حماتى عملت عزومة

دراعاته من غير ما ينطق ولا كلمة، وأول ما راسي لمست صدره، العياط اللي كنت حابساه طول الطريق انفجر. عيطت بحرقة تسع سنين، عيطت على البنت اللي صدقت إن الحب كافي، واللي كانت فاكرة إن البيت اللي بيتبني على التنازلات ممكن يعيش ويثبت قدام أول ريح.
طبطب على ضهري وقال بصوت هادي يوزن بلد اهدي يا بنتي، دموعك دي غالية عندي أوي ومفيش راجل في الدنيا يستاهل ينزل منها نقطة واحدة. اللي يخون الأمانة ويطمع في مال مراته وأهلها ميبقاش راجل، يبقى ندل، وإحنا ربنا كرمنا بإننا كشفنا الندالة دي بدري قبل ما نكون تحت رحمتهم. اقعدي واسمعي أستاذ رفيق بيقول إيه.
قعدت وأنا بنشف دموعي وببص للورق اللي على الترابيزة. أستاذ رفيق عدل نضارته الطبية وبصلي بنظرة مليانة أسف وجدية، وبدأ يتكلم بصوته الهادي الحاسم مدام فاطمة، الموضوع أكبر بكتير من مجرد رهن دهب أمه أو سداد ديون الجمعيات. حسام استغل التوكيل العام اللي عملتيه له لما والدك عمل العملية السنة اللي فاتت، والتوكيل ده للأسف كان فيه بند صريح بيدي له حق التعامل مع البنوك باسمك وفتح حسابات وأخذ قروض وتسهيلات ائتمانية. حسام كان مقدم على قرض استثماري ضخم بضمان حصتك في عمارة المنصورة، والقرض ده قيمته تلاتة مليون جنيه، كان المفروض يتصرف خلال أسبوعين من دلوقتي.
شهقت وحطيت إيدي على بقي تلاتة مليون؟! وده كان هيوديهم فين؟ أمه مديونة بمبلغ زي ده؟ رد رفيق وهو بيشاور على ورقة تانية مطبوعة لأ يا بنتي، أمه ديونها متجيش ميتين ألف جنيه، ودي ديون الجمعيات اللي عملتها عشان تجيب أجهزة كهربائية وشوية عفش لبنتها الصغيرة. حسام كان ناوي ياخد الملايين دي ويحطها في مشروع مقاولات باسمه هو وسلفتك ليلى وجوزها مصطفى أخوه الكبير، يعني كانوا بيعملوا شركة مقفولة على عيلتهم هما التلاتة بفلوسك وضمان شقا أبوكي، وأنتي تبقي لابسة في الحيط ومديونة للبنك، ولو حصل أي تعثر، البنك يحجز على نصيبك في العمارة ويبيعها في المزاد العلني، وهما يخرجوا منها زي الشعرة من العجين بفلوس سائلة ومشاريع شغالين بيها!
الدنيا لفت بيا، حسيت إن الأرض بتميد تحت رجليا. يعني جوزي، الإنسان اللي كنت بنام جنبه وأنا مطمئنة، اللي كان بيقولي إنتي الهوا اللي بتنفسه، كان بيحفرلي حفرة أدفن فيها أنا وعيلتي عشان يعمل لنفسه اسم على قفانا؟ ده كان بيبيعني بالمعنى الحرفي للكلمة! كان بيخطط مع أمه وأخوه وسلفتي عشان يقلبوني في ورثي المستقبلي ويكسروا مناخيري، عشان أرجع أمد إيدي ليهم وأبقى تحت رحمتهم.
بابا خبط بإيده على الترابيزة وقال بنبرة قاطعة من اللحظة دي، مفيش تراجع يا رفيق. عاوز كل الإجراءات القانونية تاخد مجراها فوراً وبأقصى سرعة. رد المحامي متقلقش يا حاج، أول حاجة عملتها إني بعتت إخطار رسمي على يد محضر للشهر العقاري بإلغاء التوكيل، وحطيت البنك في الصورة بإيقاف صرف أي قروض أو تسهيلات باسم مدام فاطمة، وبلغنا الشؤون القانونية في البنك إن فيه شبهة تزوير واستغلال توكيل بدون إذن الموكل. وتاني خطوة، الصبح بدري هيكون فيه محضر في مباحث الأموال العامة ومحضر سرقة أوراق رسمية وخيانة أمانة ضد حسام، وضد ليلى ومصطفى بتهمة الاشتراك في التدليس ومحاولة الاستيلاء على أموال الغير.
اليوم ده عدى عليا كأنه سنة كاملة، النوم مكنش راضي يقرب من عيني. كنت قاعدة في أوضتي القديمة في بيت بابا، الأوضة اللي سيبتها بفستان الفرح وأنا فاكرة إني رايحة للجنة. كانت ذكرياتي معاه بتمر قدام عيني زي شريط سينما، كل هدية جابهالي، كل ضحكة، كل خناقة كان بينزل فيها على رجلي عشان يراضيني.. بقى كله كدب؟ للدرجة دي الفلوس بتعمي النفوس وتغير القلوب؟ ولا هو كان كده من الأول وأنا اللي كنت عامية ومش شايفة غير اللي أنا عايزة أشوفه؟
الساعة تمانية الصبح، تليفوني مكنش بيبطل رن. رنات ورا رنات من أرقام مختلفة، وفي الآخر رن رقم حماتي، فتحت الخط وحطيت على الاسبيكر ومردتش، سمعت صوتها وهي بتعيط وتندب يا فاطمة.. يا بنتي حرام عليكي، فكيها بقى، حسام واقع في المستشفى وضغطه عالي والدكاترة بيقولوا عنده جلطة خفيفة! هترضيها في جوزك وأبو عيالك المستقبلي؟ إحنا غلطنا يا ستي، غلطنا وحقك على راسي، والفلوس اللي طلعت كلها هنرجعها، بس بلاش تدخلي البوليس والمحاكم بيننا، إحنا طول عمرنا مستورين ومحدش سمع عننا حاجة وحشة! ده حسام كان بيحبك وعمره ما فكر يؤذيكي، ده كان متورط وبيحاول يلاقي مخرج!
رديت عليها بصوت هادي وبارد كالتلج اللي متورط ميسرقش ورق مراته من ورا ضهرها يا حاجة آمال. اللي متورط ميروحش يسعر بيت حماه وهو لسه عايش على وش الدنيا، ويقعد مع سلايفي يعمل لستة بتمن دهبي وعفشي. انتوا مفكرتوش في المستشفيات ولا الفضايح لما كنتوا بتخططوا تطردوني من مال أبويا وتخلوني شحاتة على بابكم؟ انتوا زعلانين دلوقتي عشان الحبل اتلف على رقابكم، مش عشان ندمانين على اللي عملتوه.
وقبل ما تنطق بكلمة تانية قفلت السكة في وشها وعملت للرقم بلوك، وقفلت كل الخطوط اللي ممكن توصلهم بيا.
الساعة تسعة، بابا نزل الشركة في التجمع الخامس، وأنا أصريت أروح معاه. كنت عاوزة أواجه الواقع بنفسي، مكنتش عايزة أستخبى ورا ضهر حد. أول ما دخلنا الشركة، الموظفين كلهم كانوا بيبصوا بتوتر، والأجواء كانت مكهربة ومشدودة. حسام كان موجود في مكتبه، مكنش في المستشفى ولا حاجة، دي كانت حيلة رخيصة من حيل أمه عشان تستعطفني. أول ما شافنا داخلين، قام من مكانه بسرعة وجري ناحية بابا، وشه كان أصفر شاحب، وتحت عينيه سواد تقيل، وعينيه تايهة مش قادرة تثبت في مكان واحد.
عمي.. أرجوك اسمعني دقيقة واحدة بس، خليني أوضح لحضرتك الصورة كاملة! بابا وقف قدامه بكل هيبة وشموخ، حط إيده في جيبه وبصله بنظرة خلت حسام يرجع خطوة لورا عمك؟ أنا مش عمك، ولا يشرفني أكون عم لواحد خان الأمانة ومد إيده على بيت اللي أمنه على بنته وشركته. إنت مفصول يا حسام، مفصول بقرار مجلس إدارة، ومش بس كده، المحاسب القانوني واللجنة المشكلة من الشركة دلوقتي جوة مكتبك بيراجعوا كل مليم دخل وخرج تحت إيدك في السنتين اللي فاتوا، وأي عجز في العهدة هينزل في بلاغ النيابة مع قضية خيانة الأمانة.
حسام انهار، نزل على ركبه قدام الموظفين كلهم ومبقاش فارق معاه البرستيج ولا الشكل العام اللي كان بيتحامى فيه أبوس إيدك يا عمي، بلاش الفضيحة! بلاش المحاكم! والله العظيم ليلى ومصطفى هما اللي زنوا عليا، هما اللي قالوا لي إن فاطمة وحيدة وأبوها ملياردير ومش هيحسوا بالفلوس دي، وإننا أولى نعمل كيان لنفسنا بدل ما نفضل شغالين تحت رحمة حد! أنا كنت غبي، اتعميت.. الشيطان شطرني يا فاطمة!
بصيتله وأنا حاسة باشمئزاز مقدرش أوصفه، الراجل اللي كنت شايفاه سندي وقوتي، بقى كوم تراب واقع على الأرض بيستجدي الرحمة بعد ما كان بالأمس بيسن سنانه عشان ينهش لحمي. إنت متعميتش يا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *