أبوها ومرات أبوها سابوها لوحدها في كوخ خشب متلج، وخدوا معاهم كل حاجة لكن هي فتحت باب سري في الأرض واكتشفت وهي عندها 19 سنة، كانت فاليريا ريوس عارفة كويس إن هدايا عيلتها عمرها ما بتيجي من غير تمن. وعشان كده، لما أبوها ومرات أبوها أخدوها لكوخ معزول في جبال أرتياغا، وسط أسوأ عاصفة تلج حصلت في يناير، ماصدقتش ابتساماتهم أوي. مرات أبوها لورينا بصت لأشجار الصنوبر اللي مغطاة بالتلج وقالت دي فرصتك تبدأي من جديد. المكان ده بقى بتاعك. الكوخ كان ملك لعيلة أمها ألما، اللي ماتت من 8 سنين. جوليان، أبو فاليريا، تقريبًا ماكانش بيتكلم طول الطريق. ولما وصلوا، نزل شنطتين وحط جنب الباب كيس فيه فاصوليا، ورز، و علب أكل. ماكانش فيه كهربا. ولا شبكة. والمدفأة الحديد كانت مطفية. وأقرب قرية كانت على بعد أكتر من 15 كيلو. لورينا مدت إيدها. هاتِ موبايلك. هنا مش هيشتغل، والرطوبة ممكن تبوظه. وبعدها أخدت منها مفاتيح العربية القديمة اللي فاليريا كانت بتستخدمها عشان تروح المطعم اللي بتشتغل فيه. وبعدين أخدت الظرف اللي فيه ال ألف بيزو اللي البنت كانت موفراهم على مدار سنتين. وكمان أخدت صندوق كرتون فيه صور، وكاسيتات قديمة، وطائر طنان صغير من الزجاج كان من حاجات ألما. فاليريا اعترضت ده بتاعي! لورينا ردت ببرود هنحفظهولك لحد ما تتعلمي تعتمدي على نفسك. كام يوم ونرجع ناخدك. فاليريا بصت لأبوها، مستنية منه يدافع عنها. لكن جوليان نزل عينيه للأرض، وشال صندوق ألما وحطه في العربية، وقعد ورا الدركسيون. فضلت واقفة تبص لهم وهما بيختفوا وسط أشجار الصنوبر، من غير حتى ما يلفوا يبصوا وراهم. وساعتها فهمت الحقيقة. هم ماكانوش ادوها بيت. هم سابوها. أول ليلة، قدرت تشغل المدفأة باستخدام شوية حطب مبلول. نامت وهي لابسة هدومها، ومتغطية ببطانيتين، والهواء كان بيخلي سقف الصاج يصرخ من شدة العاصفة. الصبح، لقت كلب كبير وعجوز وجعان مستخبي في مخزن الحطب. مناخيره كانت مليانة شعر أبيض، ورجله مصابة. فاليريا ادته نص التورتيلة الوحيدة اللي كانت معاها بالفاصوليا. وقالت له لو هتفضل هنا، هسميك كانيلو. الكلب حط راسه على ركبتها، كأنه كان مستني السنين كلها عشان يسمع الدعوة دي. الليلة التانية كانت أبرد. ورغم إن المدفأة كانت مولعة، فاليريا حست بهوا ساقع طالع من نص الأرض. كانيلو شم سجادة منسوجة، وبدأ يخربش فيها. فاليريا شالت السجادة من مكانها، فاكتشفت حلقة حديد مغروسة في ألواح خشب متقطعة بدقة غريبة، كأنها معمولة مخصوص ومش مجرد تصليح للأرضية. شدت الحلقة. فجأة، باب سري في الأرض اتفتح بصوت أنين خافت. فاليريا نزلت بمصباح صغير. وتحت الأرض، لقت مخزن صغير مبني بالحجر. كان فيه برطمانات أكل محفوظ، ودرة ناشفة، وشمع، وبطاطين، وأدوية، وأدوات، وزجاجات مياه. كل حاجة كانت متصنفة وعليها علامات. وفي ركن من الأركان، كان فيه صندوق معدني، وصندوق خشب كبير مقفول بقفل، وكومة خطابات مربوطة بخيط. وفوق الصندوق المعدني، كان مكتوب لفاليريا. عرفت اسمها فورًا لكنها ماعرفتش الخط. فتحت الصندوق. ولقت صور لأمها وهي طفلة، قاعدة في نفس البلكونة دي، وشعرها وهدومها مليانة نشارة خشب. وفي صورة تانية، كان فيه راجل كبير عنده شنب وشعره بدأ يشيب، شايل طفلة رضيعة لسه مولودة من كام أسبوع. وعلى ضهر الصورة كان مكتوب إستيبان وفاليريا أسعد يوم في حياتي. فاليريا حست إن نفسها اتقطع. الراجل ده كان إستيبان رينتيريا، جدها من ناحية أمها. الجد اللي طول عمرها سمعت عنه حكاية واحدة بس إنه طرد ألما من بيته. وإنه عمره ما حب يقابل حفيدته. وإنه مات وحيد بسبب قسوته ومرارة قلبه. فتحت أول جواب. وكان مكتوب لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أخيرًا وصلتي. يمكن يكونوا قالولك إني ماكنتش بحبك. مش هضيّع الورق في إني أشتم الناس اللي قالولك كده. أنا أفضل أسيبلك الدليل. أنا بنيت الكوخ ده لأمك، وحافظت عليه عشانك. الأرض، والورشة، وكل حاجة موجودة هنا ملكك قانونيًا. الأستاذ توماس أورتيجا، في سان أنطونيو دي لاس ألاسناس، معاه كل المستندات. وقبل أي حاجة، عايزك تعرفي الحقيقة إنتِ كنتِ مستنياكي. إنتِ كنتِ محبوبة. وعمري ما بطلت أدور عليكي. فاليريا فضلت تقرا الكلام ده لحد ما الحروف بدأت تسيح قدام عينيها من الدموع. وبعدين فتحت رزمة الخطابات. كان فيه جواب لكل عيد ميلاد من وقت ما كملت خمس سنين. كل الخطابات كانت مكتوب عليها عنوان البيت اللي عاشت فيه طول عمرها. وكلها كانت بترجع من غير ما تتفتح. وفي الخطابات الأخيرة، جنب ختم العنوان غير معروف كانت فيه جملة مكتوبة بخط لورينا الدائري من فضلكم، ما تتواصلوش معانا تاني. فاليريا ماعيطتش عشان الكذبة. هي عيطت عشان صبر الراجل العجوز. سنة ورا سنة كان بيكتب لها من جديد، من غير ما توصله أي إجابة. تاني يوم الصبح، فاليريا اكتشفت ورا ستارة ورشة نجارة كاملة. كان فيها أزاميل، ومناشير، وأدوات نجارة، وقوالب مرسومة بإيد. وعلى ترابيزة الشغل، كانت فيه كرسي هزاز لسه مخلصش. وعلى واحدة من دراعيه الناقصين، كانت متعلقة بطاقة صفراء باهتة مكتوب عليها لفاليريا، لما تيجي. علّم إيديها الحاجة اللي لسه فاكرينها. الباب اللي ماكانش المفروض يتفتح فاليريا فضلت واقفة قدام الكرسي الهزاز وقت طويل. إيدها لمست البطاقة الصفراء، وبمجرد ما رفعتها، وقع من تحتها مفتاح صغير. مفتاح نحاسي قديم، مربوط بخيط أزرق. رفعت فاليريا المفتاح قدام النور، ولاحظت إن على رأسه علامة محفورة طائر طنان. نفس الطائر الزجاجي اللي أخدته لورينا. همست ماما كانت تعرف المكان ده... كانيلو فجأة بدأ ينبح. مش ناحية الباب. ناحية الحيطة اللي ورا ترابيزة النجارة. فاليريا قربت، وبدأت تتحسس الخشب. سمعت صوتًا أجوف. خبطت مرة. طَق. وبعدين مرة تانية. طَق... طَق. كان فيه فراغ ورا الحيطة. نزعت لوح خشب صغير، فاكتشفت تجويفًا ضيقًا، جواه ظرف بني قديم. على الظرف مكتوب لو وصلتِ للصندوق، ماتصدقيش أول مستند هتلاقيه. فاليريا فتحت الظرف بسرعة. كان جواه مفتاح تاني، وصورة قديمة، وورقة واحدة. الصورة كانت لأمها ألما وهي في سن التاسعة عشرة. لكن الصدمة ماكانتوش في الصورة نفسها. كان واقف جنب ألما رجل غريب. والأغرب إن الرجل كان ماسك نفس الطائر الطنان الزجاجي. قلبت فاليريا الصورة. على ظهرها ألما، لو حصل لي أي شيء، خدي فاليريا بعيد عن جوليان. تجمدت مكانها. جوليان؟ أبوها؟ ليه جدها كان كاتب اسم أبوها؟ وفجأة، سمعت صوت محرك سيارة بعيد. فاليريا قربت من النافذة. وسط الثلج الكثيف، ظهر ضوءان بيتحركوا ببطء ناحية الكوخ. لكن مستحيل تكون عربية أبوها. هو كان عنده عربية مختلفة. والقرية بعيدة. كانيلو وقف قدام الباب وبدأ يزمجر. فاليريا قفلت باب الورشة بسرعة، وحطت الصورة والمفتاح في جيبها. وبعدها أطفأت كل الأنوار. العربية وقفت قدام الكوخ. بابها اتفتح. ونزل منها رجل طويل لابس معطف أسود. وقف تحت الثلج، وبص مباشرة ناحية نافذة فاليريا. كأنه... كان عارف إنها جوه فاليريا ما اتحركتش. حتى نفسها حاولت تحبسه. الرجل فضل واقف تحت الثلج، لا بيخبط على الباب ولا بينادي عليها. بس كان باصص ناحية الشباك. كانيلو قرب منها، لكن فاليريا حطت إيدها على رقبته بهدوء عشان ماينبحش. وفجأة، الرجل رفع إيده... وأشار للكوخ. وبعدين أشار للأرض. فاليريا قلبها دق بسرعة. إزاي عرف إن فيه حاجة تحت الأرض؟ الرجل رجع للعربية، لكنه قبل ما يركب، ساب حاجة جنب الباب. وبعدها العربية اختفت وسط العاصفة. استنت فاليريا دقيقة كاملة قبل ما تفتح الباب. نزلت بحذر، وكانيلو وراها. جنب العتبة كان فيه صندوق خشبي صغير. عليه نفس علامة الطائر الطنان. رجعت بيه للداخل وفتحته. جواه كان فيه دفتر جلدي قديم، ومفتاح ثالث، وورقة مطوية. فتحت الورقة. وكان أول سطر فيها فاليريا، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى جوليان عرف إنك اكتشفتي الحقيقة. وقفت تقرأ وهي حابسة نفسها. الرسالة كانت من جدها. أمك ما اختفتش من حياتي بإرادتها. أنا حاولت أحميها، لكني تأخرت. واللي حصل بعدها خلاني أوافق على شيء واحد فقط... إن الكوخ ده يفضل بعيد عن أياديهم. فاليريا بلعت ريقها. أياديهم؟ مين؟ قلبت الصفحة. لكن باقي الكلام كان ممزقًا. وفي أسفل الصفحة، كانت فيه جملة واحدة واضحة الحقيقة موجودة في الورشة، خلف الشيء الذي صنعته ألما بيديها. فاليريا بصت حوالين الورشة. الأدوات. الطاولة. الكرسي الهزاز. الدواليب. ولا شيء واضح. ثم تذكرت البطاقة علّم إيديها الحاجة اللي لسه فاكرينها. قربت من الكرسي الهزاز. مررت إيدها على الخشب. وفجأة لاحظت إن أحد ذراعي الكرسي كان أعرض قليلًا من التاني. جابت المفك. وبعد دقائق، قدرت تفك قطعة صغيرة من الخشب. سقطت منها أسطوانة معدنية. فاليريا فتحتها. كان جواها شريط كاسيت قديم. ومكتوب عليه بخط أمها اسمعيه لوحدك. فاليريا بصت لجهاز التسجيل القديم الموجود على الرف. حطت الشريط. ضغطت تشغيل. صدر صوت تشويش... وبعدين صوت امرأة. صوت كانت فاليريا تعرفه لمحة نيوز رغم إن آخر مرة سمعته كانت وهي طفلة. صوت أمها. فاليريا... لو إنتِ سمعتي التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. فاليريا حطت إيدها على فمها. صوت ألما استمر أبوك مش الشخص اللي لازم تخافي منه... لكن في شخص تاني أقرب ليكي مما تتخيلي. وفجأة... انقطع التسجيل. فاليريا ضربت الجهاز بإيدها. لأ! لأ، كمّلي! حاولت تشغله مرة تانية. ولا صوت. لكن من خلفها... صدر صوت ارتطام قوي. دَق! فاليريا استدارت. باب المخزن السري الموجود تحت الأرض... كان مفتوحًا. مع إنها متأكدة إنها قفلته. وكانيلو واقف عند السلم، شعر ظهره واقف، وبيحدق في الظلام. وفوق أول درجة... كان فيه حذاء مبلول بالطين. مش بتاع فاليريا. ومش بتاع الرجل اللي جه بالعربية. حد كان داخل الكوخ... وهو لسه جواه فاليريا رجعت خطوة لورا، وإيدها راحت تلقائيًا للمفتاح النحاسي اللي في جيبها. كانيلو نزل السلم ببطء، وهو بيشم الأرض. فاليريا همست كانيلو... استنى. لكن الكلب كمل. وفجأة وقف عند آخر درجة وبدأ يزمجر ناحية الركن المظلم. فاليريا رفعت المصباح ونزلت وراه. المخزن كان زي ما شافته أول مرة... تقريبًا. لأن الصندوق الخشبي الكبير اللي كان مقفول، بقى مفتوح. والأغرب إن الأقفال القديمة كانت لسه مكانها. كأن حد فتحه بالمفتاح. فاليريا قربت. جوا الصندوق كانت فيه ملفات، وصور، ودفاتر قديمة. وفوقهم ظرف أبيض جديد تمامًا. مكتوب عليه لفاليريا فقط. فتحت الظرف بإيد مرتعشة. جواه ورقة قصيرة ما تثقيش في أي حد يرجعلك من الماضي ويقول إنه جاي يحميكي. وتحتها اسم واحد توماس أورتيجا. فاليريا اتجمدت. ده اسم المحامي اللي جدها ذكره في رسالته. المفروض إنه الشخص اللي عنده مستندات ملكية الكوخ والأرض. لكن ليه حد بيحذرها منه؟ رفعت باقي الأوراق. كان أول ملف بعنوان ملكية أرض ألما ريوس. وتحته أوراق بيع، وتوقيعات، وأختام. لكن وسط المستندات لقت ورقة مختلفة. كانت عبارة عن إيصال تحويل مالي. التاريخ يرجع ل سنين. نفس السنة اللي ماتت فيها أمها. المبلغ كان ضخم. والمرسل... جوليان ريوس. فاليريا فضلت تبص للاسم وهي مش مستوعبة. أبوها دفع فلوس لمين؟ قلبت الورقة. لقيت اسم المستلم. لكن جزء من الاسم كان متغطّي بحبر أسود. حاولت تقرّبه من المصباح. ظهر منه أول حرفين لو... وفجأة سمعت صوت فوقها. خطوات. حد بيمشي في الكوخ. فاليريا طفت المصباح فورًا. وضمت كانيلو جنبها. الخطوات قربت من فتحة المخزن. واحد... اتنين... تلاتة... ثم توقفت. صوت رجل قال بهدوء فاليريا؟ البنت حبست نفسها. الصوت كان مألوفًا. لكنها مش قادرة تحدد لمين. ثم قال الرجل أنا عارف إنك تحت. فاليريا قربت إيدها من فمها. الرجل أكمل ولو عايزة تعرفي الحقيقة عن أمك... لازم تطلعي دلوقتي. سكت لحظة. ثم أضاف لأن اللي هيدخل الكوخ بعدي مش جاي يتكلم معاكي. وفجأة... صوت باب الكوخ الخارجي اتفتح فاليريا حست إن الدم انسحب من وشها. بقى فيه شخصين فوق. واحد واقف عند فتحة المخزن... والتاني دخل الكوخ. كانيلو بدأ يزمجر، لكن فاليريا حطت إيدها على رقبته تمنعه. الرجل الأول قال بصوت منخفض بسرعة يا فاليريا. لو فضلتي مستخبية، هما الاتنين هيوصلولك. وفجأة الرجل اللي دخل من الباب قال فتشوا الكوخ كله. فاليريا اتسمرت. هما؟ يعني الشخص اللي كلمها مش لوحده؟ سمعت خطوات تقيلة تتحرك ناحية الورشة. الرجل اللي عند فتحة المخزن همس عندك مخرج تاني؟ فاليريا بصت حواليها. وبعدين افتكرت حاجة. المفتاح الثالث. طلّعته من جيبها وبدأت تدور بيه على أي قفل. لحد ما لاحظت فتحة صغيرة جدًا تحت الرف الحجري. دخلت المفتاح. طَق. جزء من الحائط اتحرك. ظهر ممر ضيق مظلم. فاليريا بصت للرجل. إنت مين؟ قال الشخص اللي أمك وثقت فيه آخر مرة. فاليريا اترددت. وإزاي أعرف إنك مش بتكدب؟ الرجل ما ردش. بدلًا من كده، مد إيده في جيبه وطلع حاجة صغيرة. وحطها على أول درجة. فاليريا قربت المصباح. كانت دلاية فضية على شكل طائر طنان. نفس الطائر اللي كانت أمها بتلبسه في الصور. الرجل قال ألما سابتهالي قبل ما تختفي. فاليريا شهقت. أمي... ما اختفتش؟ سكت الرجل لحظة. ثم قال دي أول كذبة لازم تعرفيها. وفوقهم مباشرة، سمعوا صوت كسر زجاج. ثم صوت أحد الرجال فتشوا تحت الأرض! الرجل بص لفاليريا بسرعة. مفيش وقت. فاليريا أخدت الدلاية، ومسكَت كانيلو، ودخلت الممر. الرجل دخل وراها، وقفل الباب السري. وفي اللحظة اللي اختفوا فيها... نزل رجل إلى المخزن. بص للصندوق المفتوح. وبعدين لمح الورقة اللي عليها اسم توماس أورتيجا. ابتسم وقال وصلنا متأخرين... ثم رفع عينه ناحية الحائط. لكنها أكيد ماعرفتش لسه إن الورقة الأصلية مش هنا الممر كان أضيق مما توقعت فاليريا. كانت ماشية وهي حاطة إيدها على الحائط عشان ماتقعش، وكانيلو بيتبعها بصمت، والرجل الغريب وراهم. بعد كام متر، سمعت صوت مياه. ثم ظهر ضوء خافت قدامهم. وصلوا لنهاية الممر، فوجدوا بابًا خشبيًا صغيرًا. الرجل فتحه بحذر. خرجوا... وفاليريا لقت نفسها في غرفة مخفية تحت الورشة. الغرفة كانت مختلفة تمامًا عن المخزن. على الحيطان كانت معلقة خرائط قديمة للجبال، وصور لأشخاص، وملفات مرتبة بعناية. وفي المنتصف مكتب عليه صندوق زجاجي. جواه... الطائر الطنان الزجاجي. فاليريا قربت منه ببطء. ده... اللي لورينا أخدته. الرجل هز رأسه. لا. أمال إيه اللي أخدته؟ نسخة. فاليريا بصت له بدهشة. نسخة؟ أمك كانت عارفة إن في ناس هتحاول توصل للحاجة دي، فعملت نسخة مزيفة من أهم الأشياء اللي كانت بتحتفظ بيها. فاليريا سكتت. وبعدين سألت وإيه الحاجة المهمة؟ الرجل فتح درج المكتب. طلع منه ملف أسود. وقال الحقيقة اللي أبوكي ولورينا حاولوا يدفنوها من تمان سنين. فاليريا مدّت إيدها للملف. لكن قبل ما تفتحه، الرجل مسك إيدها. استني. ليه؟ لأن أول صفحة فيه ممكن تغيّر كل حاجة فاكرة إنها حقيقة عن عيلتك. فاليريا سحبت إيدها. أنا عايزة أعرف. فتح الملف. أول ورقة كانت صورة قديمة لألما. وتحتها تاريخ. قبل وفاة ألما بثلاثة أيام. لكن بجانب الصورة كان مكتوب آخر تسجيل رسمي لألما قبل اختفائها. فاليريا اتصدمت. اختفائها؟ الرجل قال الناس اللي قالولك إن أمك ماتت... ماكانش عندهم دليل إنها ماتت أصلًا. فاليريا قربت من الورقة. يعني أمي ممكن تكون عايشة؟ الرجل ما جاوبش. بدلًا من ذلك، قلب الصفحة. كانت فيه ورقة تسجيل دخول لمستشفى في بلدة بعيدة. الاسم ألما ريوس. والتاريخ... بعد تاريخ وفاتها المعلن بأربعة أشهر. فاليريا حست إن رجليها ماعادوش شايلينها. لكن قبل ما تقول أي كلمة، سمعوا صوتًا مكتومًا من فوق. ثم صوت باب بيتفتح. الرجل أغلق الملف بسرعة. لازم نمشي. فاليريا بصت له نمشي لفين؟ قال للمكان الوحيد اللي جدك خبّى فيه الدليل الأخير. فين؟ بص ناحية الجدار. كان فيه رسم قديم للجبال. وأشار إلى قمة مغطاة بالثلج. هناك. وفي نفس اللحظة، جاء صوت من جهاز لاسلكي صغير على المكتب وجدناهم. الرجل اتجمد. فاليريا بصت له. مين؟ رد الصوت الكوخ مش فاضي... والبنت مش لوحدها الرجل طفى جهاز اللاسلكي فورًا. لازم نتحرك دلوقتي. فاليريا مسكت الملف. مش هسيبه. خديه. خرجوا من الغرفة من باب خلفي ضيق، وبدأوا يمشوا في نفق حجري تحت الجبل. كان الظلام شديد، لكن الرجل كان حافظ الطريق. بعد دقائق، سمعوا أصوات فوقهم. رجال بيدوروا في الكوخ. واحد منهم صاح دوروا على البنت! لازم نلاقيها قبل ما توصل للمحطة! فاليريا بصت للرجل باستغراب. محطة؟ آه. هما عارفين إحنا رايحين فين؟ لأ... لكنهم عارفين إن جدك كان بيستخدم محطة قديمة لنقل المستندات. فضلوا ماشيين لحد ما وصلوا لباب حديد صدئ. الرجل أخرج مفتاحًا. وقبل ما يفتحه، فاليريا لاحظت نقشًا على الباب. نفس الطائر الطنان. فتحت عينيها. جدك كان بييجي هنا؟ كان بييجي مع أمك. إمتى؟ الرجل سكت. فاليريا أصرت إمتى؟ قال أخيرًا قبل ما تختفي بأيام. فتح الباب. وراءه كانت غرفة صغيرة فيها مكتب قديم، ومصباح يعمل بالبطارية، وصندوق معدني. الرجل اتجه للصندوق. لكن فاليريا سبقته. ده هو؟ أيوه. فيه المستند الأصلي؟ فيه حاجة أهم. فتح الصندوق. في الداخل كان يوجد دفتر أسود، ومجموعة صور، ومظروف مختوم بالشمع. فاليريا أخذت المظروف. كان مكتوبًا عليه يُفتح أمام فاليريا فقط. فتحت الختم. داخل المظروف كانت ورقة واحدة. قرأت أول سطر... ثم توقفت أنفاسها. فاليريا، أنا ما سبتكيش. رفعت عينيها للرجل. ده خط أمي. هز رأسه. عارف. كملت القراءة لو وصلتي للرسالة دي، يبقى جوليان نجح في إخفاء الحقيقة عنك سنين. لكن فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها قبل ما تثقي في أي شخص... وتوقفت الرسالة عند آخر سطر. فاليريا قلبت الورقة. مافيش باقي. صرخت فين بقية الرسالة؟ الرجل بص للباب. الجزء التاني مش معانا. أمال فين؟ قال مع الشخص اللي وصل للكوخ قبلنا. وفجأة... جاء صوت خطوات من آخر النفق. الرجل رفع المصباح. فاليريا تراجعت. ظهر ظل شخص عند مدخل الممر. ثم جاء صوت امرأة هادئ فاليريا... البنت اتجمدت. الصوت كان مألوفًا بشكل مخيف. المرأة قالت أنا عارفة إنك بتدوري عليّ من غير ما تعرفي إنك بتدوري عليّ. فاليريا همست مين إنتِ؟ المرأة تقدمت خطوة إلى النور. فاليريا وقعت منها الورقة. لأن المرأة كانت تحمل في رقبتها... نفس دلاية الطائر الطنان اللي كانت أمها ترتديها في آخر صورة لها فاليريا فضلت تحدق في الدلاية. وبعدين رفعت عينيها لوش المرأة. كان فيه شبه بسيط جدًا من ألما... مش في الملامح، لكن في نظرة العين. المرأة قالت بهدوء عارفة إنتِ بتفكري في إيه. فاليريا همست إنتِ مين؟ المرأة قربت خطوة. اسمي مارينا. الرجل وقف بينها وبين فاليريا. ما تقربيش منها. مارينا بصت له وقالت لو كنت عايزة أؤذيها، ماكنتش استنيت كل السنين دي. فاليريا قاطعته إنتِ تعرفي أمي؟ مارينا سكتت. ثم أخرجت من جيب معطفها صورة قديمة ومدتها لفاليريا. الصورة كانت لألما... وإلى جانبها مارينا. وفي الخلفية كان نفس الكوخ. فاليريا قلبت الصورة. على ظهرها تاريخ يعود إلى قبل وفاة ألما بعام كامل. وتحت التاريخ جملة بخط أمها مارينا هي الشخص الوحيد اللي أعرف إنه مش هيبيع سري. فاليريا رفعت رأسها. سري إيه؟ مارينا أخذت نفسًا طويلًا. أمك اكتشفت حاجة ماكانش المفروض تعرفها. إيه؟ اكتشفت إن ملكية الكوخ والأرض مش هي أهم حاجة جدك خبّاها. فاليريا عقدت حاجبيها. أمال إيه؟ مارينا أشارت للدفتر الأسود الموجود داخل الصندوق. أسماء. أسماء مين؟ ناس كانوا بيدفعوا فلوس عشان يختفي أي دليل على اللي حصل لألما. فاليريا فتحت الدفتر بسرعة. كانت الصفحات مليانة تواريخ وأرقام وحروف أولى لأسماء. لكن في آخر صفحة... كان فيه اسم واضح. جوليان ريوس. فاليريا تجمدت. أبويا؟ مارينا هزت رأسها. وجود اسمه هنا مش معناه إنه عمل كل اللي إنتِ فاكرة. أمال معناه إيه؟ معناه إن لازم تسمعي التسجيل قبل ما تحكمي عليه. وأخرجت شريط كاسيت صغير. فاليريا بصت للشريط. ده إيه؟ مارينا قالت التسجيل اللي أمك سجلته قبل اختفائها. الرجل الغريب تدخل بسرعة التسجيل ده لازم يتسمع هنا. ليه؟ قبل ما يرد... اهتز جهاز اللاسلكي الموجود على المكتب. ثم جاء صوت متقطع اتحاصر المدخل الشرقي... مفيش طريق للخروج. مارينا بصت لفاليريا. واضح إنهم وصلوا. فاليريا ضمت الشريط إلى صدرها. مين هم؟ مارينا ردت الناس اللي قضوا تمان سنين وهم متأكدين إن الحقيقة هتدفن مع أمك. ثم انطفأ المصباح فجأة. وفي الظلام... سمعوا صوت باب الحديد وهو بيتفتح الظلام ابتلع المكان كله. فاليريا سمعت صوت كانيلو وهو يزمجر، وبعده همسة مارينا محدش يتحرك. خطوات بدأت تنزل السلم الحجري. خطوة... ثم خطوة... ثم توقفت. صوت رجل من فوق قال إحنا عارفين إن فاليريا هنا. الرجل اللي معاها قرب منها وهمس وطي صوتك، مهما سمعتي. فجأة اتسمع صوت امرأة من فوق فاليريا، أنا لورينا. فاليريا اتجمدت. مرات أبوها. لورينا كملت أبوكي بعتني آخدك. إحنا عرفنا إنك فتحتي المخزن. مارينا قربت من فاليريا وقالت ما تطلعيش. فاليريا همست دي مرات أبويا. وأنا عارفة. إزاي؟ مارينا ما ردتش. بدلًا من كده، حطت إيدها على الحائط وضغطت على حجر صغير. جزء من الأرض اتحرك. ظهر ممر ضيق تاني. مارينا قالت الممر ده هيوصلك لمكان بعيد عن الكوخ. لكن فاليريا ما تحركتش. قبل ما أمشي، عايزة أعرف حاجة واحدة. إيه؟ ليه أمي كانت بتثق فيكي؟ مارينا بصت لها للحظات. ثم قالت لأن أمك أنقذت حياتي. سكتت قليلًا وأضافت وبعدها طلبت مني وعد. وعد إيه؟ لو حصل لها أي حاجة، أحافظ عليكِ مهما كلفني الأمر. فاليريا حسّت بقشعريرة. لكن صوت لورينا جاء أقرب فاليريا! لو سمعتي كلام الست دي، هتندمي. هي السبب في كل اللي حصل لأمك! مارينا غمضت عينيها للحظة. ثم قالت دي أول كذبة. وفجأة ظهر ضوء مصباح عند نهاية الممر. أحد الرجال دخل. مارينا دفعت فاليريا للخلف. اجري! فاليريا مسكت كانيلو وجريت. الرجل لحقهم، لكن الممر كان ضيقًا. وبعد أمتار، خرجت فاليريا إلى غرفة حجرية صغيرة. كان فيها باب واحد فقط. فتحته... فوجدت نفسها أمام نهر متجمد. والثلج بيتساقط بكثافة. خرجت مارينا والرجل خلفها. لكن قبل ما يقفلوا الباب، سمعوا صوت لورينا من داخل النفق فاليريا! ثم قالت جملة جعلت البنت تتوقف مكانها لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أمك، اسألي أبوكي ليه استلم شهادة وفاتها قبل ما تموت بأربعة أيام فاليريا وقفت مكانها كأنها اتثبتت في الأرض. شهادة وفاتها... قبل ما تموت؟ مارينا شدتها من إيدها. ما تسمعيش لها دلوقتي. لكن فاليريا سحبت إيدها. أنا لازم أعرف. الرجل الغريب قال بسرعة مش هنا. فاليريا بصت له. إنت عارف؟ سكت. وده كان كفاية. فاليريا قالت إنت عارف كل حاجة! مارينا ردت بدلًا منه عارف جزء... زيي بالضبط. فاليريا ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع. كل واحد فيكم بيقول جزء. أنا الوحيدة اللي مش عارفة حاجة! مارينا قربت منها. عشان أمك كانت بتحاول تحميكي من الحقيقة لحد آخر لحظة. الحقيقة إيه؟ مارينا أخرجت الشريط من جيبها. اسمعيه. كان معاهم جهاز تسجيل صغير. شغلت الشريط. في البداية كان فيه تشويش. ثم ظهر صوت ألما. هادئًا، لكنه متوتر فاليريا... لو التسجيل ده وصل لك، يبقى الخطة فشلت. فاليريا قربت من الجهاز. أنا عارفة إنهم هيقولوا لك إني مت، لكن ما تصدقيش أي شهادة من غير ما تشوفي أصلها بنفسك. صمت قصير. ثم قالت ألما والأهم... ما تثقيش في أي ورقة مكتوب عليها اسمي لو كانت موقعة بعد يوم 14 يناير. فاليريا فتحت عينيها. نظرت لمارينا. يوم 14 يناير؟ مارينا هزت رأسها. التسجيل استمر لو وصلتِ للكوخ، دوري على الباب اللي تحت شجرة الصنوبر الكبيرة. هناك هتلاقي الحاجة اللي أبوكي أخفاها عنك طول عمرك. وفجأة تغير صوت ألما. بقى منخفضًا جدًا ولو جوليان قال لك إنه كان مضطر... صدقيه. فاليريا اتصدمت. ليه؟ لكن التسجيل كمل لأنه في الليلة الأخيرة... حاول ينقذني. ثم ساد الصمت. التسجيل انتهى. فاليريا فضلت واقفة مش قادرة تستوعب. أمي قالت إن أبويا حاول ينقذها؟ مارينا قالت أيوه. طب ليه سابني لوحدي في الكوخ؟ عشان يبعدك عن الناس اللي كانوا بيدوروا على أمك. فاليريا هزت رأسها. لأ... لأ، في حاجة مش راكبة. وفجأة كانيلو بدأ ينبح ناحية الأشجار. مارينا بصت هناك. كان فيه ظل شخص واقف بعيد. ثم ظهر رجل ببطء من بين الثلج. فاليريا قربت من مارينا. الرجل كان كبير في السن، ولابس معطف بني. وفي إيده... صندوق الصور اللي لورينا أخدته من الكوخ. وقف على بعد أمتار وقال فاليريا... صوته كان مبحوحًا. أنا جيت أرجعلك حاجة كان لازم توصلك من تمان سنين. رفع الصندوق. وأقولك الحقيقة اللي أبوكي نفسه ما قدرش يقولها. ثم أضاف أمك ما ماتتش في الجبل فاليريا فضلت باصة للشاشة. اسم أبوها كان ظاهر قدامها بوضوح. جوليان ريوس. قالت الرسالة وصلت دلوقتي. الرجل اللي سايق بص لها من المراية. اغلقي الهاتف. ليه؟ لأن الشبكة هنا مقطوعة من سنين. فاليريا رفعت عينيها بسرعة. أمال الرسالة وصلت إزاي؟ الرجل ما ردش. مارينا كانت قاعدة جنبها، ومدت إيدها للهاتف. وريني. فاليريا اديتهولها. مارينا قرأت الرسالة، ووشها اتغير. دي مش من أبوكي. إزاي؟ مارينا أشارت لرقم المرسل. الرقم ده اتوقف من تمان سنين. سكتت فاليريا. ثم قالت يعني حد بيستخدم رقمه؟ الرجل قال أو حد عايزك تفتكري إنه بيستخدمه. السيارة كانت بتتحرك ببطء وسط الثلج. فاليريا فتحت صندوق الصور مرة تانية. وسط الصور لقت ظرف صغير. عليه اسمها. فتحته. جواه ورقة قصيرة بخط جوليان فاليريا، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أوصلك قبلهم. اسمعي مارينا، لكن ما تثقيش فيها بالكامل. هي أنقذت أمك مرة... لكنها أخفت عنك سبب اختفاءها. فاليريا رفعت رأسها. مارينا... مارينا ما اتكلمتش. فاليريا كملت إنتِ خبّيتي عني حاجة. مارينا بصت من الشباك. أيوه. إيه؟ سبب إن أمك اضطرت تختفي. قولي. مارينا سكتت ثواني. ثم قالت لأن أمك اكتشفت إن الشخص اللي كان بيساعدهم يوصلوا ليها... وتوقفت. فاليريا اقتربت منها. مين؟ مارينا ردت بصوت منخفض كان شخصًا من عيلتك. فاليريا حست بقشعريرة. مين من عيلتي؟ قبل ما مارينا تجاوب، السيارة فرملت فجأة. الرجل بص قدامه. كان فيه حاجز خشبي قاطع الطريق. وخلف الحاجز... ثلاث عربيات سوداء واقفة. أبوابها اتفتحت في نفس اللحظة. رجال نزلوا منها. والرجل اللي سايق قال وصلوا قبلنا. فاليريا بصت لمارينا. مارينا فتحت الباب. خدي الكاسيت واهربي ناحية الغابة. وإنتِ؟ أنا هأخرهم. لكن قبل ما فاليريا تنزل، ظهر شخص من بين العربيات. كان رجلًا تعرفه جيدًا. توماس أورتيجا. رفع إيده وقال فاليريا، ما تسمعيش لأي حد. ثم نظر إلى مارينا وقال لأنها مش هتقولك أبدًا مين كان أول شخص سلّم أمك لجوليان فاليريا حسّت إن الدنيا بتلف بيها. إنت بتقول إيه؟ الرجل حط الصندوق على الثلج. أنا كنت آخر شخص شاف أمك قبل ما تختفي. مارينا بصت له بصدمة. إنت رجعت؟ الرجل ما ردش عليها. فتح الصندوق، وطلع صورة قديمة. في الصورة كانت ألما واقفة قدام محطة قطار صغيرة، وفي إيدها شنطة جلد. وبجانبها طفلة صغيرة. فاليريا قربت من الصورة. مين الطفلة دي؟ الرجل قال إنتِ. فاليريا هزت رأسها. مستحيل. الصورة دي أنا عمري ما شفتها. لأن أبوكي خبّاها. مارينا قاطعته متكملش هنا. لكن فاليريا قالت لا. خليه يتكلم. الرجل أخذ نفسًا. أمك ما كانتش هربانة. كانت بتحاول تبعدك عن ناس كانوا بيدوروا على مستندات تخص عيلتها. مستندات إيه؟ مستندات تثبت إن الأرض اللي حوالي الكوخ كانت فيها ملكية أكبر بكتير من اللي اتقالك. فاليريا بصت له باستغراب. يعني كل ده بسبب أرض؟ الرجل هز رأسه. الأرض كانت البداية بس. فتح الصندوق وطلع كاسيت تاني. ده آخر تسجيل عملته أمك. فاليريا أخدته. لكن قبل ما تشغله، الرجل قال فيه حاجة لازم تعرفيها الأول. إيه؟ الشخص اللي سلّم شهادة وفاة أمك لأبوكي... كان توماس أورتيجا. فاليريا شهقت. المحامي اللي جدها قال إنه المسؤول عن المستندات. الرجل كمل وجوليان ما استلمهاش لأنه صدق إنها ماتت. أمال ليه؟ الرجل بص لها مباشرة. لأنه كان بيحاول يخلي الكل يصدق إنها ماتت. فاليريا سكتت. ليه؟ الرجل رد عشان يقدر يخبي مكانها الحقيقي. وفجأة... صوت محرك عربية ظهر من بعيد. مارينا بصت ناحية الطريق. لازم نتحرك. لكن فاليريا كانت لسه ماسكة الكاسيت. ومكان أمي فين؟ الرجل قال لو مشيتي معايا، هتعرفي. ولو ما مشيتش؟ ابتسم بحزن. هتفضلي طول عمرك مصدقة إن أمك ماتت. ثم فتح باب سيارة قديمة كانت واقفة بين الأشجار. فاليريا بصت لمارينا. مارينا قالت القرار قرارك. فاليريا مسكت كف كانيلو، وبصت للكوخ البعيد. ثم قالت أنا مش ههرب تاني. ركبت السيارة. وفي اللحظة اللي الرجل شغل المحرك... اهتز هاتف قديم داخل صندوق الصور. فاليريا فتحته. كانت فيه رسالة واحدة وصلت للتو لو خرجتي من الجبل مع الرجل ده، مش هتوصلي لأمك أبدًا. وتحت الرسالة... اسم المرسل جوليان ريوس فاليريا ما نزلتش من العربية. بصت لتوماس، ثم لمارينا. أنا تعبت من إن كل واحد فيكم يقولي نص الحقيقة. توماس قال وأنا الوحيد اللي معايا الدليل الكامل. مارينا ردت بسرعة لا تصدقيه. توماس أخرج ملفًا شفافًا من معطفه، ورفعه أمامها. شهادة ميلادك الأصلية. فاليريا اتجمدت. إيه؟ النسخة اللي معاكي مزورة. مارينا بصت لتوماس بحدة. مش من حقك تفتح الموضوع بالطريقة دي. فاليريا مدّت إيدها. هاتها. توماس اقترب ووضع الملف في إيدها. فتحت الورقة. اسم الأم كان ألما ريوس. اسم الأب جوليان ريوس. كل شيء يبدو طبيعيًا. لكن تحت خانة الملاحظات كان فيه ختم أحمر صغير. فاليريا قربت الورقة من عينيها. وكان مكتوب تعديل رسمي بعد التسجيل. رفعت رأسها. يعني إيه؟ توماس قال يعني إن شهادة ميلادك اتعدلت بعد ولادتك. مارينا قالت لأن الاسم الحقيقي للشخص اللي كان مسؤول عنك وقتها ماكانش جوليان. فاليريا اتسمرت. مين؟ توماس فتح الملف على صفحة تانية. كان فيها سجل قديم للمستشفى. ثم قال الشخص المسجل كولي أمر وقت ولادتك هو... توقف. وفي نفس اللحظة، دوى صوت إطلاق نار في الخارج. الجميع انخفضوا. الرجل اللي كان بيسوق السيارة صرخ انزلوا! فاليريا وقعت منها الأوراق. مارينا سحبتها إلى أسفل المقعد. توماس احتمى خلف السيارة. وبعد ثوانٍ، عمّ الصمت. فاليريا رفعت رأسها بحذر. مين بيضرب؟ توماس بص ناحية العربيات السوداء. مش عارف. ثم فجأة وصل صوت من بين الأشجار فاليريا! صوت امرأة. فاليريا تجمدت. مارينا همست ما ترديش. لكن الصوت جاء مرة ثانية أنا ألما. فاليريا اتسعت عيناها. الصوت كان مطابقًا لصوت أمها في التسجيل. ثم ظهر ظل امرأة بين الأشجار. واقفة بعيدًا... ولابسة نفس المعطف اللي ظهرت به ألما في آخر صورة قبل اختفائها. فاليريا همست ماما؟!فاليريا فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك. المرأة خرجت من بين الأشجار خطوة وراء خطوة. وكانت ملامحها واضحة دلوقتي. فاليريا حطت إيدها على بوقها. ماما... المرأة عيطت، ومدت إيديها. فاليريا. البنت جريت عليها، وحضنتها بقوة. لأول مرة من تمان سنين، سمعت صوت أمها من غير تسجيل قديم ولا صورة. ألما فضلت تحضن بنتها وهي بتبكي. سامحيني إني سيبتك. فاليريا ردت وهي بتعيط أنا كنت فاكرة إنك موتي. عارفة. ليه عملتي كده؟ ألما بصت لمارينا، ثم لتوماس. لأن الناس اللي كانوا بيطاردوني كانوا عايزين يوصلوا ليكي من خلالي. وبدأت الحقيقة تظهر كاملة. قبل ثمان سنين، اكتشفت ألما أن والدها إستيبان سجّل جزءًا كبيرًا من ممتلكاته باسمها وباسم فاليريا، وأن هناك أشخاصًا حاولوا تزوير أوراق الملكية والاستيلاء عليها. جوليان اكتشف الأمر وساعد ألما على إخفاء المستندات. أما شهادة الوفاة، فكانت جزءًا من خطة لإقناع هؤلاء الأشخاص أن ألما ماتت، بينما كانت مختبئة في مكان آمن. جوليان اضطر يبعد فاليريا عنهما حتى لا يعرف أحد مكانها. لكن الخطة خرجت عن السيطرة. لورينا اكتشفت جزءًا من الحقيقة، وبدلًا من حماية فاليريا، أخفت عنها خطابات جدها وأموالها وبعض مقتنيات أمها، لأنها كانت تريد السيطرة على الكوخ والممتلكات. أما مارينا، فكانت واحدة من الأشخاص الذين ساعدوا ألما على الاختباء. والرجل العجوز الذي ظهر عند الكوخ كان شاهدًا على الأيام الأخيرة قبل اختفاء ألما. فاليريا بصت لأمها. طب ليه رجعتي دلوقتي؟ ألما ابتسمت وسط دموعها. لأن جدك ترك لي رسالة قبل موته، وقال فيها إن الوقت هييجي اللي لازم ترجعي فيه للكوخ بنفسك. ثم أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا. والوقت ده جه. بعد أيام، وصلت الشرطة والجهات المختصة إلى الكوخ، وتم فحص المستندات الأصلية. ثبتت ملكية الأرض باسم فاليريا وفقًا للوصية القانونية التي تركها جدها. أما المستندات المزورة، فتم تسليمها للجهات المختصة للتحقيق. لورينا لم تستطع إنكار ما فعلته بعد ظهور الخطابات والإيصالات والأدلة. وجوليان، رغم كل الأسرار التي أخفاها، اعترف لفاليريا بأنه أخطأ عندما سمح للخوف أن يجعله يصمت سنوات طويلة. قال لها كنت فاكر إني بحميكي. فاليريا ردت الحماية من غير الحقيقة بتوجع أكتر من الخطر نفسه. وبعد عدة أشهر، عادت فاليريا إلى الكوخ. لكن المرة دي لم تكن وحيدة. كانت ألما معها. وكانيلو ينام بجوار المدفأة. فاليريا أعادت فتح ورشة جدها، وعلقت الكرسي الهزاز الذي صنعه لها قبل سنوات. وفوقه وضعت صورة جدها، وصورة أمها، وصورتها وهي طفلة. أما الطائر الطنان الزجاجي، فوضعته في مكان واضح بجوار النافذة. وفي أول ليلة، جلست فاليريا على الكرسي الهزاز وفتحت آخر خطاب تركه جدها. كان مكتوبًا فيه يا فاليريا... لو وصلتي للنهاية، يبقى عيلتنا أخيرًا بطلت تخاف من الحقيقة. افتكري دايمًا البيت مش هو الحيطان. البيت هو المكان اللي محدش يقدر يطردك منه. وده مكانك. من أول يوم. ابتسمت فاليريا، ونظرت إلى أمها. وخارج الكوخ، كان الثلج بيتساقط بهدوء. لكن لأول مرة... ماكانش الثلج علامة على الوحدة. كان بداية حياة جديدة.