رميت حاجات امك

رميتُ حاجات أمك من البلكونة، قالتها بهدوء غريب في آخر اليوم.
سمعت مريم جرس الباب وهي لسه بتحاول تنوّم ابنها الصغير ياسين قرب العصر كده. كان الطفل بدأ ينام بالعافية؛ جفونه تقيلة، وصوابعه الطرية سايبة على صدرها…
الجرس رنّ تاني… رنّة مستعجلة، كأن اللي برّه مستني يدخل غصب.
مريم حطّت ابنها بالراحة في السرير، وقامت تفتح الباب وهي بتعدّل شعرها الأشقر الفاتح. كانت صابغاه من شهر، بعد شتاء طويل كئيب… كانت محتاجة أي تغيير.
على الباب كانت واقفة حماتها وداد، ومعاها شنطتين كبار.
— أهلًا يا مريم، قالتها وهي داخلة من غير ما تستنى دعوة.
— أنا جاية أقعد أسبوع. أحمد كلّمني وقال عنده شغل كتير. قلت أجي أساعدك.
مريم اتلخبطت. أحمد ما قالش أي حاجة. بس خلاص… كانت خلعت الجزمة ودخلت الصالة.
— ياسين نايم، لو سمحتي خلي بالك من الصوت، حاولت مريم توقفها.
بس حماتها وقفت في نص الصالة، بتلف بعينيها كأنها بتعاين مكان بقى ملكها.
— إيه ده؟ شعرك بقى أشقر؟ قالت وهي مديّقة عينيها.
— ليه؟ كنتِ أحلى وهو غامق. دي موضة ولا إيه؟
— حسّيت إني عايزة أغيّر بس، ردّت مريم، وهي حاسة إن حاجة جواها بدأت تشدّ.
— حسّيتي، كرّرت الحاجة فاطمة بنبرة استنكار.
— وطب والضوافر دي؟ أحمر فاقع كده؟ الست المتجوزة تختار حاجة أهدى.
مريم بصّت على ضوافرها. كانت عاملاهم من يومين، وهي مبسوطة حصري على صفحة روايات واقتباسات بشكل إيديها، حتى أحمد لاحظهم… وباس صوابعها.
— تحبّي تشربي شاي؟ حاولت تغيّر الموضوع.
— بعدين. خليني أرتّب حاجتي الأول. هتفرشي لي في الصالة، صح؟
التلات أيام اللي بعد كده كانوا عذاب تقيل.
وداد سيطرت على الشقة كأنها قائد جيش.
تصحى بدري، تطبخ أكل محدش بياكله، تعيد غسل أطباق نضيفة، وتعلّق على كل نفس مريم بتاخده.
في اليوم التالت، مريم خرجت من الأوضة لابسة لبس رياضة.
— رايحة الجيم تاني؟ قالت حماتها وهي رافعة حاجبها.
— الولد لسه صغير. الأمهات اللي بترضّع مش بتجري ورا الجيم.
— ماما هتيجي تقعد معاه، قالت مريم وهي بتربط الكوتشي.
— بروح تلات مرات في الأسبوع. محتاجة ده.
— محتاجة! سخرت الحاجة فاطمة.
— أنا بعد الولادة ما رحتش كوافير سنتين. مفيش وقت. وإنتِ بقى جيم، ضوافر، شعر… بتتشيّكي لمين؟
مريم وقفت مكانها، مش مصدقة ودانها.
— قصدك إيه؟
— يا بنتي ما تتعامليش إنك مش فاهمة، قالت وهي بتصب شاي. الست ما بتعملش كل ده لجوزها. لما الزوجة تبدأ تفرّج على نفسها، يا إمّا في حد في حياتها، يا إمّا بتدوّر.
وشّ مريم سخن فجأة.
— إنتِ بتقولي إن عندي علاقة عشان بروح الجيم؟
— أنا ما اتهمتش، ردّت ببرود. بس دي تجارب. الست المحترمة تفكّر في بيتها مش في نفسها. أنا في سنك كنت بلبس مريح وبس… وإنتِ ضيق وقصير وكعب عالي… استعراض.
— ده اسمه اهتمام بنفسي، قالت مريم وهي بتحاول تسيطر على رعشة صوتها. عندي ٢٧ سنة، وعايزة أبقى حلوة لجوزي. إيه الغلط؟
— لجوزك؟ ابتسمت بسخرية. أحمد طول اليوم في الشغل، وإنتِ في الجيم… غريب.
مريم خرجت من الشقة قبل ما تنفجر.
في السلم، وقفت تسند ضهرها وتحاول تتنفس.
اتهام بالخيانة… وهي لسه سهرانة ومرضعه ومهلكة.
بالليل، حاولت تكلّم جوزها.
— أحمد، أمك بتلمّح إني بخونك.
— إيه؟ قالها وهو باصص في اللابتوب.
— مريم، معلش، عندي مكالمة كمان شوية.
— الكلام ده مهم. بتقول إني باهتم بنفسي زيادة.
— ما هي كده دايمًا، قال بشرود. ما تكبريش الموضوع.
— تكبير؟ دي بتلمّح إني خاينة.
— مش اتهام… قلق بس.
برد مسك قلبها.
قلق؟
كرامتها دايمًا تستنى… لحد ما شغله يخلص.
في اليوم الرابع، مريم رجعت من الجيم تعبانة بس راضية.
الشقة كانت هادية على غير العادة.
وداد خرجت، وأحمد في المكتب.
في الممر، اتكعبلت في كيس زبالة أسود كبير.
فتحته… وجمدت.
هدومها.
بلوزة وردي.
فستان عيد ميلادها.
روج أحمر وبرقوقي.
جينز ضيق.
تنورة قصيرة.
كعب عالي.
كلهم مترتّبين.
قعدت على الأرض، إيديها بتترعش.
حماتها فتّشت دولابها، وقررت إيه يترمي.
دخلت المكتب.
— أمك لمّت هدومي في كيس زبالة، قالت بهدوء مخيف. عايزة ترميهم.
— مش وقت الكلام ده، قال بتعب. عندي صفقة بمليون ونص.
— مليون ونص أهم من كرامتي؟
— هكلمها بعدين.
بعدين… دايمًا بعدين.
في اللحظة دي، حاجة جواها طفت.
دخلت أوضة حماتها.
لمّت هدومها.
حطّتها في نفس الأكياس.
طلعت البلكونة.
الدور الأول.
تحت نجيلة.
الكيس الأول نزل.
وبعده التاني.
رجعت قعدت بهدوء.
وبعتت لأمها:
— أنا اللي هاخد ياسين النهارده.
بالليل، الباب اتفتح.
— مريم! رجعت!
صوت وداد عالي.
— أحمد! هدومي فين؟!
— مريم…!..يتبع
باقي الرواية داخل الرابط بالتعليقات
لاتنسى ذكر الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *