قضيت يومين كاملين

شكرًا.
ولا قالت كلمة حلوة.
ولا حتى داقت حاجة.
بالعكس، قطبت حواجبها وقالت
بصراحة يا سما… نادين كانت بتعمل الأكل أحسن من كده بكتير.
نادين.
البنت اللي محمود كان مرتبط بيها زمان قبل ما يتجوزني.
الأوضة كلها سكتت.
أخته مريم بصت في الأرض، وأخو محمود الصغير حاول يخبي ابتسامته.
أنا بصيت لمحمود.
أكيد هيدافع عني.
هو عارف أنا تعبت قد إيه.
عارف إني ما نمتش كويس بقالى يومين.
عارف إني قضيت يومين بين السوق والمطبخ والتنضيف والتحضير.
لكن محمود ماقالش حاجة.
وبعدين حماتي مدت إيدها ناحية سلة العيش.
مسكت واحدة من العيش اللي أنا عاملاه وبصت لها.
وقالت
بصراحة؟ دي شكلها يكسف.
وسكتت لحظة قبل ما تضيف
شكلها رخيص.
أخته مريم ضحكت ضحكة صغيرة.
محمود أخيرًا قال
ماما، خلاص بقى.
لكن في اللحظة دي شفت حاجة.
طرف بُقه اترفع بابتسامة.
كان بيضحك هو كمان.
الابتسامة الصغيرة دي هي اللي غيرت كل حاجة.
لأن إهانات حماتي ماكانتشي جديدة.
لكن إن جوزي يستمتع بيها؟
دي كانت حاجة تانية خالص.
بهدوء، فكيت المريلة اللي كنت لابساها.
حماتي بصتلي وقالت
إنتي بتعملي إيه؟
ابتسمت لها وقلت
طالما الأكل مش عاجبكم، يبقى أكيد مش هتضطروا تاكلوه.
وشها اتغير.
وقبل ما تلحق ترد، مسكت أقرب صينية.
ودخلت بيها المطبخ.
رجعت بعدها بدقايق ومسكت طبق تاني.
وبعده طبق تالت.
وفجأة، السفرة كلها بدأت تفضى.
الفراخ.
المحشي.
الرقاق.
المكرونة بالبشاميل.
الكفتة.
البطاطس.
السلطات.
الحلويات.
حتى التورتة اللي كنت عاملاها مخصوص لمريم.
كل حاجة قضيت يومين كاملين بجهزها، بدأت أحطها في علب وأشيلها.
مريم بصتلي بصدمة وقالت
إنتي بتهزري يا سما؟
بصيت لها بهدوء وقلت
لأ، أنا بس بحترم رأي مامتك.
محمود لحقني على المطبخ.
سما، بطلي.
قفلت علبة وأنا بقول
الضيوف قربوا يوصلوا.
قال بعصبية
والناس هتاكل إيه؟
رديت بهدوء
يطلبوا أكل.
بصلي بغضب وقال
إنتي مش ممكن تاخدي كل الأكل اللي عملتيه! ده أكل خطوبة أختي!
بصيت له وقلت
وأنا اللي دفعت تمن كل حاجة.
قال
دي مش النقطة.
هزيت راسي.
عارفة.
لأن فعلًا…
دي ماكانتشي النقطة الوحيدة.
كان فيه سبب تاني خلاني خلاص مش فارق معايا أحافظ على هدوء العيلة.
حاجة محدش فيهم كان يعرفها.
عيلة محمود طول عمرها فاكراني مجرد محاسبة عادية بتشتغل من البيت.
في نظرهم، محمود هو الناجح.
هو صاحب الشغل الكبير.
هو اللي عامل البيت والعيشة الكويسة.
وأنا مجرد مراته اللي بتاخد كام شغلانة صغيرة وتعمل حسابات لناس من البيت.
عمري ما صححت لهم المعلومة.
لأني ماكنتش محتاجة أثبت لهم حاجة.
الحقيقة إن شغلي كان مختلف تمامًا.
أنا متخصصة في المحاسبة الجنائية.
شركات استثمار كبيرة ومكاتب محاماة كانت بتتعاقد معايا عشان أراجع حسابات الشركات قبل صفقات الاستحواذ الكبيرة.
كنت بتتبع التحويلات الغريبة.
وبراجع الحسابات.
وبدور على أي أرقام مش منطقية.
وبكشف عمليات التلاعب اللي ممكن تعدي على أي محاسب عادي.
وقبل خطوبة مريم بتلات أسابيع، جالي ملف جديد.
ملف خلاني أعرف اسم الشركة من أول ما شفته.
شركة عيلة محمود.
ومن ساعتها وأنا براجع مستندات وحسابات تخص الشركة.
مستندات فيها أرقام مش راكبة على بعض.
تحويلات مالية غريبة.
وحاجات محتاجة تفسير.
حاجات ممكن تغير مستقبل الشركة كلها.
حملت آخر صينية وحطيتها في شنطة عربيتي.
محمود خرج ورايا لحد الشارع.
وشه كان أحمر من العصبية.
وقال
سما، لو مشيتي دلوقتي بالأكل، ماترجعيش البيت الليلة.
قفلت شنطة العربية.
ولفيت له بهدوء.
وقلت
أعتقد إنك لازم تفكر كويس أوي قبل ما تقول كلام زي ده.
وشه اتغير شوية.
وقال
إنتي قصدك إيه؟
ما رديتش.
ركبت العربية ومشيت.
وأنا في أول الشارع، موبايلي بدأ يرن.
محمود.
وبعده حماتي.
وبعدها مريم.
ما رديتش على حد.
أنا كان عندي خطط للأكل.
وكان عندي حاجة أهم بكتير أفكر فيها.
لأن في الوقت اللي حماتي كانت بتقلل من الأكل اللي أنا عملته، ومحمود كان واقف بيبتسم معاها، كنت أنا بقالي تلات أسابيع براجع مستندات تخص شركة عيلته.
مستندات فيها أرقام مش منطقية.
وتحويلات محتاجة تفسير.
وقرارات ممكن تأثر على صفقة استحواذ ضخمة.
صفقة قيمتها أكبر بكتير من اللي أي حد في البيت كان متخيل.
بعد أربع ساعات، موبايلي كان لسه بيرن.
لكن المرة دي، نبرة الكلام كانت اتغيرت.
الرسايل الأولى كانت عصبية.
وبعدها بقت كلها لوم وتهديد.
لكن دلوقتي…
بقوا قلقانين.
ولما شفت اسم صاحب آخر رسالة صوتية، فهمت السبب.
حد أخيرًا قال لعيلة محمود مين هي المحاسبة الجنائية اللي بتراجع حسابات شركتهم.
أنا.
وفجأة…
محدش بقى مهتم بأكل الخطوبة ولا التورتة ولا حتى العيش اللي قالوا عليه رخيص.
كل اللي بقوا خايفين منه…
هو أنا كنت اكتشفت إيه في حسابات شركتهم.
الفصل الأول أنا كنت ساكتة… مش غبية
آخر رسالة وصلتني كانت من رقم مش مسجل عندي.
فتحتها وأنا واقفة قدام عربيتي في جراج العمارة.
كانت رسالة قصيرة جدًا
سما، لازم نتكلم قبل ما الموضوع يكبر.
قريتها مرتين.
ماكانش فيها اسم.
لكن أنا عرفت مين صاحبها.
الأستاذ وائل.
المستشار المالي اللي ماسك جزء كبير من ملفات شركة عيلة محمود.
وائل كان واحد من الناس القليلين اللي عارفين طبيعة شغلي الحقيقية.
لأن قبل ما أتجوز محمود، كنت اشتغلت معاه في أكتر من مراجعة مالية كبيرة.
وهو اللي رشحني للجهة اللي كلفتني بمراجعة حسابات شركة المشرق للتجارة والاستثمار.
الشركة اللي محمود كان دايمًا بيتكلم عنها بفخر.
شركة أبوه.
وشركة حماتي سهام بتعتبرها ملك العيلة.
وشركة أخوه الكبير حسام شريك فيها.
وشركة محمود نفسه كان بيمسك فيها ملف التوسعات والمشتريات.
وأنا من أول ما فتحت الملف، حسيت إن فيه حاجة غلط.
مش غلطة محاسب.
ولا تأخير في قيد.
ولا فاتورة اتسجلت غلط.
كان فيه نمط.
فلوس بتخرج من الشركة في شكل دفعات صغيرة، وتتوزع على أكتر من جهة، وبعدها ترجع بشكل غير مباشر.
في الأول قلت يمكن الموضوع له تفسير.
كل حركة مالية ممكن يبقى وراها سبب.
لكن كل ما دخلت أعمق…
كل ما السبب بقى أوضح.
حد كان بيسحب فلوس من الشركة بقاله سنين.
وبطريقة ذكية جدًا.
مش سرقة واضحة.
كان فيه شركات مقاولات صغيرة.
موردين.
عمولات استشارية.
مصروفات نقل.
عقود توريد.
حاجات شكلها قانوني على الورق.
لكن لما جمعت الخيوط مع بعض…
طلع إن معظم الجهات دي مرتبطة ببعض.
والأغرب؟
إن فيه اسم واحد كان بيتكرر بشكل غير مباشر.
اسم محمود.
مش في كل التحويلات.
لكن في عدد كفاية يخلي أي حد متخصص يقف عنده.
وقفت قدام العربية وأنا ماسكة الموبايل.
فتحت رسالة وائل مرة تانية.
لازم نتكلم قبل ما الموضوع يكبر.
ضحكت ضحكة صغيرة من غير ما أقصد.
قبل ما الموضوع يكبر؟
الموضوع كان كبير من زمان.
هم بس ماكانوش عارفين إني شفته.
ركبت العربية.
حطيت الأكل في الشنطة الخلفية، لأنني كنت ناوية أوديه لجمعية قريبة وأخلص من الموضوع.
لكن قبل ما أدور العربية، موبايلي رن.
محمود.
رفضت المكالمة.
رن تاني.
رفضت.
رن للمرة التالتة.
فتحت الخط.
قلت
أيوه؟
صوته كان متوتر.
سما، إنتي فين؟
في العربية.
يعني مش راجعة؟
لأ.
سكت ثانيتين.
وبعدين قال
ماما متعصبة جدًا.
قلت
حقها.
اتخض من الرد.
حقها في إيه؟
إن الأكل مش عجبها.
إنتي لسه هتتكلمي في موضوع الأكل؟
ضحكت.
إنت اللي فتحت الموضوع.
قال بعصبية
سما، الضيوف وصلوا.
مبروك.
مبروك إيه؟! مفيش أكل!
كان فيه.
إنتي عارفة إن اللي عملتيه ده فضيحة؟
سكت شوية.
وبعدين قلت
الفضيحة مش إني أخدت أكلي.
أمال إيه؟
إنكم قعدتوا تهينوا اللي عملته بإيدي يومين كاملين، وبعدها
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *