حماتى كانت

وسألته السؤال اللي نشّف الدم في عروق أمه وشل حركتها:
— «ها يا حسام؟ تفتكر برضه إني محتاجة اتعلم منها أكل زمان؟ ولا هي اللي محتاجة تتعلم إزاي تتقي ربنا فيا وما تحطليش سم البغض في كل لقمة بآكلها في بيتك؟»
ساد القاعة صمت مرعب. صمت يزن أطنانًا من الذهول والكسرة. كان صوت الملاعيب الصغيرة والنظرات المتبادلة بين قرايب حسام يعلو فوق أي كلام. عماته، وخالاته، وجوز أخته اللي كان قاعد بيشرب العصير، كلهم اتجمدت إيديهم في الهواء.
حماتي، الست «ثريا»، ورا بشرتها اللي بان عليها الشحوب المفاجئ، كانت بتحاول تجمع شتات نفسها. شفايفها اترعشت، ووسّعت عينيها برعب وهي بتبص للموبايل المركون على الترابيزة، والمتقاس مسافته بين إيدي وإيدها كأنه قنبلة موقوتة.
— «إنتِ… إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟! إنتِ اتجننتي؟ بتتبلي عليا في بيتي وقدام ولادي؟!»
قالتها بصوت مدبوح، طالع بالعافية ومخلوط بنبرة صراخ مزيفة عشان تداري الخيبة.
قمت وقفت بثبات، ومن غير ما أرفع صوتي ولا كلمة، مسكت التليفون، وفتحت شاشة الفيديو اللي سجلته كاميرا الموبايل المستخبية بين علب البهارات فوق الرف. شغلته وحطيت الموبايل في نص الترابيزة قدام حسام وإخواته.

لمحة نيوز

في الفيديو، ظهرت الست ثريا بوضوح وهي بتتسلل للمطبخ، عينيها بتدور حواليها زي الحرامية، ولما اتأكدت إن المطبخ فاضي، طلعت برطمان صغير من شنطتها وحطت منه رشة في حلة الرز بتاعتي، وبعدها فتحت حلتها هي اللي جيباها معاها من بيتها وقارنت بين الأشكال، ورجعت ورا بثقة. الفيديو كان مبين كمان اللحظة اللي أنا دخلت فيها بذكاء، وبدلت الأطباق بمنتهى الهدوء، وأخدت غرفتها هي الشخصية وحطيتها في طبقها المفضل!
حسام مسك التليفون وإيده بتترعش. عينيه كانت بتتنقل بين شاشة الفيديو وبين وش أمه اللي أتحول لقطعة شمع دايبة من الخجل والافتضاح.
— «أمي…»
قالها حسام بصوت واطي، مليان خيبة أمل تقطم الضهر. صوت راجل اكتشف إن السجن اللي كان عايش فيه وبيقنع مراته بالصبر جواه، كان من صنع إيد أمه شخصيًا.
— «أمي، إنتِ عملتي كده؟ إنتِ بتحطي حاجة في أكل مراتي؟ وبتقولي على أكلك إنتِ إنه زفت لمجرد إنك فاكرة إنها هي اللي طبخاه؟!»
حماتي حاولت تقوم، ركبتها خبطت في الترابيزة، والعصير اتدفق على المفرش الأبيض الناصع، زي بقعة الغل اللي كانت مخبياها جوه قلبها طول السنين اللي فاتت.
— «يا حسام يا بني أفهم! البت دي ساحرة لك! دي بتوقع بيني وبينك! أنا… أنا كنت قصدي…»
قاطعتها خالتو «ماجدة»، أختها الكبيرة، وهي بتهز رأسها بأسف شديد وقرف:
— «قصك إيه يا ثريا؟! الفيديو واضح وصريح! إنتِ الملح والغل كان عمي عينيكي للدرجة دي؟ ده إحنا طول العمر بنقول عليكِ ست دقيقة، طلعتِ بتتبلي على بنت الناس وبتفتري عليها عشان تكسري نفسها قدام جوزها؟!»
وقف حسام حيله. كان جسمه بيترعش من الغضب والذهول. بص لي والدموع محبوسة في عينيه، دموع الندم على كل مرة قال لي فيها «استحملي يا نهى»، على كل مرة دخلت فيها المطبخ أعيط في سكات وأنا بمسح معالق الإهانة، وعلى كل ليلة بت فيها وأنا حاسة إني عاجزة وما بسواش حاجة.
قرب مني حسام، وحط إيده على كتفي، لكن المرة دي أنا اللي بعدت خطوة لورا.
— «نهى… أنا آسف. والله العظيم ما كنت أعرف…»
بصيت له بعيون جافة تمامًا. الدموع اللي كانت بتنزل زمان اتجففت من كتر حرارة الموقف.
— «آسف على إيه يا حسام؟ على الثلاث سنين اللي ضاعوا من عمري وأنا بحاول أرضي ست قررت تظلمني من أول يوم دخلت فيه بيتك؟ ولا آسف إنك ما صدقتنيش ولا مرة وكان دايماً كلام أملك هو السيف اللي نازل على رقبتي؟»
التفتّ للحاضرين كلهم، وقلت بصوت مسموع للكل:
— «العزومة دي انتهت. والأكل اللي على السفرة ده، أكل نبت من غل وافتراء، محدش هيحط في بؤه منه لقمة. يا طنط ثريا… الأكل اللي إنتِ طبختيه بإيدك وقولتي عليه زفت، خليه ليكي، اشبعي بيه وبغلك. أما أنا… فبقولك قدام العيلة كلها: حق سنيني وتعبي وكرامتي اللي اتهانت على السفرة دي، ربنا هيجيبه لي حبة حبة.»
جمعت شنطتي وحاجتي البسيطة من الأوضة، وحسام بيجري ورايا في الممر وبيحاول يمسك إيدي ويتوسل لي:
— «عشان خاطري يا نهى، ما تمشيش بالطريقة دي! حقك عليّ، أنا هعمل لك كل اللي إنتِ عايزاه، مش هخليها تدتب في حياتنا تاني خالص!»
وقفت عند باب الشقة، وبصيت له بنظرة أخيره، نظرة ست أخدت حقها وعرفت قيمتها خلاص:
— «المشكلة ما كانتش بس في أمك يا حسام… المشكلة كانت فيك إنت، إنك سبتها تعمي عينيك وسحبت مني الأمان. لما تتعلم إزاي تحمي بيتك وتعرف الحق من الباطل، ابقى تعال دور عليا.»
نزلت السلم بخطوات ثابتة وواثقة، وسيبت ورايا فيلا كانت مقبرة لكرامتي، تتحول في لحظات لساحة حقيقة وانكشاف لأعظم كذبة عاشتها العيلة. ومن اليوم ده، عرفت إن الحق لما بيبان، ما بيحتاجش زعيق… بيحتاج بس إرادة وعقل يفضح الظلم بأدبه وبثباته.
تمت

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *