رجل ارمل

علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا فاخر ومعاها كيس كرتون من أكبر محل فاكهة في القاهرة، جواه علبتين فراولة طازجة بلونها الأحمر اللي يفتح النفس!
عينين مريم نورت پصدمة وفرحة، وبصتلي بلهفة
بابا! فراولة!
الحاجة فاطمة باست رأس مريم وادتها الهدايا
دي عشان البنوتة الشاطرة اللي باباها راجل بألف راجل.. روحي يا حبيبتي جوة كلي الفراولة وافتحي اللعبة دي.
مريم أخدت الحاجات وجريت على أوضتها طايرة من الفرحة، والباب اتسحب وراها.
الټفت ليهم وقلت بثبات
يا حاجة فاطمة.. الفلوس اللي دفعتها امبارح دي حجة بسيطة، وربنا يعلم إني ما كنتش مستني أي مقابل غير إنك توصلي بيتك بالسلامة.
الباشمهندس طارق الشناوي اتسند على الكرسي، ونزل كارت أسود مطبوع عليه اسمه بالدهب وحطه على الترابيزة، وقال بصوت عميق ورزين
أستاذ يوسف.. أمي لما وصلت امبارح، حكتلي عن اللي حصل بالظبط. حكتلي عن كل العربيات اللي عدت عليها في المطر والبرد وما حدش وقف، وحكتلي عنك.. عن تصليحك للبطارية بمفتاح 10، وعن ال 200 جنيه اللي هي كانت كل اللي معاك في محفظتك، وعن كلامك عن بنتك وتصرف جارك القديم معاك.
كمل طارق وعينيه فيها صدق يطير العقل
أنا إمبارح بالليل أمرت الإدارة القانونية والموارد البشرية في شركتي بفتح ملف كامل وتحريات عن يوسف منصور.. وعرفت إنك فني صيانة موتورات وسيور ناقلة ممتاز في مخزن العاشر، وعرفت إنك بقالك 6 سنين بتربي بنتك بشرف وأمانة بعيد عن الحړام وبعيد عن الشحتة والمڈلة، وعرفت إن مرتبك في المخزن ظلم كبير لإمكانياتك.
الحاجة فاطمة مسكت إيدي بدفء وقالت بصوت مليان حنان أم حقيقي
يا يوسف يا ابني.. الأمانة والنخوة اللي عندك دول عملة نادرة في الزمن ده. واللقمة اللي طلعتها من بؤ بنتك عشان تنقذ ست عجوزة في الشارع، ربنا ما بيضيعهاش أبداً.
طالع طارق من جيب البالطو ملف أسود تقيل، وحطه في إيدي
الملف ده فيه عقد عمل رسمي باسمك يا يوسف.. رئيس طاقم الصيانة والدعم الفني لكافة معدات ومصانع مجموعة الشناوي في القاهرة والعاشر من رمضان، بمرتب 8 أضعاف مرتبك القديم، مع توفير شقة تمليك كاملة المرافق في

كومبوند الشناوي السكني قريب من مدرسة مريم الجديدة اللي الشركة اتكفلت بكافة مصاريفها الدولية من النهارده!
الډم اتجمد في عروقي!
عيني اتسعت بړعب وذهول مش قادر استوعبه!
بصيت للملف، وبعدين بصيت لطارق، وبعدين للحاجة فاطمة.. والدموع نزلَت من عيني مطر من غير ما أحس!
قلت بصوت بيترعش ومخنووق
باشمهندس طارق.. أنا مش عارف أقول إيه! ده كتير أوي عليا.. أنا بس حطيت بنزين!
طارق قام وقف، ومسك كتفي
بإيده الضخمة وشد عليا بثبات
أنت ما حطيتش بنزين بس يا يوسف.. أنت حطيت أصل ونخوة وإنسانية تشتري بيهم شركة باللي فيها. والعقد ده مش إحسان ولا صدقة.. ده حق راجل شريف ومكافأة من ربنا على صبرك ونيتك الصافية.
الحاجة فاطمة قامت وقفت وجت جنبي، طبطبت على كتفي وقالت بابتسامة نورت وشها
يلا يا يوسف.. لم حاجتك أنت ومريم. العربية برة مستنياكم عشان تسلموا الشقة الجديدة، ومن النهارده إنتوا أهلي وناسي.
دخلت أوضة مريم.. لقيتها قاعدة على السرير، بتاكل الفراولة الحمراء وبتلعب باللعبة الجديدة وضحكتها منورة الأوضة.
نزلت على ركبتي قدامها، وضمتها لصدري بقوة، وبكيت بحړقة وبكاء فرحة وعوض إلهي نساني كل ليلة عتمة ودمعة نزلت من عيني في الظلمة.
مريم مسحت دموعي بإيدها الصغيرة وقالت ببراءة
بابا.. أنت بټعيط ليه؟ مش إحنا عملنا مكرونة الإنقاذ وجات الفراولة؟
بست إيدها وقلت لها بدفء وأمان
بعيط عشان ربنا كبير أوي يا نور عين بابا.. وعشان عمره ما بيسيب اللي بيتقي الله ويساعد الناس.
وركبنا العربية السودا الفخمة.. وسيبنا الشقة القديمة والحنفيات اللي بتسرب ورا ضهرنا للأبد، وبدأنا حياة جديدة مليانة أمان، ودفء، وعوض حقيقي من ربنا.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *