بعد 17 سنه
أنا وجوزي كنا بننام على نفس أماكننا في السرير بقالنا سبعتاشر سنة.
أنا دايمًا بنام على الناحية الشمال، أقرب ناحية لباب أوضة النوم.
وجوزي أحمد، بينام على الناحية اليمين، جنب الشباك.
كانت من الحاجات الصغيرة اللي بتبقى جزء من الجواز لدرجة إنك بعد كام سنة بتبطل حتى تلاحظها.
الكومودينو بتاعي كان على ناحيتي، وشاحن موبايلي دايمًا راكب فيه، وكوباية المية جنب الأباجورة. أما أحمد، فكان حاطط نضارته وموبايله على الكومودينو اللي عنده. ولا مرة قعدنا واتفقنا على الترتيب ده. هو ببساطة بقى مكان كل واحد فينا… وخلاص.
عشان كده، يوم الاتنين اللي فات، لما أحمد بصلي فجأة وقال: “إيه رأيك نبدّل أماكننا في السرير؟”
ضحكت وأنا مستغربة: “نبدّل؟ ليه يعني؟”
قال وهو بيشرب آخر رشفة من الشاي: “مش بعرف أنام كويس الفترة دي… يمكن لو غيرت مكاني أنام أحسن.”
الرد نفسه حسّيته غريب. أحمد أصلًا بيكره التغيير. كل مرة بيشتري نفس نوع معجون الأسنان، ولما ننزل السوبر ماركت يركن العربية تقريبًا في نفس المكان، وبقاله سنين بيشرب قهوته في نفس المج الأزرق اللي رافض يغيره. طول عمره مؤمن إن طالما الحاجة ماشية كويس… يبقى ملهاش لازمة تتغير. بس المرة دي فضل مُصر، وفي الآخر وافقت.
وأول ما نمت في مكانه… حسيت إن كل حاجة مقلوبة. الكومودينو مش مكاني، إيدي بتدور على الشاحن ومش لاقياه، حتى منظر الشباك بقى غريب، ولما صحيت بالليل علشان أشرب مية، لقيت نفسي تايهة للحظات. أما أحمد… فأول ما حط راسه على المخدة… نام في دقايق.
تاني يوم الصبح، وهو بيشرب القهوة، بصلي وقال: “نمتي كويس؟”
هزيت راسي: “لأ… خالص.”
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “استحملي يومين… يمكن تتعودي.”
في الليلة اللي بعدها قولتله: “خلاص بقى… نرجع كل واحد مكانه.”
رد بسرعة غريبة: “لأ.”
بصيتله باستغراب، فقال وهو بيقفل النور: “أنا نمت أحسن كده.”
ما كملتش كلام، بس طول الليل كنت حاسة إن في حاجة غلط. وفي نص الليل تقريبًا، قومت أدخل الحمام، ولما رجعت… اتفاجئت إنه كان صاحي، وقاعد نص قعدة على السرير، وكأنه مستني حد.
بصيت له وقلت: “في إيه؟”
قال بسرعة: “مفيش.”
قطبت جبيني: “أمال صاحي ليه؟”
رد بعد لحظة تردد: “افتكرتك نازلة تحت.”
استغربت جدًا: “أنزل تحت؟ الساعة دي؟ أنزل أعمل إيه؟”
هز كتافه وقال: “معرفش… افتكرت كده.”
رجعت نمت… بس من اللحظة دي، الموضوع بطل يبقى مجرد تبديل مكان في السرير. بقيت حاسة إن أحمد مستني مني أعمل حاجة معينة… أو خايف إني أشوف حاجة.
تاني يوم، أول ما نزل الشغل… وقفت في أوضة النوم، وبصيت على ناحيتي القديمة من السرير. وقلت لنفسي: “أكيد في سبب… ورا إصراره الغريب ده.”
وساعتها… بدأت أفتش حوالي الكومودينو والسرير اللي كنت بنام عليه بقاله سبعتاشر سنة. وأنا لأول مرة حاسة إن في سر مستخبي… أقرب ليا مما كنت متخيلة.
في الليلة التالتة… صحيت فجأة. بصيت في الساعة، كانت تلاتة وربع الفجر. مديت إيدي… مالقتش أحمد جنبي. افتكرت إنه في الحمام، استنيت شوية، ماخرجش. قمت أدور عليه، الحمام فاضي. وفي اللحظة دي… سمعت صوت جاي من تحت. صوت دولاب بيتفتح… وبعدين صوت باب الجنينة.
وقفت مكاني، قلبي بدأ يدق بسرعة. بعد كام دقيقة… سمعت خطواته وهو طالع السلم. دخل أوضة النوم، وأول ما لقاني صاحية… اتسمر في مكانه.
قلت وأنا ببصله: “إنت كنت فين؟”
قال بتوتر: “تحت.”
قلت: “إنت خرجت بره البيت.”
سكت ثانية: “آه… دقيقة ورجعت.”
استنيته يشرح، لكنه دخل السرير… وسابني من غير أي تفسير.
الليلة دي… مغمضتش عيني تقريبًا. تاني يوم بالليل… قررت إني مش هسكت. أول ما خلصنا العشا… بصيتله وقلت: “كفاية بقى… فهمني إيه حكاية تبديل الأماكن دي؟”
قال بهدوء: “ما أنا قلتلك.”
هزيت راسي: “لأ… إنت إدنيتني حجة… مش الحقيقة.”
سكت، فكملت: “سبعتاشر سنة وأنا بنام في نفس المكان… وفجأة تصر إني آخد مكانك. وكل شوية تراقبني وأنا نايمة… وتصحى أول ما أتحرك… وبالليل تنزل تخرج من البيت الساعة تلاتة الفجر!”
بصلي وسكت.
قلت بصوت بدأ يترعش: “في حاجة مخبيها عني؟”
فضل باصصلي كام ثانية. وبعدين قال كلمة واحدة: “أيوه.”
حسيت معدتي اتقبضت، قلت بصعوبة: “إيه هي؟”
قام من مكانه وقال: “استني هنا… ثانيتين بس.”
“أحمد…” لكن كان خرج خلاص.
سمعته ماشي ناحية آخر البيت. باب اتفتح، وبعده باب تاني. وقفت مكاني وألف احتمال مر في دماغي. هل فيه واحدة؟ ولا مخبي فلوس؟ ولا فيه مصيبة أكبر؟
بعد أقل من دقيقة… رجع أحمد. وكان شايل بين إيديه… قفص صغير.
أول ما شوفته، اتجمدت مكاني. جواه قطة بلدي صغيرة، لونها أبيض في رمادي، ملفوفة في بطانية أطفال قديمة، وبتترعش من البرد. القطة أول ما شافت أحمد… مواءت بصوت واطي. ابتسم بحنان، وربت على راسها.
أما أنا… فكنت واقفة مش فاهمة أي حاجة.
قلت باستغراب: “دي إيه؟”
اتنهد وقال: “تعالي اقعدي… وهحكيلك.”
قعدنا على الكنبة، وحط القفص قدامنا. القطة كانت باصة له وكأنها مستنياه يطمنها.
قال وهو بياخد نفس طويل: “من حوالي أسبوعين… وأنا خارج أرمي الزبالة بالليل، سمعت صوت مواء ضعيف جدًا جاي من الجنينة اللي ورا البيت. دورت… لقيتها مستخبية تحت شجرة الليمون.”