الجيران اتصوا بينا و احنا بنصيف و قالوا انهم سامعين صوت حركة و تكسير جوا الشقة عندنا, جوزي استغرب وقال " احنا قافلين الشقة و مفيش حد جوا ", رجعت بصيت لجوزي بعد ما قفل التليفون ووشه أصفرّ. كان كلام الجيران مش منطقي، الشقة مقفولة بالضبة والمفتاح من أسبوع، إزاي هيكون في صوت حركة وتكسير جوة؟ جوزي حاول يهدي الجو وقال وهو بيحاول يبتسم: "ممكن تكون قطة دخلت من شباك المنور ولا حاجة واتحبست جوة وهي بتطوّح في الحاجة عشان تخرج.. الموضوع بسيط ما تقلقيش." اقتنعت بكلامه مؤقتاً وسكتنا، بس الهدوء ما طولش. بعد ساعتين بس، التليفون رن تاني، ومرة دي كان الجار اللي ساكن تحتنا مباشرة. صوته كان بيرعش بشكل مش طبيعي، قالنا إن الصوت مش مجرد حركة قطة؛ الصوت بقى صخب مكتوم، زي حد بيجرّ عفش الثقيل في الصالة، وبعدها صوت خبط منتظم وقوي على الأرضية كأن في حد بيمشي بخطوات ثقيلة جداً ومستمرة، وتكسير أطباق وفخار بوضوح! الجيران تجمعوا قدام باب الشقة وهما سامعين الخبط بيزيد وبيقرّب من الباب نفسه، وفجأة، الصوت سكت تماماً لثواني.. وقبل ما الجار يكمل كلامه معانا في التليفون، سمعنا كلنا من سماعة الموبايل صوت ممسك باب الشقة بتاعنا وهو بينزل ويطلع بقوة ورعب، كأن حد من جوة بيحاول يفتح الباب بعنف عشان يخرج! الجار صرخ في التليفون: "الباب بيتهز من جوة ارجعوا من المصيف فوراً ، إحنا مش عارفين ندخل ولا نقرب من الباب!" في اللحظة دي، جوزي مسك مفاتيح العربية وهو إيده بترعش وقال: "يلّا بينا حالاً.. في حاجة مش طبيعية جوة الشقة." طول السكة من المصيف لحد البيت، العربية ما نزلتش عن سرعة مية واربعين. الطريق كان ساكت تماماً، وجوزي ماسك الدريكسيون بأيدين بترعش، وعينيه متثبتة على الطريق قدامه من غير ما ينطق بكلمة. كل شوية نبص في الساعة ونبص لبعض والمركب جوانا عايمة في بحر من الخوف.. يا ترى هنرجع نلاقي إيه؟ أول ما وصلنا العمارة، لقينها مش عادية؛ الجيران كلهم واقفين على السلم قدام باب شقتنا، وشوشهم أصفرّت من الرعب ومفيش حد فيهم متجرأ يقرب من الباب. جارنا اللي تحتنا أول ما شافنا جه جري وقال بصوت واطي وهو بيرعش: "الصوت سكت من نص ساعة، بس مفيش حد نزل من على السلم ولا في حد خرج!" جوزي طلعت مفاتيح الشقة بالعافية من جيبه، وإيده كانت بتتفض بوضوح. وقفنا قدام الباب، النفس مقطوع، والكل واقف ورانا يحبس أنفاسه. حط المفتاح في الكوالين، وصوت تكة المفتاح كان زي ضربة طلقة في الهدوء ده. فتح الباب بشويش.. الشقة كانت كحل. ضلمة تقيلة وساكنة كأن مفيش روح دخلتها من سنين. جوزي مد إيده ولع النور بسرعة، وكلنا غمضنا عينا متوقعين نلاقي الصالة مقلوبة رأساً على عقب.. أطباق مكسرة، عفش متجرجر، أو أي أثر للمعركة اللي الجيران سمعوها. بس الصدمة كانت إن الشقة كانت متستفة وزي ما سبناها بالظبط! الصالون في مكانه، السجاد مظبوط، الأطباق في المطبخ مرصوفة، ومفيش حتى قشرة برتقان على الأرض! الجيران بصوا لبعض بذهول، وفي اللي بدأ يشك في نفسه ويتأسف ويقول: "يمكن كنا بنتوهم من الصدى.. أو صوت من شقة تانية." جوزي اتنفس بحسرة واعتذرلهم وقال إن السفر والتوتر خلو الموضوع يكبر، ودخلنا وقفلنا الباب وراهم بالضبة والمفتاح. غيرنا هدومنا بالعافية، وكان تعب السفر والخوف هادد حيلنا. رامينا جسمنا على السرير في أوضة النوم، ونور الشقة كله شغال، وحاولنا نغمض عينينا ونقنع نفسنا إن الكابوس خلص وإن الموضوع مجرد وهم. وعلى الساعة تلاتة الفجر.. والنور لسه منوّر.. صحيت على صوت درفة دولاب أوضتنا بتتفتح بشويش جداً.. بصيت جنب مني لقيت جوزي صاحي ومفتح عينيه على آخرهم ومثبت نظره على سقف الأوضة وهو مش قادر يتحرك ولا ينطق. رفع عيني بخوف ورا نظراته.. ولقيت كتب شقتي كلها، وأطباق المطبخ الفخار اللي كانت مرصوفة جوة، متعلقة في الهواء تحت السقف مباشرة فوق السرير، وطافية في الجو من غير ما أي حاجة تشيلها.. وفي لحظة الهدوء المُرعب دي، سمعنا صوت همس واطي جداً وطالع من جوة الدولاب المفتوح بيقول: "نوّرتوا شقتكم.." قبل ما نسافر المصيف بأسبوع واحد، كنا لسه مستلمين مفاتيح الشقة جديد. الفرحة ما كانتش سايعانا، شقة واسعة، تشطيبها جديد، وسعرها كان لقطة بشكل يخوف.. بس طمعنا في المساحة والسعر خلانا نغمض عينينا عن أي تساؤل. من أول يوم نقلنا فيه العفش، كان في حاجة مش مظبوطة في النظرات. لما كنا بنطلع الحاجة على السلم، جيران العمارة كانوا بيقفوا يتفرجوا علينا بكسرة ونظرات شفقة غريبة، كأنهم بيبصوا لناس مكتوب عليها الإعدام! جارنا اللي في الوش فتح بابه بشويش، بص لجوزي وقال بنبرة مكسورة: "يا ابني.. انتوا هتسكنوا هنا بجد؟ ربنا يقويكم ويحفظكم." جوزي ضحك ببساطة وافتكر إن الراجل بيجاملنا على تعب النقل والترتيب. في الأيام الأولى، كانت التلميحات خفيفة.. ريحة بخور تقيلة تظهر وفجأة تختفي، أو تحس إن الشقة أبرد بكثير من الجو برة رغم إننا في حر الصيف. بس كنا بنعدي كل ده ونقول "لسه الشقة مقفولة وبنتعود عليها". لحد اليوم اللي قبل السفر بلحظات.. كنا بنقفل الشنط وجوزي بيراجع على شبابيك المنور والكهرباء. وقفت قدام مراية الصالة أظبط الطرحة، وفجأة شفت في انعكاس المراية رجلين حد واقف ورايا تماماً، رجلين حافية ولونها أسود زي الفحم المطفى. اتسمرت في مكاني والدم اتجمد في عروقي، بس لما لفيت بسرعة.. ملقيتش أي حاجة! جوزي شاف وشي أصفرّ، جه جري وسألني مالك؟ فضلت ساكتة وخفت أقوله يقول عليا بخرف من تعب التوضيب. قلتله: "مفيش.. يلا بينا نسافر بسرعة عشان نلحق الطريق." قفلنا الباب بالضبة والمفتاح ومشينا، وإحنا فاكرين إننا بنهرب للراحة والبحر، وما كناش نعرف إن الشقة كانت بتتفرج علينا وإحنا ماشيين، ومستنية لحظة رجوعنا عشان تفهمنا سر نظرات الشفقة اللي كانت في عيون الجيران. الأيام اللي سبقت السفر كانت عبارة عن لعب أعصاب بالبطيء، بس كنا بنكابر ونقول "إرهاق توضيب". بعد موضوع الرجلين السودة اللي شفتها في المراية بيومين، بدأت الأصوات تتسلل لبيتِنا في أوقات غريبة. كنت أكون قاعدة في المطبخ بنضف الخضار، وأسمع صوت تهتيه وبكاء مكتوم جاي من بانيو الحمام.. صوت طفل صغير بيعيط بقهره، أول ما أجرِي وأفتح باب الحمام.. الصوت يقطع في ثانية، والبانيو ألاقيه ناشف ومفيش فيه نقطة مية! أما بالليل بقى، فكانت حكاية تانية خالص.. أول ما نطفي النور وندخل السرير، تبدأ الشقة تعيش حياتها. نسمع صوت كعب جزمة ثقيل وبطيء بيمشي في الصالة من أول الباب لحد باب أوضتنا.. يفضل ماشي بانتظام: "تك.. تك.. تك.." ويروح واقف برة الأوضة تماماً! نقعد أنا وجوزي حابسين أنفاسنا تحت البطانية والعرَق مغرقنا، مستنيين الباب يتفتح.. بس الصوت يختفي، وبعدها بثواني نطلع نلاقي الصالة فاضية ومفيش فيها روح. جوزي حاول يعمل فيها شجاع وقاللي: "دي أوهام عشان المكان جديد ولسه مش متعودين عليه، بكره لما نسافر المصيف نفصل ونرجع نلاقي كل ده اختفى." بس القشة اللي قطمت ظهر البعير كانت اللي حصل في الليلة اللي قبل السفر مباشرة.. كنا بنحط آخر شنطة على الترابيزة في الصالة، وفجأة النور قطع. الشقة بقت كحل، وجوزي ولّع كشاف الموبايل عشان يدور على الشواحن. وفي لحظة ما النور بتاع الكشاف جه على الحيطة.. سمعنا صوت خربشة حادة وطويلة جداً، كأن في ضوافر حديد بتتسحب على المحارة ورانا! جوزي وجه الكشاف ناحية الصوت.. ولقينا حروف بتترسم على الحيطة بالدم أو بحاجة سودة ومزيتة، وكانت بتتكتب قدام عينينا من غير ما نشوف الإيد اللي بتكتبها! الحروف اتجمعت ورصت جملة واحدة بس: "السفر مش هيهربكم مني.." في اللحظة دي، جوزي شد الشنط من غير ما ينطق حرف، وخدني من إيدي وجرينا على العربية.. كنا بنهرب وفاكرين إننا بنسيب الخوف وانا، وما كناش فاهمين إن الجملة دي كانت وعد، وإن اللي في الشقة مش مستنينا نرجع عشان يراقبنا.. ده كان بيحضر نفسه عشان يستقبلنا الاستقبال الأخير. بعد الليلة المُرعبة دي، الصبح طلع علينا وإحنا شبه مجانين. الأطباق والكتب وقعت على الأرض لاتفتفت أول ما النور طلع، وكأن المكان بيرجع طبيعي مع أول خيط شمس! أنا كنت بنهال وبلم هدومي في الشنط وعايزة أهرب بأي طريقة، بس جوزي كان عنده رأي تاني.. الخوف اتحول عنده لغل وتصميم. وقف وسط الصالة المكركبة وقال بصوت محروق: "أنا شقي عمرِي كله حطيته في الشقة دي.. مش هسيبها للشيء ده وأطلع بالشارع! لازم نعرف في إيه ومين اللي هنا!" خرج من البيت ويرجع ومعه شيخ من المنطقة، راجل كبير ذو هيبة ودقن بيضا. الشيخ أول ما حط رجله على عتبة الشقة، وقف مكانه وشه اتغير تماماً. ما كملش خطوات لجوة، ورفع إيده ومسك صدره كأنه مش قادر يتنفس! بدأ يقرأ قرآن بصوت عالي، ومع أول آية.. أجهزة البيت كلها اشتغلت لوحدها! التلفزيون اتفتح على صوت وشوشة عالية، والمراوح لفت بأقصى سرعة، وأبواب الشبابيك بدأت تضرب في الحوائط بعنف كأن في عاصفة جوة الصالة. الشيخ كمل قراءة وهو بيعرّق بغزارة، وفجأة صوته قطع ووقع على ركبه، ونطق بنبرة مسكونة بالرعب وهو بيبص لجوزي: "اخرج يا ابني.. اخرجوا فوراً! اللي هنا مش عمار عاديين.. دي شقة معمول فيها عمل أسود ومردوم تحت أرضيتها من سنين، واللي حارس المكان مش هيسيب حد يعيش هنا سليم!" جوزي ما استسلمش، وجاب الشيخ التاني والتالت على مدار يومين.. واحد فيهم أول ما دخل وسمع الأصوات، لَف وخرج يسيّح في السلم من غير ما ينطق حرف، والثاني قالنا بكل صراحة وهو بيمسح عرقه: "الشقة دي اتسكنت قبليكم بدم، والدم بيطلب دم.. الحل الوحيد إنكم تسيبوها وتنجوا ببراحكم، العند هنا معناه موتكم." الليل جه من تاني، والجيران اللي تحتنا طلعوا يترجوا جوزي وهو واقف على السلم ومعه مفاتيحه، الجار الكبير مسك إيده وقال بصوت كله شفقة: "يا ابني إحنا شفنا اللي سكنوا هنا قبليكم.. اللي اتجنن واللي أذى نفسه! الشقة دي ملعونة من يوم ما بنيت العمارة، يغور الفلوس وتعيشوا سليمين." في اللحظة دي، ونحنا واقفين على السلم بنكلم الجيران.. النور قطع في العمارة كلها، وسمعنا كلنا صوت ضحكة واطية وشريرة جداً طالعة من جوة شقتنا المقفولة بالضبة والمفتاح، وصوت حد بيخبط على الباب من جوة ببطء شديد، وكأنه بيفكرنا إن الوقت بيخلص.. وإنه مستنينا ندخل! بعد كابوس الضحكة اللي طلعت من الشقة، جوزي أخد قرار مجنون، قال: "لو العِمل تحت الأرضية زي ما الشيخ قال، أنا هكسر الشقة حتة حتة ومش هخرج منها إلا لما أطلعه!" تاني يوم الصبح، جاب جوزي هيلتي ومطرقة ثقيلة، وبدأ يكسر في بلاط الصالة بكل غل، وأنا واقفة جنبه بلم الردم وإيدي بترعش. كسّرنا بلاط الصالة كله، ملقيناش حاجة.. دخلنا على المطبخ وحمام الشقة، ولا الهوا! لحد ما وصلنا لأوضة النوم الرئيسية. أول ما الهيلتي نزل في بلاط الأوضة تحت السرير بالظبط، البلاط انهار ونزل لتحت وكأن في تجويف أو أوضة مخفية تحت الأرضية! الريحة اللي طلعت كانت كفيلة تخلينا نرجع، ريحة عفونة ورطوبة مش طبيعية. جوزي ولّع كشاف الموبايل وبص جوة الفتحة.. والصدمة شلتنا إحنا الاتنين! تحت البلاط مكنش في جن ولا سحر أسود.. كان في سلّم ضيق نازل لغرفة سرية صغيرة مبنية بين سقف الشقة اللي تحتنا وأرضية شقتنا! وجوة الغرفة دي لقينها.. لقينا هيئته! راجل كبير في السن، شعره أبيض ودقنه طويلة، عايش جوة الأوضة السرية دي ومعاه أجهزة صوت وسمّاعات معلقة في خرسانة الحوائط، وأحبال بتتحكم في فتح الدواليب، ومغناطيسات كهربائية متوصلة بسقف أوضتنا هي اللي كانت بتعلق الأطباق والكتب في الهواء بالليل! اتضح إن الراجل ده هو المالك الأصلي للبيت، كان عايش في الغرفة المخفية دي من سنين وسادد مدخلها الأساسي من الشارع! كان بيستخدم الطرق دي والتكنولوجيا القديمة مع شوية خيل عشان يرعب أي حد يأجر أو يشتري الشقة، فيطفشوا ويسيبوها له، ويفضل هو ياخد فلوس البيع أو الإيجار ويطفش السكان ويبيعها تاني وتاني! والجيران؟ الجيران مكنوش بيعطفوا علينا بسبب العفاريت.. الجيران كانوا متفقين معاه وشاربين من البئر معاه، وبياخدوا نسبة من كل زبون يطفش عشان يساعدوه في التمثيل ويهربوا السكان بنفس السيناريو! على طول طلبنا الشرطة، والقبض عليه وعلى الجيران المتورطين في شبكة النصب والرعب دي. ومن اليوم ده، هدّينا الغرفة السرية تماماً، وردمنا الفتحة، وصلينا في الشقة.. ولأول مرة من شهور، الشقة سكنت تماماً ونامت في هدوء. وعايشين فيها لحد النهاردة من غير ما حتى صرصار يتحرك بالليل! تمت بقلمي اسلام احمد