مرات ابنى بتشتغل

وأنا مسكت البيت كلياً، بقيت أطبخلها الأكل الصحي اللي الدكاترة بيكتبوه، وأغسل هدومها، وأراعي العيال، وأعملها كمادات لما حرارتها تعلى. بقيت أقعد تحت رجليها أدلك لها جسمها لما الوجع يمسك في عظامها، وأقرأ لها قرآن لحد ما تنام.
​السنة دي كانت أصعب وأجمل سنة في حياتنا في نفس الوقت.
أصعب سنة لأننا كنا بنشوف جبل الصبر ده بيدوب قدام عنينا يوم بعد يوم، والسرطان كان بياكل في جسمها الصغير بكل شراسة. وأجمل سنة لأننا ردينالها جزء من كرامتها وحقها، وعيشناها في وسط حب وحنان واهتمام ما شافتهوش قبل كده. ما سيبناهاش تحس بلحظة وحدة أو تقصير، وكانت دايماً بتقول لمحمد وهي ابتسامتها المجهدة على وشها: “أنا لو مت دلوقتي، هموت وأنا مرتاحة ومطمئنة إن عيالي مع أعظم أم وأحن أب”.
​وبعد سنة كاملة من الكفاح.. في ليلة جمعة هادية، وكانت الشموس بتشرق بصعوبة، عزة كانت قاعدة في سريرها، ماسكة إيد محمد وإيدي، وبتبص لعيالها الصغار اللي كانوا نايمين جنبه.
بصتلنا وقالت بصوت ضعيف جداً شبه الهمس: “أنا بحبكم أوي.. شكراً إنكم خلتوني أمشي وأنا حاسة إن ليا عيلة بجد.. خلي بالكم من العيال يا محمد.. أدعولي بالرحمة يا أمي”.
​ونطقت الشهادتين، وإيدها سابت إيدنا، وطلعت روحها لبارئها بنعومة وسلام، وزي ما تكون كانت نايمة ومستريحة من كل الوجع والعذاب اللي شافته في الدنيا.
​ماتت عزة، وسبتلنا جرح في قلوبنا مش هيداوى أبداً، بس سابت معاه درس عمرنا ما هننساه.. إن الظواهر كدابة، وإن الست الأصيلة ممكن تخبي جبال من الوجع ورا ابتسامة أو كلمة سكتت عليها، عشان بس تحمي اللي بتحبهم.
​رحمك الله يا عزة.. وربنا يجعل كل لحظة ألم قضيتيها في ميزان حسناتك، ويصبرنا على ذنبنا اللي مش
هننساه طول ما فينا نفس.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *