ايه ده يا نبين
رواية: إيجار مزيف بقلم: نورهان العشرى
فى قلب حي مصر الجديدة العريق، حيث الشوارع بتشهد على حكايات ناس راحت وناس جت، كان فيه بيت قديم ذو طابع خاص؛ شقة واسعة بأسقف عالية، وبلكونة كبيرة بتطل على شجر فريجيا بيملى الشارع بريحة مميزة مع كل نسمة هواء بالليل.
البيت ده مكنش مجرد حيطان وباب، كان مأوى وملاذ. جوا الحيطان دي قضيت أحلى أيام عمري مع جدتى “فاطمة”. الست الطيبة اللي كانت بالنسبة لي الصديقة والأم والونس لما الدنيا كانت تقفل في وشي. سنين طويلة وأنا شايفة ركبتها بتوجعها، وصحتها بتتدهور بالتدريج، بس عمرها ما بطلت تبتسم أو تحضنني وتقولي:«بكرة يا نادين تشوفي أيام حلوة تنسيكي تعب السنين يا حبيبتي.
»في آخر شهور في حياتها، كنت أنا سندها الوحيد. كنت بسيب شغلي في شركة الدعاية والإعلانات وأجري على البيت، أجهز لها الأكل الدافي، وأدلي بالدوا في معاده بميزان الدهب، وأقعد جنبها أقرأ لها في المصحف أو أسمع حكاياتها القديمة عن زمان، لما كان جدو “عبد الرحمن” مهندس كبير بيشتغل ليل نهار علشان يبني العيلة دي حجر بحجر.
بقلم نورهان العشرى
يوم ما توفت جدتى فاطمة، حسيت إن البيت كله كبر فجأة وبقى عجوز. جدي عبد الرحمن، الراجل القوي اللي طول عمرنا بنستند على هيبته وكلمته المسموعة، انكسر في ليلة واحدة. قعد أيام طويلة مقفول عليه بابه، باصص لكرسيها الفاضي في الصالة كأنه مستنيها ترد عليه.
عينه الدبلانة كانت بتوجع قلبي أكتر من فراقها. وبعد مرور أربعين يوم، قعد معايا في الصالة وحدنا، ونادى عليا بصوته الدافئ المبحوح:«بصي يا نادين يا بنتي… اقعدي جنبي.»قعدت على الكرسي اللي قدامه، ومسك إيدي بإيديه المرتعشة وقال:«بصي يا نادين، أنا مش هقدر أقعد في البيت ده دلوقتي…
الذكريات هنا بقت تقيلة على روحي، وأنا قررت أسافر إسكندرية عند أخوكي أو أقعد في شقة الشاطبي فترة أغير فيها جو لحد ما ألاقي نفسي. بس البيت ده… البيت ده غالي عليا زيك بالظبط. أنا عارف إنك ارتحتي فيه وعشتي تفاصيل جدتك الله يرحمها.
أنا عايزك تفضلي هنا، وتعتبريه بيتك بالكامل. أوعي في يوم تحسي إنك غريبة فيه، فاهمة؟»ساعتها نزلت دمعة من عيني وحضنته بكل قوتي، وقلتله بصدق:«ربنا يخليك ليا يا جدو، البيت مش هيبقى له طعم من غيرك، بس عيوني ليك، هحافظ عليه لحد ما ترجع بالسلامة.
»بقلم نورهان العشرى