الجيران اتصلوا

الشقة كانت كحل. ضلمة تقيلة وساكنة كأن مفيش روح دخلتها من سنين. جوزي مد إيده ولع النور بسرعة، وكلنا غمضنا عينا متوقعين نلاقي الصالة مقلوبة رأساً على عقب.. أطباق مكسرة، عفش متجرجر، أو أي أثر للمعركة اللي الجيران سمعوها.

بس الصدمة كانت إن الشقة كانت متستفة وزي ما سبناها بالظبط!

الصالون في مكانه، السجاد مظبوط، الأطباق في المطبخ مرصوفة، ومفيش حتى قشرة برتقان على الأرض! الجيران بصوا لبعض بذهول، وفي اللي بدأ يشك في نفسه ويتأسف ويقول: “يمكن كنا بنتوهم من الصدى.. أو صوت من شقة تانية.” جوزي اتنفس بحسرة واعتذرلهم وقال إن السفر والتوتر خلو الموضوع يكبر، ودخلنا وقفلنا الباب وراهم بالضبة والمفتاح.

غيرنا هدومنا بالعافية، وكان تعب السفر والخوف هادد حيلنا. رامينا جسمنا على السرير في أوضة النوم، ونور الشقة كله شغال، وحاولنا نغمض عينينا ونقنع نفسنا إن الكابوس خلص وإن الموضوع مجرد وهم.

وعلى الساعة تلاتة الفجر.. والنور لسه منوّر..

صحيت على صوت درفة دولاب أوضتنا بتتفتح بشويش جداً.. بصيت جنب مني لقيت جوزي صاحي ومفتح عينيه على آخرهم ومثبت نظره على سقف الأوضة وهو مش قادر يتحرك ولا ينطق.

رفع عيني بخوف ورا نظراته.. ولقيت كتب شقتي كلها، وأطباق المطبخ الفخار اللي كانت مرصوفة جوة، متعلقة في الهواء تحت السقف مباشرة فوق السرير، وطافية في الجو من غير ما أي حاجة تشيلها.. وفي لحظة الهدوء المُرعب دي، سمعنا صوت همس واطي جداً وطالع من جوة الدولاب المفتوح بيقول: “نوّرتوا شقتكم..”

قبل ما نسافر المصيف بأسبوع واحد، كنا لسه مستلمين مفاتيح الشقة جديد. الفرحة ما كانتش سايعانا، شقة واسعة، تشطيبها جديد، وسعرها كان لقطة بشكل يخوف.. بس طمعنا في المساحة والسعر خلانا نغمض عينينا عن أي تساؤل.

من أول يوم نقلنا فيه العفش، كان في حاجة مش مظبوطة في النظرات. لما كنا بنطلع الحاجة على السلم، جيران العمارة كانوا بيقفوا يتفرجوا علينا بكسرة ونظرات شفقة غريبة، كأنهم بيبصوا لناس مكتوب عليها الإعدام! جارنا اللي في الوش فتح بابه بشويش، بص لجوزي وقال بنبرة مكسورة: “يا ابني.. انتوا هتسكنوا هنا بجد؟ ربنا يقويكم ويحفظكم.” جوزي ضحك ببساطة وافتكر إن الراجل بيجاملنا على تعب النقل والترتيب.

في الأيام الأولى، كانت التلميحات خفيفة.. ريحة بخور تقيلة تظهر وفجأة تختفي، أو تحس إن الشقة أبرد بكثير من الجو برة رغم إننا في حر الصيف. بس كنا بنعدي كل ده ونقول “لسه الشقة مقفولة وبنتعود عليها”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *