بعد 17 سنه
لمحة نيوز
بصيت للقطة، كانت صغيرة أوي، واضح إنها لسه مولودة من فترة قصيرة.
كمل كلامه: “شكلها كانت مرمية… أو أمها ماتت.”
قلت: “طيب ما دخلتهاش البيت ليه؟”
ابتسم ابتسامة باهتة: “عشانك. إنتِ عندك حساسية من القطط… فاكرة؟”
افتكرت فعلًا، من سنين كنت اتعبت مرة بسبب شعر قطة.
قال: “فكنت كل ليلة أنزل أحطلها أكل ومية… وأتأكد إنها كويسة. لكن المشكلة إن مكانها كان قدام الشباك… ناحية السرير اللي أنا بنام عليه.”
بدأت أربط الكلام ببعضه، قال: “كل ليلة كنت مستني لما تنامي… وأنزل من غير ما تحسي. ولما صحيتي أول مرة وروحتي الحمام… افتكرتك نزلتي وشوفتيها.”
اتسعت عيني. يعني كل التوتر ده… كان بسبب القطة؟ لكن فضلت حاسة إن فيه حاجة ناقصة.
قلت بهدوء: “طيب… وإيه علاقة ده بتبديل مكان السرير؟”
سكت أحمد وبعدين قال: “لأنها كل ليلة كانت تقف تحت الشباك وتعمل صوت. وأنا كنت خايف تصحيكي. ولو صحيتي… أكيد كنت هتشوفيها… وساعتها يا إما هتطلبي ندخلها… يا إما هتتعبي من الحساسية.”
ابتسم بحرج: “فقلت أخليكِ تنامي بعيد عن الشباك كام يوم… لحد ما ألاقي حد يتبناها.”
فضلت ساكتة. كان تفسير منطقي… لكن جوايا حاجة كانت بتقولي إن القصة لسه مخلصتش. بصيت للقطة، ولاحظت إن في رقبتها… طوق صغير أحمر.
قطبت جبيني وقلت: “دي قطة مرمية… ولا عليها طوق؟”
أحمد بص للطوق… وفجأة اختفت الابتسامة من وشه. ولأول مرة من بداية الكلام… ارتبك. مد إيده بسرعة يشيل القطة من القفص، لكن كنت سبقته. مسكت الطوق، ولقيت متعلق فيه… مفتاح صغير جدًا… وعليه رقم (12).
رفعت المفتاح قدام وشه، وقلت وأنا ببصله في عينه: “أحمد… ده مفتاح إيه؟”
بلع ريقه وسكت. وفي اللحظة دي، عرفت إن حكاية تبديل أماكن النوم، ماكنتش بسبب القطة بس. وكان فيه سر أكبر… لسه مخبيه عني.
فضل أحمد يبص للمفتاح اللي في إيدي… وبعدين قعد على الكنبة كأن كل قوته راحت.
قلت وأنا لسه ماسكة المفتاح: “هتتكلم… ولا أفضل أفترض الأسوأ؟”
مرر إيده على وشه، وقال بصوت واطي: “والله الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة.”
ابتسمت بسخرية: “الغريب إنك من أول الأسبوع، وكل حاجة بتقولها غير اللي أنا متخيلاه.”
سكت شوية… وبعدين قال: “المفتاح ده… بتاع صندوق خشب صغير.”
قلت بسرعة: “وصندوق إيه ده؟”
رد: “في المخزن اللي ورا البيت.”
بصيتله باستغراب: “ومستخبيه في رقبة قطة ليه؟”
تنهد وقال: “عشان كنت خايف تلاقيه قبل معاده.”
قمت وقفت: “أنا مش فاهمة حاجة.”
ابتسم لأول مرة من أيام: “تعالي.”
مشينا لحد المخزن الصغير اللي في آخر الجنينة. كان مكان قديم، مليان كراتين وحاجات احتفظنا بيها من سنين. فتح الباب، دخل، وبعدين أشار ناحية صندوق خشب صغير على الرف.
قلت: “هو ده؟”
هز راسه. ناولته المفتاح. فتح الصندوق بهدوء… وبعدين لفه ناحيتي.
أول ما بصيت جواه… اتسعت عيني.
كان مليان صور. صور فرحنا. أول شقة سكنّا فيها. أول عربية اشتريناها. وأول تحليل حمل إيجابي احتفظت بيه. وكمان رسايل كنت بكتبهاله في أول الجواز، كنت فاكرة إنها ضاعت. وفي آخر الصندوق… علبة مخمل زرقا. فتحها، كان فيها خاتم دهب أبيض بسيط، مرصع بفص صغير.
قلت وأنا مش مستوعبة: “إيه ده؟”
ابتسم وقال: “هدية عيد جوازنا.”
فضلت باصة له من غير كلام، قال: “بقالى شهرين بحضر للمفاجأة.” وأشار للقطة اللي كانت ماشية ورانا: “القطة دي لقيتها فعلًا في الجنينة. ولما قربت منها لقيت الطوق الأحمر ده، فخطر في بالي أخبي المفتاح فيه، لأنها كانت بتستخبى تحت الشباك كل يوم، ومحدش هيشك فيها.”
ضحكت رغمًا عني: “يعني قلبت البيت كله… بسبب قطة؟”
ابتسم: “ولما لقيتها كل ليلة بتيجي ناحية الشباك اللي بنام جنبه… خفت تصحيكي وتشوفي الطوق والمفتاح. عشان كده أصريت نبدل أماكننا. وكل ما كنتِ تقومي من السرير… كنت بافتكر إنك نزلتي شوفتيها.”
افتكرت كل اللي حصل. تبديل الأماكن. توتره. صحوته مع كل حركة. نزوله الساعة تلاتة الفجر.
قولت: “وكنت بتنزل بالليل ليه؟”
قال وهو بيضحك: “أطمن عليها… وأحطلها أكل… وأتأكد إن المفتاح لسه مكانه.”
سكت شوية… وبعدين بصلي بعين مليانة حب: “كنت نفسي مفاجأة عيد جوازنا تبقى مختلفة… لكن واضح إني بوظتها.”
ضحكت لأول مرة من أسبوع: “بوظتها؟ أنا كنت خلاص مقتنعة إنك مخبي مصيبة.”
حط إيده على راسه وقال: “وأنا كنت مقتنع إنك هتكتشفي المفاجأة لو فضلتي في مكانك القديم.”
بصينا لبعض… وانفجرنا إحنا الاتنين في الضحك. بعدها لبسني الخاتم بنفسه، وقال: “بعد سبعتاشر سنة… لسه باختارك كل يوم من جديد.”
رديت وأنا دموعي نازلة من الفرحة: “وأنا كمان.”
أما القطة… فمكنّاش قدرنا نسيبها. مريم بنتنا أول ما شافتها، سمّتها “لوزة”. ومن يومها… بقت فرد جديد في العيلة.
ولحد النهارده… كل ما نبص لبعض قبل النوم، أحمد يضحك ويقول: “إيه رأيك نبدل أماكننا؟”
أرد عليه وأنا بضحك: “لأ يا حبيبي… كفاية مفاجآت العمر دي.”