيد الميلاد والعزومة اللي قلبت كل الموازين.

«إيه ده يا نادين؟! إنتِ بتدفعي إيجار لأبوكي وأمك عشان تعيشي في بيتي أنا؟!»جدي قال الجملة دي وهو باصصلي بصدمة، وسط عزومة عائلية على الغدا بمناسبة عيد ميلاده، والكل متجمع حوالين السفرة.

أبويا اتجمد مكانه، وسكينة تقطيع اللحمة لسه في إيده، وأمي وشها اتخطف لونه، لدرجة إن كوباية العصير وقعت من إيدها واتكسرت على الأرض. أما أنا، فنزلت الشوكة من إيدي بهدوء، وبصيت لجدي وقلتله:«أيوه يا جدو… أمال إيه؟! ما أنا دفعتلهم إيجار سبعين ألف ومتين جنيه على مدار تلات سنين!

»بقلم نورهان العشرى
جدي بصلي وكأنه مش مصدق اللي سمعه، وبعدين لف وشه ناحية أبويا، اللي حاول يضحك ضحكة مصطنعة وهو بيقول:«يا بابا، إيه المشكلة يعني؟! نادين بتشارك في مصاريف البيت. البنت عندها تسعة وعشرين سنة، ولازم تتعلم المسؤولية وتعرف إن مفيش حاجة ببلاش في الدنيا!

»جدي نزل الشوكة من إيده بالراحة، وبصله بنظرة خلت أبويا يبلع ريقه بالعافية.«أنا مسألتكش يا محمود… أنا بسأل نادين!»فجأة، كل الأصوات اللي كانت مالية السفرة اختفت، وكل العيون اتوجهت ناحيتي. أمي، اللي اسمها سوسن، مسكت منديل وفضلت تمسح إيديها بيه بعصبية، وبعدين قالت وهي بتحاول تدارى ارتباكها:«يا حاج عبد الرحمن، الله يخليك، مش وقته الكلام ده!

إحنا في عزومة، ومش ناقصة نكد على الفاضي.»لكن جدي مكنش سامعها أصلًا. كان لسه باصصلي، وصوته بقى أهدى وهو بيسألني:«قوليلي يا حبيبتي… بتدفعي كام كل شهر؟»بلعت ريقي، وحسيت إن قلبي بيدق بسرعة، رغم إني كنت مستنية اللحظة دي من زمان.«ألف وتسعمية وخمسين جنيه يا جدو… كل شهر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *